كيف تتحول القوة إلى قانون غير مكتوب لخدمة أصحاب النفوذ والمال؟


هذا الخبر بعنوان "حين تصبح القوة قانونا" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعيش الناس مع بعضهم، من حيث الأصل، على أساس المساواة، لكن قانون القوة يتدخل كثيرا ليفرض نفسه على هذا المبدأ ويغيّر حدوده. فمن يملك المال يقدر على التأثير أكثر من غيره، ومن يملك السلطة يقدر على اتخاذ القرار بشكل أوسع، ومن يملك المعرفة يستطيع توجيه الناس والتأثير في تفكيرهم، بينما قد يكون تأثير صاحب المعلومة في الوقت المناسب أكبر أحيانا من تأثير صاحب المال نفسه.
لا يحتاج القوي دائما إلى رفع يده أو استعمال العنف، يكفي أن يملك شيئا يحتاجه الآخرون كالمال أو الوظيفة أو الأرض أو المعلومة أو التوقيع أو المعرفة بالشخص المناسب، عندها يصبح الرفض مكلفا والقبول شبه إجباري من دون أن يظهر ذلك للعيان، وهي من أخطر أشكال السيطرة التي تجعل الإنسان يشعر بأنه اختار بينما لم يكن أمامه سوى خيار واحد.
تتعدد وسائل السيطرة لتشمل السوق والإدارة والسياسة والقانون والخطاب وأحيانا الدين، مع منح هذه الوسائل غطاء أخلاقيا تجعل القوة تبدو حقا مشروعا. فالظلم يحتاج إلى كلام يغطيه والاستغلال يحتاج إلى من يحسن الحديث عنه، حيث يستغل القوي الآخرين باسم قواعد السوق، ويحصل صاحب النفوذ على ما لا يحصل عليه غيره بحجة الخبرة والكفاءة، ويفرض المحتكر شروطه تحت غطاء المنطق الاقتصادي الطبيعي.
يستطيع من يملك المال أن يخوض معركة قانونية طويلة، بينما يعجز الفقير عن تحمل ثمن المحامي وسنوات التقاضي رغم تساوي الحقوق من حيث المبدأ. وهنا تبرز مقولة أناتول فرانس الساخرة والعميقة حول المساواة أمام القانون، فالغني يدخل المعركة بوسائل أقوى بكثير من وسائل الفقير، والمجتمع غالبا هو من يحدد من يستطيع الوصول إلى الحق واستعماله فعلا.
لا تتوقف القوة عند أبواب المحاكم بل تمتد لتشمل المدرسة والجامعة والإدارة ومكان العمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية، ليحصل الشخص على فرصة أو وظيفة بسبب شبكة علاقاته القوية بينما يبقى صاحب الكفاءة خارج المنافسة. وكما أشار بيير بورديو في حديثه عن العنف الرمزي، فإن القوة الناعمة تجعل الإنسان يتقبل موقعه وتظهر الفوارق كأنها شيء طبيعي، وهو ما يتقاطع مع طروحات ميشيل فوكو حول السلطة المتجذرة في المؤسسات والعلاقات اليومية.
وعندما يتحالف المال مع السلطة، تتحول الثروة إلى نفوذ يحميها ويقترب من مواقع القرار لتوزيع الموارد ووضع القواعد. وهنا يفقد القانون جزءا من معناه عندما يصبح قاسيا على الضعيف وليّنا أمام القوي الذي يختبئ داخل مواد القانون وإجراءاته وثغراته، لتبرز الفجوة الكبيرة بين المساواة أمام القانون والمساواة في القدرة على استعماله.
تمثل المعرفة والمعلومة قوة إضافية لا تقل أهمية عن الثروة، فمن يملك المعلومة يستطيع توجيه النقاش لصالح روايته والتحكم في طريقة رؤية الناس للواقع، وهو ما حذّر منه جورج أورويل بشأن قدرة اللغة على تجميل الأفكار القاسية وإخفاء حقيقتها عبر تغيير الأسماء وتسمية الاستغلال مرونة والإقصاء اختيارا.
في النهاية، يشكل المجتمع شبكة واسعة من المصالح والقوى، وحين يختل توزيع القوة يختل توزيع الفرص. ولا يمكن إلغاء الصراع تماما، لكن يمكن منع القوة من التحول إلى حق مطلق عبر تقوية الدولة والقانون ومؤسسات المساءلة، لضمان خضعان الأقوياء للقواعد نفسها التي يحترمها الضعفاء وتحقيق العدالة الحقيقية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة