قراءة تحليلية في السلوك الانتخابي: القرية تصوّت من واقعها المعيش بعيداً عن الأحكام الجاهزة


هذا الخبر بعنوان "لا تجعلوا البادية شماعةً لنتائج الانتخابات: القرية تصوّت من داخل واقعها" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر إبراهيم العلوي بتاريخ 30 سبتمبر 2026 - 10:12
تُعد النظرة الدونية إلى البادية، أو ما تُعرف بـ “البلاد – تمازيرت”، وتحميلها مسؤولية كل السلبيات المرتبطة بنتائج الانتخابات وعودة “الفراقشية”، مقاربة ضيقة لا تدرك حقيقة البادية والقرية والهامش، كما تعجز عن استيعاب تعقيدات الارتباط بين هذه المجالات والفعل السياسي والانتخابي.
وفي هذا السياق، وانطلاقاً من تجربة ثلاث محطات تشريعية عشتها عن قرب عبر المشاركة في حملات انتخابية كمتطوع أو متعاقد مع مكتب تواصل مكلف بالحملات خلال انتخابات 08 شتنبر 2021، إضافة إلى هذه التجربة الرابعة التي أتيحت لي فيها فرصة العمل كملاحظ ميداني ضمن مهمة جمعت بين منتدى الزهراء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أسجل الملاحظات الآتية:
أولاً: ضرورة التمييز بين البادية المغربية وعدم معاملتها كفضاء متجانس؛ فالبادية في الصحراء تختلف عن نظيرتها في الجنوب الشرقي وجبال الأطلس، وبادية مجال الواحات تتباين عن بوادي أزمور ودكالة أو بوادي الشمال وغيرها، إذ لكل مجال خصوصياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن اختلاف أنماط ارتباطه بالسلطة والانتخابات والفاعلين السياسيين.
ثانياً: أظهرت الملاحظة الميدانية أن تصويت أهل البادية يتسم بطابع عقلاني وبراغماتي في جانبه الأكبر، وإن اتسم بأفق قصير أحياناً؛ فأهل البادية لا يمنحون ثقتهم للوعود الانتخابية المجردة، ويميل قطاع منهم إلى ترقب النتائج المباشرة والملموسة: ما الذي سيجنيه الفرد أو الدوار أو الجماعة من هذا المرشح؟ وما الذي سيتبدل فعلياً في حياتهم اليومية وهم يدركون أنه بمجرد مغادرته لن تراه أعينهم مجدداً؟ ولا يعني ذلك اختزال الناخب القروي في المصلحة المادية البحتة، بل يؤكد أن الخبرة المتراكمة جعلته أكثر حذراً تجاه الخطاب السياسي وأكثر ميلاً لتقييم الفعل السياسي بناءً على نتائجه الآنية والملموسة.
ثالثاً: إن القادر على كسب ثقة أهل البادية هو غالباً من يقترب أكثر من معاشهم اليومي وانشغالاتهم الملحة. ومما يؤسف له أن العديد من الأحزاب الجادة تبدو اليوم معزولة عن هذا الهامش، بحكم أن معظم أطرها وقياداتها نشأت مهنياً واجتماعياً في المدن ضمن الطبقة المتوسطة، باستثناء قلة قليلة ظلت متصلة بالمجال القروي، مما يترك الساحة السياسية سانحة أمام فئة من الأعيان المحليين المستقرين في البوادي والمراكز الهامشية، والذين يمتلكون فهماً عميقاً لشبكات العلاقات الاجتماعية والحاجات اليومية للسكان، مانحين أنفسهم قدرة أكبر على التواصل والتأثير.
رابعاً: لا تخضع توجيهات الرأي العام القروي لقاعدة أحادية، بل تتداخل فيها عوامل عدة يتصدرها المصلحة المباشرة والملموسة. ومن خلال المعاينة الميدانية، لوحظ مثلاً أن قرية بدوار نائي ومعزول في إقليم ورزازات كانت تعاني حرمان ساكنتها من مياه الشرب، ولأجل الحصول على هذه المادة الحيوية والأساسية استناداً إلى دستور البلاد، وضعت شرطاً عملياً صارماً أمام المرشحين: من ينجح في توفير أنبوب للماء بطول ستة كيلومترات وبمواصفات تقنية ملائمة سينال أصواتها. وانعكس هذا المطلب بوضوح تام على نتائج الانتخابات التي جاءت على النحو التالي من أصل 100 صوت: الحركة الشعبية 79، الاستقلال 17، الأصالة والمعاصرة 1، والعدالة والتنمية 0. وتؤكد هذه الحالة أن التصويت القروي لا يُفسر بثنائية “الوعي” و”الجهل”، بل يُفهم في ضوء شروط العيش والحاجات الأساسية وانتظارات السكان من العمل السياسي.
خامساً: تشهد القرية حضوراً لافتاً لما يُعرف بـ “فائض الأعيان”، وهم فاعلون محليون يمتلكون القدرة على ترجمة البرنامج الانتخابي وتقريبه للساكنة، وتحويل الخطاب السياسي النظري إلى وعود ومطالب ومصالح يدركها المواطن القروي ويستطيع ربطها بواقعه المعيش، وهنا تبرز الأهمية البالغة للوسيط المحلي في استيعاب السلوك الانتخابي بالبادية.
سادساً: غالباً ما يكون رجال السلطة المحليون، من مقدم وشيخ وغيرهما، أقرب إلى المواطن القروي مقارنة بالمرشح الحزبي؛ فالمواطن البسيط يتعامل معهم بصفة يومية ويألفهم وهم يعرفون مشاكله وحاجاته، بينما قد يطل المرشح الحزبي على المجال القروي موسمياً طيلة فترة الانتخابات فقط.
وبناءً على ما سبق، فإن فهم السلوك الانتخابي في البادية يستدعي التخلي عن الأحكام الجاهزة التي تُلقي على عاتق القرية وزر نتائج الانتخابات، والنظر إليها كمجال اجتماعي وسياسي ذي منطق مستقل تحكمه شبكة مركبة من المصالح والحاجات والعلاقات والوساطات والرموز المحلية. فالقرية ليست مجرد خزان انتخابي ولا فضاء للجهل السياسي كما يُصورها البعض، بل هي فضاء سياسي واجتماعي يمتلك عقلانيته الخاصة، ولا سبيل لفهم اختيارات أبنائه إلا من داخل شروطهم الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، وعبر ارتباطهم الفعلي بالدولة والأحزاب والسلطة والفاعلين المحليين.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة