المغرب
سياسة

مأساة “مي حسبية” تكشف هشاشة المهمشين وتعيد طرح أسئلة التنمية والسياسة

العمق المغربي18 شتنبر 2026 في 09:270 مشاهدة
مأساة “مي حسبية” تكشف هشاشة المهمشين وتعيد طرح أسئلة التنمية والسياسة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المنسيون في الأرض.. قراءة اجتماعية وسياسية في مأساة “مي حسبية”" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تفرض بعض المشاهد نفسها على النقاش العام بقوة لا تملكها أفصح الخطابات، وهو ما تجلى بوضوح من خلال مقطع الفيديو الذي وثق حالة المسنة المعروفة إعلاميا باسم “مي حسبية”. هذه المرأة التي تجاوزت الثمانين من عمرها، تعيش منذ سنوات طويلة داخل كهف بدوار ركاركة التابع لجماعة الغيات في إقليم آسفي، بعيدة عن الماء والكهرباء وأبسط مقومات العيش الكريم، لدرجة اضطرها الجوع أحيانا لتناول التراب تسكينا لألم معدتها.

المفارقة الصارخة تمثلت في تزامن انتشار هذه الصورة مع أوج الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، حيث تغص الجدران بشعارات الكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة، بينما تعيش هذه المرأة على بعد كيلومترات معدودة في عزلة تامة لم يخترقها مرشح أو موظف إداري، إلى أن كشفتها كاميرا هاتف للرأي العام. هذا المشهد يستدعي قراءة أعمق تتجاوز التعاطف اللحظي لتكشف البنى الاجتماعية والسياسية المؤطرة للحدث.

على المستوى الاجتماعي، يبرز غياب الزوج أو الأبناء وتشتت الإخوة في مدن بعيدة، لتقتصر صلتها بالمحيط على زيارات متقطعة وإحسان جيرانها. وفي القرى المغربية حيث كانت شبكات القرابة تؤدي وظيفة الحماية، يمثل انقطاع هذه الشبكة بفعل الهجرة وتفكك الأسرة كارثة العزلة الاجتماعية الكاملة. ويفيد في هذا السياق استحضار مفهوم المعاناة الموضعية عند 'بورديو'، حيث لا يين الفقر كنقص مادي فحسب، بل كنتاج موقع مقصى كليا عن مراكز الحداثة والخدمة العمومية، ليعكس الكهف حرفيا صورة “المغرب غير النافع”. كما يطرح رفض “مي حسبية” مغادرة كهفها رغم تدخل السلطات سؤالا جوهريا حول حدود التدخل الاجتماعي والتوفيق بين واجب الحماية واحترام الإرادة الذاتية.

أما على المستوى السياسي، فيكتسب توقيت الاكتشاف دلالة كبرى في ظل الدستور المغربي لسنة 2021 الذي يكرس حقوق المعوزين والحماية الاجتماعية وكبار السن. فحين تعجز السلطات المحلية والمنتخبون في جماعة الغيات وبرلمانيو الدائرة عن رصد هذه المواطنة طيلة سنوات، يتضح جليا وجود فجوة حقيقية في التنزيل والتفعيل الميداني. كما تكشف الحالة حدود السجل الاجتماعي الموحد والأنظمة الرقمية عندما تصطدم بواقع مواطنين يقفون خارج البنية التحتية، مما يحول العيش وحيدا إلى عائق إحصائي أمام الاستفادة من الدعم، ويفضي في النهاية إلى نمط تدبيري يعتمد على “حوكمة الفضيحة” والتدخل التفاعلي المؤقت بدلا من الرصد الاستباقي والمعالجة الجذرية.

شارك الخبر: