المغرب
سياسة

من قبة البرلمان إلى مسؤولية الانتداب: هل يرقى المنتخبون لمستوى تطلعات المغاربة؟

العمق المغربي13 أكتوبر 2026 في 16:300 مشاهدة
من قبة البرلمان إلى مسؤولية الانتداب: هل يرقى المنتخبون لمستوى تطلعات المغاربة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من مقعد البرلمان إلى مسؤولية الانتداب.. هل نكون في مستوى انتظارات المغاربة؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

إن النجاح في الانتخابات التشريعية يمثل لحظة فخر لكل من يخوض غمار العمل السياسي، ولكنه قبل كل شيء وبعده، لحظة استحضار لحجم المسؤولية الملقاة على عاتق المنتخبين. فالوصول إلى قبة البرلمان ليس نهاية المسار الانتخابي، بل هو بداية امتحان حقيقي لقياس القدرة على الوفاء بالالتزامات وتحويل ثقة المواطنين إلى عمل جاد ومسؤول. ومع افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، لا ينبغي التعامل مع هذه اللحظة كمجرد بداية لمرحلة سياسية جديدة، بل كمناسبة للتساؤل بصدق عن مدى الاستعداد لتحمل مسؤولية هذا الانتداب. فالمواطنون ينتظرون أثراً ملموساً في حياتهم أكثر من الخطابات، ويهتمون بالتغيير على أرض الواقع أكثر من مجرد ما سيقال داخل البرلمان.

في هذا السياق، حمل الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية رسائل واضحة حول طبيعة المرحلة التي يمر بها المغرب والتحديات التي تواجهه، والمسؤوليات المنوطة بالمؤسسات المنتخبة. من الأوراش الاقتصادية الكبرى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، ومن قضايا الشباب إلى الأمن المائي والطاقي والغذائي، وضع الخطاب أولويات تستدعي عملاً تشريعياً ورقابياً جاداً، وقدرة على مواكبة التحولات والاستجابة لانتظارات المواطنين. وتختزل عبارة جلالة الملك أن الانتداب البرلماني هو «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربطكم بالمواطنين»، مما يعيدنا إلى السؤال الأساسي: كيف سنحول هذه الثقة إلى التزام يومي يتجاوز الشعارات إلى الإنجاز؟

تكتسب هذه المرحلة دلالة استثنائية بكون المملكة تشهد، لأول مرة في تاريخها، تولي امرأة رئاسة الحكومة. هذه اللحظة تتجاوز تغيير هرم السلطة لتلامس عمق التحولات المجتمعية، وتعيد إلى الواجهة مسار نضالات المرأة المغربية من أجل إثبات حضورها وكفاءتها وحقها في المشاركة الكاملة في تدبير الشأن العام. وصول امرأة لهذا الموقع المتقدم في قيادة البلاد ليس مجرد سابقة مؤسساتية، بل حدث رمزي يفتح الباب أمام أسئلة حول مستقبل المشاركة النسائية ومدى تحويل هذه اللحظة إلى منعطف حقيقي في مسار تكافؤ الفرص.

تزداد أهمية هذه المرحلة في ظل طموح المغرب لترسيخ مكانته كبلد صاعد وتحقيق نمو اقتصادي مستدام. تنظيم كأس العالم 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، يمثل رهانًا استراتيجيًا وفرصة لتسريع التنمية وتحديث البنيات التحتية وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني والسياحة، وخلق فرص الشغل والاستثمار. لا ينبغي أن يقاس نجاح هذا الرهان فقط بالقدرة على التنظيم، بل بما سيتركه من أثر مستدام على الاقتصاد والمجتمع، ومدى استفادة مختلف جهات المملكة من المشاريع المصاحبة.

في قلب هذا الطموح، يظل الرأسمال البشري الثروة الحقيقية. فالمغرب يراهن على كفاءات أبنائه وبناته، وعلى قدرة شبابه على الابتكار والمنافسة. وإذا كانت الإنجازات الرياضية قد أبرزت مواهب بلادنا، فإن التحدي اليوم هو توسيع هذه الدينامية لتشمل مختلف المجالات. يتحقق ذلك بالاستثمار في تعليم ذي جودة، وتكوين يستجيب لتحولات سوق الشغل، وتوفير فرص حقيقية للتشغيل والمبادرة، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمشاركة في اتخاذ القرار. الشباب قوة فاعلة وشريك أساسي في بناء مغرب الغد، ومن مسؤوليتنا كمنتخبين تهيئة الشروط لتمكينهم من إطلاق طاقاتهم.

مسؤوليتنا البرلمانية لا تنفصل عن هذه الرهانات الكبرى؛ إذ يتعين مواكبتها بتشريعات محفزة للاستثمار وخلق فرص الشغل، ورقابة فعالة تضمن حسن تنفيذ المشاريع، ومبادرات تضع تنمية الرأسمال البشري وتمكين الشباب في صلب الأولويات. المغرب الذي يطمح للتميز اقتصادياً ورياضياً، مدعو لجعل ثمرة هذا التقدم ملموسة في حياة المواطنين، من خلال تحسين الخدمات العمومية، وتعزيز تكافؤ الفرص، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.

الأسئلة المطروحة في هذه المرحلة لا تتعلق بتشكيلة الحكومة أو بمواقع الأغلبية والمعارضة، بل بمدى قدرتنا جميعاً على الارتقاء بالممارسة السياسية لمستوى انتظارات المغاربة. هل ستكون مصلحة المواطنين أولوية فعلية؟ وهل سنتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة حين يتعلق الأمر بقضايا الوطن؟ الاختلاف جزء أساسي من الديمقراطية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في حد ذاته أو مبرراً لتعطيل المبادرات. المسؤولية البرلمانية تقاس بجودة التشريع، وفعالية الرقابة، والقدرة على اقتراح البدائل ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية.

نجاح الأوراش الكبرى مرتبط بمدى انعكاسها على حياة المواطنين. فما معنى النمو إذا لم تتسع ثماره لمختلف الفئات والجهات؟ وكيف نتحدث عن مغرب صاعد بينما قضايا الشغل والتعليم والصحة وتكافؤ الفرص ما تزال تشغل بال فئات واسعة؟ التنمية الحقيقية هي قدرة على تحويل الثروة إلى فرص، والاستثمار إلى قيمة مضافة، والتقدم إلى عدالة اجتماعية ومجالية. يتطلب تحقيق هذه التنمية الانتقال من التشخيص إلى الفعل، ومن الإعلان عن المشاريع إلى تتبع تنفيذها.

تبرز هنا أهمية الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري كأدوات لتقريب القرار من المواطن وتمكين الجهات من الاستجابة لحاجيات السكان. لا ينبغي أن يظل القرب من المواطنين مرتبطاً بفترة الانتخابات، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة مستمرة. من حق المواطن أن يجد من ينصت إليه ويتابع انشغالاته. المطلوب هو الوضوح في الالتزامات، والجدية في المتابعة، والاستعداد للمساءلة.

تتمثل مسؤولية الأحزاب السياسية في مواكبة أداء منتخبيها وتقييم عملهم وضمان احترام الالتزامات المقدمة للمواطنين. المصداقية تبنى بالممارسة، وبالقدرة على الاعتراف بالاختلالات وتصحيحها، وربط المسؤولية بالمحاسبة. هذه الولاية تمنح فرصة جديدة لإثبات أن العمل السياسي قادر على استعادة ثقة المواطنين، وذلك يتطلب مواقف واضحة، وعملاً منتظماً، واستعداداً لتحمل المسؤولية، ووضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

في نهاية المطاف، لن يُحكم على هذه الولاية بما نقوله في بدايتها، بل بما سننجزه فعلياً، وبما سيشعر به المواطن في حياته اليومية. الثقة الممنوحة ليست امتيازاً شخصياً، بل أمانة تفرض علينا أن نكون في مستوى المسؤولية. البرلمان مسؤولية يومية تجاه المواطن، وتجاه مستقبل وطن يطمح لتعزيز مكانته، وإنجاح رهاناته الاقتصادية والرياضية، والاستثمار في طاقات شبابه. في نهاية هذه الولاية، سيسألنا المغاربة عما غيرناه فعلاً في حياتهم، وما الذي أضفناه إلى مسار تنمية بلادنا، وهل كنا في مستوى الثقة التي وضعوها فينا.

شارك الخبر: