من المقايضة إلى المادة: رحلة قاسم بين خيال الطفولة وفقدان السعادة


هذا الخبر بعنوان "زمن المقايضة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتذكر (قاسم) أيام طفولته وشبابه المبكر، حيث عانى من فقر مدقع، وكانت نعاله البلاستيكية رفيقته الدائمة، حتى في المدرسة. كان يربطها بسلك عند تمزقها، غير مبالٍ بنظرات زملائه أو سخرية الآخرين، فالغالبية المحيطة به كانت من الفقراء، مما عزز لديهم روح التضامن الطبقي. في فصل الشتاء، كانت أصابع (قاسم) وأمثاله تتورم وتزرق من البرد القارس، مع قلة الملبس والمأكل.
رغم قسوة الواقع المادي، كان (قاسم) يعيش سعادة فريدة، تغطي على مرارة حياته. كانت قراءة أعمال المنفلوطي، جرجي زيدان، أو جبران خليل جبران، تسعده وتنقله إلى عوالم أخرى، حيث يغلف الخيال الحالم واقعه. في سبعينيات القرن الماضي، كان الفصل بين الجنسين في المؤسسات التعليمية، مما ربما جعل الإناث تبدو كالملائكة في نظره، خاصة مع قصص المنفلوطي وأغاني عبد الحليم حافظ التي كانت تغذي خياله الرومانسي. لم يقتصر خياله على ذلك، بل امتد ليشمل نصوص كتاب "اقرأ" وقصص "بوكماخ"، مثل عنزة السيد (سوغان) التي تحلم بالحرية، أو الحمار الذي يتوق للسفر إلى القمر، أو السندباد ورحلاته الأسطورية. قضى (قاسم) ثلث عمره في عالم الخيال، مما جعل أفكاره جامحة، متخيلًا أن كل الكائنات تشاركه أحلامه، متسائلاً عما ستقوله الذبابة أو البعوضة لو تكلمت، أو ماذا سيدون الحمار في مذكراته، أو كيف سيرسم الصقر العوالم التي يراها من عليائه.
مع مرور السنين، أصبح (قاسم) موظفًا كبيرًا، وتقلصت قراءاته، وانقطع عن ماضيه من فقر وقراءة وخيال. تغير مظهره وأعماقه. كانت المرأة في زمن مضى خيالاً رومانسيًا، تظهر على أغلفة الروايات المشرقية، بعينين كعيني المهاة وشعر كسنابل القمح. أما الآن، فيراها كائناً بلا مواصفات، مجرد رقم في المعاملات. تساءل (قاسم) عن مصير تلك الخيالات والأحلام والرؤى البنفسجية لشبابه. أين اختفت السعادة في مشاهدة البحر والغابة والورود وألوان قوس قزح وأسراب الطيور المهاجرة؟ لم تعد الفصول أو مكونات الطبيعة تحرك فيه حسًا. هل لعنة المادة هي السبب في هذا التحول لصاحبنا الأنيق، ذي البدلة البراقة والحذاء اللامع، الذي لا يمكن تخيله بنعل بلاستيكية ممزقة؟ هل سرقت المادة السعادة الحالمة أم طردتها إلى غير رجعة؟
أين أيام العطل السعيدة، أو سرقة سويعات الدرس والفرار إلى الحقول وتسلق الأشجار المثمرة؟ هل كل أقران (قاسم) مروا بنفس التجربة، أم أنهم نضجوا بعد مرحلة طفولية اتسمت بخيال لا معنى له؟ وهل يعاني أطفال وشباب اليوم من جفاف في الخيال ونضوب في السعادة مثل كهول اليوم؟ تشير كل المؤشرات إلى أنهم سيعانون مثل بؤس (قاسم) حين تملكته المادة. وستكون المصيبة أعظم إن كان شباب اليوم تعيسًا كما يظهر من تجهمهم الحالي، الذي يغطونه ببريق كبريق (قاسم) حين كبر في السن. هل فارقت السعادة الكائنات البكماء أيضًا في زمننا هذا، وتوقفت عن الخيال الحالم بالحرية والسفر إلى القمر، كما هو شأن عنزة السيد (سوغان) وحمار قراءة السيد (بوكماخ)؟
تُرى، لو طُلب من السيد (قاسم) العودة بالزمن للوراء، واستعادة بهجته المفقودة مقابل سلب كل مادياته ومتاعه البراق، فماذا سيكون موقفه؟ أم إن هذه هي المعادلة والمقايضة التي ينبغي على المرء إقامتها مع زمنه، الذي لا يعطي إلا بمقدار ما يأخذ، وربما يأخذ أكثر مما يعطي؟
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات