المغرب
سياسة

قراءة سوسيولوجية في ظاهرة "ولاد لبريفي" وأزمة المنظومة التعليمية بالمغرب

العمق المغربي30 شتنبر 2026 في 12:510 مشاهدة
قراءة سوسيولوجية في ظاهرة "ولاد لبريفي" وأزمة المنظومة التعليمية بالمغرب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "محاولة لفهم ظاهرة “ولاد لبريفي”" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 29 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشهد المنظومة التعليمية بالمغرب تحولات هيكلية وعميقة تجعل من مفاهيم الشارع اليومي مادة دسمة للتفكيك السوسيولوجي. فلم يعد شيوع لقب “ولد لبريفي” مجرد تسمية أو وصم يطلقه الرأي العام المغربي على منتسبي التعليم الخصوصي في مقابل تلامذة “مدرسة الدولة”، بل أضحى مقولة اجتماعية مشحونة بأبعاد هوياتية وطبقية تعكس الواقع المأزوم الذي أفرزته الاختيارات الاقتصادية والسياسات التربوية الوطنية.

إن التنازل التدريجي عن قطاع سيادي وحيوي كالتعليم وإتاحة المجال لمستثمرين ورجال أعمال تحركهم السعة المالية ومراكمة الأرباح، قد أعاد تشكيل وظيفة المؤسسة التعليمية برمتها، فنقلها من التنشئة القومية والارتقاء الاجتماعي إلى مشاتل لتكريس التمايز الطبقي وصناعة الاستحقاق الزائف.

انطلاقا من سوسيولوجية التربية، يمكن استحضار أطروحة السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو حول إعادة الإنتاج للكشف عن الآلية التي تجعل من المدرسة أداة لإدامة التفاوتات الاجتماعية، وكيف يتحول “الرأسمال الاقتصادي” إلى “رأس مال رمزي”. كما يتحقق تحذير لوي ألتوسير الذي اعتبر المدرسة “الجهاز الأيديولوجي الأساسي للدولة”، فعندما ترفع الدولة يدها جزئياً، يفقد النظام التعليمي قدرته على صياغة الوعي الجمعي وإرساء قيم المواطنة المتساوية.

وتتطلب قراءة التباين بين القطاعين العام والخاص مقاربة منهجية؛ فالتعليم الخصوصي لا يشكل بنية واحدة صلبة، بل يمتد من المدارس ذات البعثات الأجنبية إلى المدارس التجارية المحلية التي تقصدها الأسر مكرهة جراء تراجع المدرسة العمومية. ويعاني هذا القطاع بدوره من اختلالات بنيوية، حيث تحول الكثير منه إلى ضيعات مقاولاتية تدار بمزاجية فردية ومنطق مالي صرف، مستحضراً أطروحة ماكس فيبر حول الهيمنة وبناء المشروعية، ومجرداً المدرس من سلطته “العقلانية-القانونية” ليتحول إلى أجير هش.

وأدى هذا التساهل إلى بروز ظواهر تربوية خطيرة تحول في ظلها التلميذ إلى زبون يمتلك سلطة التأثير المباشر، وهو ما أشار إليه المفكر رولان بارت حول اختلال موازين القوى في الخطاب، وصولاً إلى الحالة “اللامعيارية” أو الأنوميا التي تحدث عنها إميل دوركايم. كما يقودنا التأمل في الأبعاد البيداغوجية إلى انتقاد باولو فريري للنموذج “البنكي” للتعليم، لتتحول الأمور في التعليم الخصوصي التجاري إلى نموذج بنكي مالي صريح تُشترى فيه الشواهد.

إن انقسام أبناء الوطن الواحد إلى فئتين هما “ولاد البريفي” و”ولاد الشعب” يؤسس لشرخ اجتماعي خطير ويغذي الحقد الطبقي المتبادل، مما يهدد استقرار المجتمع المغربي وقيمه التأسيسية. وتظل العودة ضرورية لكي تستعيد الدولة دورها الموجه والراعي للتعليم كخدمة عمومية سيادية، وإعادة الهيبة للمدرسة العمومية مع فرض دفاتر تحملات صارمة على مؤسسات القطاع الخاص.

شارك الخبر: