الملك فيليبي السادس بين تحديات سبتة ومليلية السياسية والجغرافية


هذا الخبر بعنوان "العاهل الإسباني يواجه مكر التاريخ وعناد الجغرافيا في سبتة ومليلية" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستعرض العلاقات المغربية-الإسبانية تقلبات تاريخية تتجذر في صراع سيادي حول سبتة ومليلية، وتوازنات أمنية واقتصادية تفرضها الجغرافيا. بلغت هذه المفارقة ذروتها مع محاولات الاقتحام الجماعي لسياجي المدينتين صيف 2026، وتجديد التأكيد المغربي على مغربيتهما. جاءت زيارة الملك فيليبي السادس المقررة يومي 13 و14 أكتوبر 2026 إلى الثغرين في خضم اضطراب سياسي إسباني، تمثل في قرار رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة في 29 نوفمبر 2026. وفي هذا السياق، شكل خطاب الملك محمد السادس منعطفاً حاسماً، رافضاً الابتزاز ومعلناً تجاوز نموذج التعاون الأمني الحالي، ومحملاً المنظومة القضائية الإسبانية مسؤولية عرقلة ترحيل القاصرين واستفحال شبكات الاتجار بالبشر.
التأطير القانوني والواقع الميداني: سعت أوساط يمينية إسبانية لتصوير أحداث 2026 كأداة ضغط مغربية، وهو ما تدحضه الحقائق القانونية والميدانية. أكدت وزارة الداخلية المغربية أن ما جرى هو نتاج شبكات إجرامية دولية منظمة، وأن حملات رقمية مضللة استغلت منصات التواصل الاجتماعي لتحريض الفئات الهشة. دحضت الأرقام المغربية التهويل الإسباني، حيث بلغ عدد المتسللين نحو 40 ألفاً إلى سبتة و1135 إلى مليلية. تحملت القوات المغربية العبء الأكبر في إحباط هذه المحاولات. وأثبتت المملكة امتثالاً صارماً لاتفاقات إعادة القبول، مما أسقط حجة المعارضة الإسبانية وأقر رئيس الحكومة الإسبانية ببراءة المغرب. أما ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين، فقد وضعه الملك محمد السادس في بؤرة الضوء، مشيراً إلى مقتضيات قانونية وقرارات قضائية إسبانية متجاوزة تحول دون ترحيلهم، مما يوفر غطاءً لنشاط مافيات الاتجار بالبشر.
التكييف الاستراتيجي لزيارة العاهل الإسباني: تكتسي زيارة الملك فيليبي السادس طابعاً استثنائياً في ظل التجاذب الدستوري والسياسي الإسباني عشية الانتخابات. تسعى رئاسة الحكومة للتهرب من المسؤولية عبر إرسال الملك لسحب ورقة المزايدة القومية من اليمين، مع حرص سانشيز على الغياب لتجنب الصدام. المؤسسة الملكية تتدخل كرمز جامع للوحدة الوطنية، محاولة طمأنة السكان وترميم هيبة الدولة، مع وصف الأزمة بأنها مسؤولية أوروبية. تستغل المعارضة اليمينية أزمات السكن والهجرة لشن هجوم على الحكومة. يكشف هذا التوزيع أن الحكومة استدعت الملك للإنقاذ، وأن امتناع سانشيز يمثل إقراراً بأن الردع الرمزي مجرد وهم سياسي، فالحماية الحقيقية تتطلب تنسيقاً وثيقاً مع المغرب.
أَوْرَبَة الحدود وحدود التدويل: في محاولة لتجاوز مأزق المواجهة الثنائية، لجأت إسبانيا إلى استدعاء البعد الأوروبي، مطالبة بجعل سبتة ومليلية مسؤولية مشتركة للاتحاد الأوروبي. إلا أن النصوص التأسيسية للاتحاد لا تملك ولاية لترسيم الحدود الدولية أو إضفاء شرعية سيادية على جيوب استعمارية متنازع عليها. محاولة إسبانيا توريط الاتحاد الأوروبي تصطدم بالحسابات البراغماتية للقوى الأوروبية، ليتحول استدعاء المظلة الأوروبية إلى دليل على العجز الإسباني الذاتي عن ضبط حدوده دون الاعتماد على الأمن المغربي.
المقاربة الاستراتيجية المغربية: يتعامل المغرب مع الاستعراضات الإسبانية بمنطق الرصانة، مستنداً إلى عقيدة واضحة المعالم. يؤكد المغرب باستمرار أن سبتة ومليلية أراضٍ مغربية محتلة، وأن أي تصرفات إسبانية أحادية ليس لها أثر قانوني دولي. تعتمد الدبلوماسية المغربية نهج التجاهل الواعي لزيارة فيليبي السادس الاستعراضية، مع توجيه رسائل تأطيرية صارمة عبر البرلمان. أعلن الملك محمد السادس نهاية مرحلة العمل كـ “دركي مجاني” لأوروبا، مؤكداً أن النموذج الحالي للتعاون أصبح متجاوزاً، وأن المملكة بصدد تقديم وثيقة استراتيجية جديدة لشراكة ندية. نجح المغرب في تنظيم المعابر وإنهاء التجارة غير المهيكلة، ما جعل استمرار الوضع الحالي عبئاً مالياً لإسبانيا.
مآلات الشراكة واستشراف السيناريوهات: يضع قرار الانتخابات المبكرة في 29 نوفمبر 2026، إلى جانب المحددات الملكية، مسار العلاقات الثنائية أمام ثلاثة سيناريوهات. السيناريو الأول: فوز الحزب الشعبي، حيث ستفرض الواقعية السياسية على تبني براغماتية اضطرارية للحفاظ على التعاون. السيناريو الثاني: استمرار بيدرو سانشيز في السلطة، مما يمثل خط استمرارية مؤسساتية وتنسيقاً أمنياً وسياسياً. السيناريو الثالث: تحالف الحزب الشعبي مع حزب فوكس اليميني المتطرف، مما سيؤدي إلى تصعيد إعلامي وفشل عملي أمام الواقع الميداني. تبرز حقيقة جيوسياسية واحدة: أياً تكن هوية الحكومة الإسبانية، فإن هوامش المناورة تظل محكومة بضرورات الجغرافيا والاعتماد المتبادل. المصالح المشتركة، وشبكات الربط الاقتصادي، والثقل الأمني للمغرب، تشكل كوابح استراتيجية تتلاشى معها الشعارات الانتخابية أمام حقائق الحكم.
تؤكد القراءة الاستراتيجية لزيارة العاهل الإسباني وتطورات أزمة العبور وخطاب الملك محمد السادس، أن إسبانيا تخوض معركة علاقات عامة داخلية للتغطية على مأزق سياسي، بينما يمسك المغرب بزمام المبادرة. على المغرب أن يستمر في ثبات موقفه القائم على حماية حدوده، وصيانة مكتسباته، والتمسك بالشرعية التاريخية والقانونية، فارضاً قواعد نموذج استراتيجي جديد لا يقبل الابتزاز.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة