من الديمقراطية إلى «الذلقراطية»: تفكيك أزمة الواقع السياسي والدستوري في المغرب


هذا الخبر بعنوان "من الديمقراطية إلى «الذلقراطية»: قراءة نسقية في أزمة الواقع السياسي والدستوري بالمغرب" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منتدى العمق - حمزة الشواي - 21 سبتمبر 2026 - 13:04
“السلطوية المعاصرة لا تلغي الدساتير، بل تحتفظ بها كواجهة لتشريع الإذعان. هكذا تولد «الذلقراطية»؛ نسق يمنحك الحق في النص، ويصادره منك في المسطرة”.
يتطلب التحليل الفقهي الدستوري للتحولات المؤسساتية في المغرب تجاوز المقاربات الوصفية التقليدية، وصياغة أدوات مفاهيمية ذات حمولة إبستيمولوجية قادرة على استيعاب المستجدات الواقعية. وبينما يستقر الفقه الدستوري وعلم الاجتماع السياسي على اعتبار «الديمقراطية» نظاماً معيارياً يرتكز على سيادة الأمة ويضمن المركز القانوني للمواطن كمصدر للمشروعية، في مقابل «الديكتاتورية» التي تحتكر السلطة وتجرد المحكومين من حقوقهم، فإن التدقيق المنهجي في الممارسة المؤسساتية يكشف عن قصور هذين المفهومين في استيعاب تعقيدات الحالة المغربية. لذا، تبرز الحاجة العلمية لتأطير نشوء نسق تدبيري هجين يفرض نفسه كظاهرة سياسية وواقعة دستورية، نقترح له اصطلاحاً مفهوم «الذلقراطية».
يتموقع هذا المفهوم تقاطعياً؛ فهو يستعير واجهته المؤسساتية وهندسته الإجرائية من الديمقراطية، بينما يستبطن الجوهر التدبيري القائم على الإخضاع وتقليص الفاعلية الحقوقية، الذي يميز الأنظمة السلطوية. وعلى صعيد الصياغة وفقه اللغة القانونية، يتأسس مصطلح «الذلقراطية» عبر النحت اللفظي؛ حيث يستند شقه الأول إلى الجذر (ذ – ل – ل)، بما يحيل على الانتقاص من الاعتبار القانوني للمرتفق، وهو ما يلامس حدود مخالفة الفقرة الثانية من الفصل 22 من الوثيقة الدستورية التي تحظر كل معاملة حاطة بالكرامة، في حين يستعير شقه الثاني اللاحقة الدالة على ممارسة السلطة.
من هذا المنطلق، يتحدد مفهوم النظام الذلقراطي قانونياً وسياسياً بكونه: «ممارسة السلطة العامة والتدبير المرفقي بأدوات تفرز إخضاعاً واقعياً، وتجرد المحكومين من الأثر الفعلي لمراكزهم الدستورية، مع إحلال علاقات التبعية الإدارية محل مبادئ المواطنة الفاعلة». ويتقاطع هذا التكييف مع ما يصطلح عليه في الفقه الدستوري المقارن بـ«الدساتير الواجهة»، حيث يتم الاحتفاظ بالنص الدستوري كوثيقة شكلية، وكذا مع نظرية «السلطوية التنافسية» التي تفترض وجود مؤسسات تمثيلية يتم تحجيم محتواها التداولي. وهو ما يجد سنده كذلك في فقه القانون العام المعاصر الذي يحذر من تحويل الالتزامات الدستورية الأصيلة للدولة تجاه المواطن، إلى مجرد رخص إدارية تخضع للسلطة التقديرية والتحكم الإجرائي.
باستقراء الممارسة من الزاوية الشكلية-الإجرائية، يلاحظ أن النسق المؤسساتي يحرص على الاستيفاء الحرفي للمظاهر الديمقراطية عبر انتظام الاستحقاقات، وضمان التعددية الحزبية، وملاءمة الترسانة التشريعية مع مقتضيات وثيقة 2011. بيد أن الفحص المعياري لمخرجات «السياسات العمومية» يكشف عن انزياح لوظيفة الدولة؛ فبدل الارتقاء بالحقوق والحريات طبقا لمنطوق الفصل 31، وتأمين استمرارية المرفق العمومي كأداة للإنصاف المجالي تفعيلاً للفصل 154، يتم الانتقال نحو مأسسة «تدبير الهشاشة». ويتم ذلك عبر تقنيات الضبط الإجرائي، والفرز المحاسباتي الذي يُخضع المطالب الاجتماعية لمنطق الإكراهات الماكرو-اقتصادية.
وتأسيساً على هذا التكييف، ينهض النسق «الذلقراطي» كآلية منهجية لتفريغ القواعد الدستورية من حمولتها الإلزامية، عبر إخضاعها لمنطق إجرائي معقد يحول النص الدستوري إلى غطاء شكلي تتوارى خلفه نزوعات تحكمية. ويمكن رصد تجليات هذا المفهوم في الوقائع المؤسساتية التالية:
بناءً على ما تقدم، يمكن استنتاج أن تفاقم ظاهرة الاستقالة السياسية وتراجع معدلات المشاركة الانتخابية ليسا مجرد تعبير عن لامبالاة مجتمعية، بل هما انعكاس مباشر لإدراك الهيئة الناخبة لهيمنة نسق «الذلقراطية». وغني عن البيان أن تجاوز هذه الأزمة الدستورية لا يتوقف عند حدود التعديلات النصية أو تجويد المساطر، بل يستوجب إحداث قطيعة منهجية مع «الدستورانية الشكلية» التي تشرعن النزوعات السلطوية، والانتقال الفعلي نحو «دستورانية مادية» تضع المركز القانوني للمواطن كغاية أسمى لأي تعاقد سياسي حقيقي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة