تنويه
هذا الخبر بعنوان "لدينا 12 جهة… فلماذا لا نعيد التفكير في معنى التنمية؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: إيدر تنالت* | 23 سبتمبر 2026 - 14:26
عندما تصبح الثروة المستخرجة وطنية، فمن المنطقي أن تكون التنمية الموزعة وطنية أيضاً. قد يبدو هذا السؤال بسيطاً، لكنه يفتح نقاشاً أعمق حول مستقبل المغرب الذي نطمح لبنائه. فإذا كان المغرب مقسماً إدارياً إلى 12 جهة، فلماذا لا نعيد النظر في مفهوم التنمية والسياسة من منظور هذه الجهات؟ هل يمكن أن نتخيل 12 حزباً سياسياً فقط، يمثل كل منها جهة معينة، ويتنافس كل حزب على تنمية الجهة التي يمثلها، مع إمكانية محاسبة المواطنين له؟
لا يعني هذا الدعوة إلى تقسيم المغرب سياسياً، أو جعل كل جهة دولة مستقلة، أو احتكار الثروات. فالثروات الوطنية ملك للجميع، والتضامن بين الجهات ضروري لوحدة الوطن. لكن هذا التضامن يجب ألا يؤدي إلى اختلال دائم في التوازن. إذا كانت ثروة جهة ما وطنية، فإن مسؤولية تنميتها يجب أن تكون وطنية أيضاً. هنا يبرز التساؤل: هل من العدل استخراج الثروة من مكان وترك هذا المكان ينتظر نصيبه من التنمية؟ الأمر لا يتعلق فقط بما تنتجه الجهة، بل بالقيمة التي تعود إليها من هذا الإنتاج.
تُعد جهة درعة-تافيلالت مثالاً حياً لهذا النقاش. تمتلك هذه الجهة مؤهلات معدنية، طاقية، سياحية، وثقافية هائلة، وإمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والسياحة والسينما. ومع ذلك، لا تزال أجزاء كبيرة منها تواجه تحديات في البنية التحتية، وفرص العمل، والنقل، والتعليم العالي، والخدمات الصحية. تتجلى المفارقة هنا في كيف يمكن لأرض غنية بالإمكانات أن تعاني من فقر في بنيتها التنموية؟
لا أهدف إلى القول بأن ثروات درعة-تافيلالت يجب أن تبقى محصورة فيها. بل على العكس تماماً: لتكن ثروتها ثروة للمغرب كله، ولتكن تنميتها جزءاً من أولويات المغرب كله. إذا خرجت الثروة الوطنية من أرض ما، فمن الطبيعي أن يعود جزء من قيمتها في شكل مدارس، مستشفيات، جامعات، طرق، ومشاريع توفر فرص عمل داخل تلك الأرض، بالتوازي مع استفادة باقي الجهات. هذه هي العدالة المجالية في جوهرها.
من هنا، أطرح فكرة قد تبدو غير مألوفة: ماذا لو أعدنا بناء المنافسة السياسية حول الجهات الاثنتي عشرة؟ لا أقصد إلغاء الأحزاب أو التعددية، بل أن يصبح لكل جهة مشروع تنموي واضح، قابل للقياس والمحاسبة. مشروع يوضح للمواطن: هذه هي احتياجات جهتك، هذه مواردها، هذه مشاريعها الضرورية، وهذه هي المدة الزمنية لإنجازها. ثم تأتي الانتخابات لاختيار من يستطيع تنفيذ هذا المشروع، ويصبح الحساب بعد انتهاء الولاية أكثر وضوحاً: ماذا فعلتم لجهتكم؟ كم مستشفى أُنجز؟ كم جامعة أُحدثت؟ كم فرصة عمل خُلقت؟ كيف تحسنت البنية التحتية؟ عندها، يمكن للسياسة أن تنتقل من المنافسة على الشعارات إلى المنافسة على النتائج. فالسياسة في جوهرها ليست مجرد فن الوصول إلى السلطة، بل هي مسؤولية تحويل الإمكانات إلى حياة أفضل.
العدالة المجالية لا تعني تطابق الجهات في كل شيء. فالاختلاف بين جهة زراعية وأخرى معدنية، أو بين جهة سياحية وأخرى صناعية، هو أمر طبيعي وقد يكون مصدر قوة. لكن ما ليس طبيعياً هو أن يحدد مكان الولادة نصيب الفرد من التعليم أو الصحة أو فرص العمل. لا ينبغي أن يرث الإنسان نصيبه من التنمية كما يرث اسمه. نحن شعب واحد داخل 12 جهة. لذا، يجب أن تشبه العلاقة بين الجهات أعضاء جسد واحد: الجهة الغنية بمواردها تساهم في قوة الوطن، والوطن بدوره يضمن أن تكون هذه الجهة شريكاً كاملاً في ثمار تنميتها، لا مجرد مصدر للثروة. لا ينبغي بناء جهة على حساب أخرى، ولا نقل الفقر من مكان لآخر باسم التضامن. بل يجب تحويل الموارد المختلفة للجهات إلى قوة تنموية مشتركة يستفيد منها الجميع.
ربما حان الوقت لتغيير السؤال. بدلاً من السؤال عن عدد الأحزاب، نسأل عن عدد المشاريع التنموية الحقيقية. وبدلاً من أن يسأل المواطن السياسي: ماذا ستقول لنا؟ يمكن أن يسأله: ماذا ستبني لنا؟ فالوطن لا يُقاس بثرواته الطبيعية، أو عدد الأحزاب، أو الشعارات الانتخابية، بل بقدرة هذه الثروات والمؤسسات والسياسات على تحويل حياة الإنسان إلى حياة أكثر كرامة. لا أريد مغرباً تتساوى فيه الجهات في الفقر، ولا مغرباً تتفاوت فيه الجهات لدرجة يعيش فيها جزء المستقبل بينما ينتظر الآخر وصوله. أريد مغرباً تختلف فيه الجهات في مواردها وخصوصياتها، لكنها تتقارب في الحقوق والفرص والكرامة. فالتنمية الحقيقية هي أن يصل المغرب كله، لا أن يصل جزء منه قبل الآخر.
إيدر تنالت، فنان أمازيغي مغربي.
أخبار ذات صلة
سياسةانتخابات 2026: المشاركة عند منتصف النهار تسجل 11.34% وتتراجع مقارنة بـ2021
سياسةالبرلمان المغربي: هل أصبحت القرابة السياسية والعائلية بوابة للمجلس؟
سياسةخسارة 620 مليون سنتيم: أحزاب اليسار والـ"PPS" وجبهة القوى تتصدر قائمة الخاسرين لضمانات الترشح الانتخابي
سياسة
