المغرب
منوعات

العزلة الرقمية: أسر مغربية تجتمع جسدياً وتتباعد روحياً تحت سقف واحد

العمق المغربي12 أكتوبر 2026 في 21:300 مشاهدة
العزلة الرقمية: أسر مغربية تجتمع جسدياً وتتباعد روحياً تحت سقف واحد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العزلة داخل البيت.. عندما يعيش أفراد الأسرة تحت سقف واحد دون تواصل" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مشهد بات مألوفاً في العديد من البيوت المغربية، تجتمع خمسة أفراد حول مائدة العشاء، لكن كل منهم غارق في عالمه الرقمي الخاص. خمس شاشات مضيئة وصمت يجمعهم، هذا الواقع يتكرر مساءً دون أن يلتفت إليه الكثيرون. تخيل أسرة تجتمع يومياً، لكن الأب يتابع الأخبار على فيسبوك، والأم تتصفح قنوات الطبخ، والابن الأكبر منهمك في لعبة إلكترونية، بينما تقضي الصغرى وقتها في مشاهدة فيديوهات قصيرة لا تنتهي. الجميع حاضر بالجسد، لكنهم غائبون بالفكر والقلب، لا يسأل أحدهم الآخر عن يومه، ولا ينتظر إجابة حتى لو طرح السؤال.

هذا الوصف ليس مجرد مبالغة أدبية، بل هو واقع تعيشه أسر مغربية كثيرة اليوم، دون أن تطلق عليه تسمية “عزلة”. ففي المخيلة الجماعية، ترتبط العزلة بالوحدة والانفراد، لا بالشعور بالبعد عن الأهل رغم التواجد معهم. الغريب أن التواصل بين أفراد البيت الواحد أصبح يمر أحياناً عبر الهاتف نفسه، حيث تُرسل رسالة على واتساب من غرفة إلى أخرى تحمل عبارة “الماكلة حاضرة” بدلاً من مناداة الاسم أو طرق الباب.

الأسباب وراء هذا الوضع متشابكة؛ فجدول العمل يمتد لساعات متأخرة، والأبناء يقضون وقتاً طويلاً في الدراسة أو أمام الشاشات، وكل فرد يعيش على إيقاعه الخاص. حتى العطلة الأسبوعية، التي كانت سابقاً فرصة للتجمع، أصبحت وقتاً إضافياً للراحة الفردية في الغرف. لا أحد يقرر العزلة عمداً، لكن تراكم هذه التفاصيل الصغيرة يومياً يؤدي إلى أسرة تعيش تحت سقف واحد كأنها نزلاء في فندق.

الأجداد هم الأكثر شعوراً بهذا التحول. جيل اعتاد على السهرات العائلية وزيارات نهاية الأسبوع، يجد نفسه اليوم ينتظر مكالمة قد لا تأتي، أو زيارة تختصر في نصف ساعة بين موعدين. كثير من الجدات في المغرب يشتكين، بابتسامة حزن، من أن أحفادهن “يعرفون كل شيء عن العالم إلا الجلوس معهن دقائق”.

الأطفال والمراهقون أيضاً يدفعون ثمن هذا النمط، وإن بشكل مختلف. الطفل الذي ينشأ في بيت صامت، خالٍ من الحوار الحقيقي والنقاش على المائدة، يتعلم دون وعي أن الصمت هو لغة الأسرة الطبيعية. وعندما يكبر، يستغرب من نفسه لعدم قدرته على التعبير عما بداخله، أو لشعوره بالوحدة رغم أنه لم يكن يوماً وحيداً فعلاً.

الحل ليس معقداً كما قد يبدو، بل يحتاج إلى قرار بسيط ومتكرر: تخصيص وجبة واحدة في اليوم بلا هواتف، ولو لعشرين دقيقة فقط، مع طرح سؤال حقيقي وانتظار الإجابة. وزيارة للجد أو الجدة دون مناسبة، لمجرد الجلوس معهما. لا يتطلب الأمر خطة كبيرة، بل انتباهاً صغيراً يتكرر يومياً. ففي النهاية، البيت ليس مجرد جدران تجمع أجساداً، بل هو المكان الذي يفترض أن يشعر فيه كل فرد بأنه مرئي ومسموع. وحين يغيب هذا الإحساس، يصبح السؤال مشروعاً: كم من الأسر المغربية تعيش اليوم قريبة جداً في المسافة، وبعيدة جداً في المعنى؟

شارك الخبر: