الملك فيليبي السادس وسبتة ومليلية: الجغرافيا تتحدث أقوى من السياسة


هذا الخبر بعنوان "حين نسي الملك فيليبي السادس في خطبة سبتة أن للبيت أهلا ورب.." نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 14 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر لحسن العسبي
في خطابه حول سبتة ومليلية، يبدو أن الملك فيليبي السادس قد أغفل حقيقة أن للأرض أهلها وسادتها. بعيداً عن رمزية "معركة الصور" في تشكيل "المعنى العام" على هامش زيارة العاهل الإسباني للمدن المغربية المحتلة، واختيار تاريخ 13 أكتوبر الذي يمجد الحقبة الاستعمارية التوسعية لمملكة قشتالة في الذاكرة الإسبانية، فإن مصير الأمور لا تحدده قوة "الزمن" السياسي، بل قوة "الأرض" الجغرافية. ببساطة، "الزمن السياسي" متقلب، بينما "الجغرافية" ثابتة وعنيدة. إن "مغربية الأرض" وحدها هي التي سيبقى خطابها راسخاً إلى الأبد، بتأكيد أهلها الفعليين المستمرين في القول "نحن هنا قاعدون".
قد يكون من المفهوم سعي ملك إسبانيا لإصلاح صورة عائلته المتضررة من فضيحة الفساد المالي التي اتهم بها والده الملك خوان كارلوس، الذي نحترمه كمغاربة لدوره في التحول الديمقراطي في مدريد ومواجهته الشجاعة للديكتاتورية العسكرية الفرنكاوية. ومن المفهوم أيضاً أن يسعى فيليبي السادس للعب "دور البطل القومي" في المخيال العام لشعبه، لكن ليس على حساب حقوقنا الوطنية القومية المغربية العليا. فلديه ما يكفي من الملفات مثل "كاتالونيا" و "بلاد الباسك" و "جزر الخالدات" ليُظهر حميته الوطنية التي تغسل عار العائلة الملكية. لا نقبل أن يتقمص صورة "دونكيخوطي" الغارقة في "أوهام البطولة المتخيلة"، فهي لا تليق به وبمكانته.
نحن كمغاربة نفهم إسبانيا جيداً، ونتفهم آثار أزماتها التاريخية، لكن لكل شيء حدود. ليس من مصلحة مدريد أن تفتح معنا ملف تاريخها الاستعماري، فهي خاسرة فيه مادياً ورمزياً، خاصة وأنها ارتكبت جرائم ضد الإنسانية بقصف المدنيين في شمال المغرب بالأسلحة الكيماوية. يُخشى أن يسري عليها المثل العربي القديم "على نفسها جنت براقش".
إن "الرأسمالية الإسبانية" فتية تاريخياً مقارنة بنظيراتها الأوروبية والأمريكية، وعلى نخبها ألا تنسى دروس التاريخ. تجربتها الاستعمارية كانت الأكثر بؤساً بسبب ضعف رأسمالها البنيوي الذي لم يكن يغطي حتى مجالها الترابي الداخلي، فكيف لها أن تراكم "ثروات" و "آثاراً حضارية" في أراضٍ مُنحت لها خارجياً بمنطق الاستعمار من قبل القوى الأوروبية الوازنة في القرن 19. للأسف، كانت أراضينا مجال "تلك الهبة" في الصحراء الغربية للمغرب وفي الشمال (بلاد الريف وجبالة). ظل "الاستعمار الإسباني" من داخل الحركة الاستعمارية الأوروبية "استعمار فقراء"، وهذا النوع يكون عنيفاً في خطابه ومتطرفاً في "أوهامه".
بناء "الهوية القومية الإسبانية" تحقق من قلب الصراع بين تيارين مجتمعيين: "الرأسمالية التجارية والصناعية والبحرية الكاطالانية والباسكية المدينية" بعاصمتيها برشلونة وسان سيباستيان، و"الطبقة البدوية الفلاحية القشتالية" بمرجعيتها الكنسية المتطرفة حول مدريد. لا يزال منطق هذا التجاذب الهوياتي والثقافي والسياسي قائماً في بنية الجسد الإسباني إلى اليوم. وهي البلد الأوروبي الذي به أكثر مناطق حكم ذاتي (13 منطقة)، ومهدد بخطر مطالب التقسيم والإنفصال. بالتالي، نفهم بعض الخطاب السياسي القومي الذي يتزعمه الملك فيليبي السادس، لكنه لا يمكن أن يكون عبر بوابة ملف حساس من قبيل "الاحتلال الاستعماري" لمدننا وجزرنا المغربية المتوسطية. فلا يمكن تحقيق "الوحدة الوطنية" هناك على حساب حقوقنا الوطنية المشروعة لاستعادة أراضينا المحتلة.
مستقبل إسبانيا مغربي
سيكون "عقل الدولة" في مدريد واهماً إذا اعتقد أنه سيربح أوروبا بخسارة المغرب. ليس فقط لأن للجغرافية أحكامها الحاسمة، بل لأن توازنات القارة العجوز تجعل الأوروبيين يصنفونها دائماً ضمن "جغرافية الجنوب". مدريد بالنسبة لباريس وبرلين ولندن وفارسوفيا هي "جنوبية" بالمعنى القيمي وميزان القوى الإقليمية. سيكون من الوهم اعتقادها أن "الخطابة الأوروبية" في بروكسل والبرلمان الأوروبي حول "حدود أوروبا" الممتدة إلى إفريقيا مكسب نهائي لها. هذا خطأ في التقدير كبير، لأن ميزان القوة الأوروبي لن يقبل ضمن منطق التنافس التاريخي أن تفوز مدريد بجبل طارق وسبتة لتصبح سيدة المضيق وزعيمة غرب المتوسط وغرب أوروبا. فالرأسمال الإسباني سيظل دوماً "جنوبياً" بالنسبة لبروكسل.
إن مستقبل مدريد هو المغرب برؤية الخيار الاستراتيجي، مما يلزمها بتجفيف كل أسباب الخلاف أو التوتر بين البلدين. للجغرافية منطقها العنيد في نهاية المطاف، حيث الأفق هو ما يمثله مشروع "الربط القاري" من أفق واعد ومفيد للجميع. بصيغة أخرى، إن مستقبل "الرأسمالية الإسبانية" في جوارها الإفريقي وليس في جوارها الأوروبي. ندرك مغربياً أن مستقبلنا أيضاً هو مع إسبانيا متوسطياً وغرب أوروبا وغرب إفريقيا. ولدينا ما يكفي من الأدوات لتقوية العلاقات معها، كما لدينا أدوات للتأثير الملموس سلباً في مستقبل الإيبيريين.
يُخطئُ تماماً الملك فيلليبي السادس حين تأخذه الحماسة ليحدد لوحده مستقبل سبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة بالبحر الأبيض المتوسط. إذ يكفي التوقف عند عنوانين دالين على ذلك الخطأ: الدين والهجرة ودور المغرب الحاسم.
الدين والهجرة ودور المغرب الحاسم
نشرت جريدة "العلم" المغربية في أحد أعدادها سنة 1957 قصاصة خبرية صغيرة تفيد غرق قارب للهجرة السرية بين إسبانيا والمغرب بالمضيق، أدى إلى فقدان أفراد عائلتين إسبانيتين مهاجرتين من طريفة صوب المغرب. كانت الهجرة حينها إسبانية بسبب الفقر والاستبداد العسكري للجنرال فرانكو صوب الضفة المغربية الأكثر أماناً وتقدماً. التذكير بهذه القصاصة لجيراننا الإسبان الغاية منه الانتباه إلى أن آفة الهجرة السرية بين البلدين قديمة، يتبدل اتجاهها حسب الظروف التنموية والأمنية والمؤسساتية. حين يقف فيلليبي السادس اليوم للترحم على ضحايا هجرة الجنوب، كان المغاربة أيضاً يترحمّون على قبور مجهولة الهوية لإسبان مهاجرين هاربين من جحيم الفقر والديكتاتورية في إسبانيا احتواهم التراب المغربي.
الأساس في ملف سبتة ومليلية والجزر هو أن الجغرافية عنيدة. فأراضي إفريقيا هي أراضي إفريقيا وأراضي أوروبا هي أراضي أوروبا. بوضوح أكبر، أراضي إسبانيا (جبل طارق الذي تحتله بريطانيا) هي أراضي إسبانيا، وأراضي المغرب (سبتة ومليلية والجزر التي تحتلها مدريد) هي أراضي المغرب. يعلم الملك فيليبي السادس أن الأثر المغربي الملموس في الحياة اليومية لمدنه المحتلة كبير وفاعل وحاسم. لنذكره بنموذجين من ذلك الأثر:
1. المياه: شريان الحياة
قليلٌ من يعرف أن من كان يروي عطش سكان سبتة على امتداد قرون (خاصة منذ العهد المريني) هي المياه العذبة لبلدة بليونش المغربية. حُفرت منذ حينها قناة تحت الأرض لتزويد المدينة بمياه الشرب من الجبال المغربية المحيطة بها. هذا الأمر لا يزال قائماً اليوم، حيث جزء من ماء ساكنة المدينة آتٍ من المغرب. الجزء الآخر لم يتوفر إلا منذ الثمانينات مع إنشاء محطة تحلية مياه البحر. المفارقة اليوم هي أن كأس الماء الذي يُقدم لك من الصنبور هو "ماء بليونش" الطبيعي، أما قنينة "ماء المائدة" فهي من مياه البحر المحلاة (السبتيون لا يشربون هذا الماء الثاني). بالتالي، الحياة في سبتة ومليلية تتحقق من خلال شربة ماء طبيعية يزودها بها المغرب، وليس من خلال مصانع تحلية مياه البحر. مستقبل الحياة الطبيعية هناك بقوة منطق الجغرافية هو عبر "شربة ماء طبيعية" كهبة من السماء توفرها منابع المغرب وشبكة سدوده المائية. حكمة الماء في السياسة تقول إن الماء يصنع طريقه آجلاً أم عاجلاً.
2. الشأن الديني: الأمن الروحي
تدرك مدريد جيداً الفعالية الكبيرة للدور المغربي في حماية "الأمن الروحي" للمسلمين بالمدينتين، من خلال نجاح الرباط في مقاومة مختلف الاختراقات المذهبية المشرقية المتشددة (سنية وشيعية) بمساجد وزوايا المدينتين منذ الثمانينات. كانت معركة صعبة تطلبت صبراً وعزيمة حمّت كامل التراب الإسباني من بؤر للتطرف الديني، وحمت لحمة التواشج الطبيعية بين أبناءنا المغاربة في سبتة ومليلية مع جوارهما الاجتماعي والعائلي بمناطق جبالة والريف. تسمح مدريد للمغرب، من خلال عُرف تدبيري قائم منذ سنوات، بتدبير الشأن الديني بالمدينتين المحتلتين لأنها تدرك أنه سينجح في ذلك أفضل منها بكثير. تعلم أن أكثر من 50% من ساكنة سبتة ومليلية مسلمون من أصل مغربي، وأن ذاكرة التدين الإسلامي عريقة بهما. مدرسة فقهية مغربية مالكية قديمة ظلت قائمة في سبتة (مثل الفقيه السبتي الشهير، وآل العزفي). لوحدها سبتة بها أكثر من 30 مسجداً تابعة تدبيرياً لوزارة الأوقاف المغربية، وهي التي تعين الأئمة والقيمين الدينيين وتؤدي أجورهم الشهرية. إذا كانت كنائس سبتة ومليلية تتبع الفاتيكان، فإن مساجدها تتبع صاحب الأمر بالمغرب أمير المؤمنين الملك محمد السادس. مدريد تدرك أن الدور المغربي حاسم روحياً، ثقافياً، اجتماعياً وسياسياً. تقام صلاة الجمعة في 20 مسجداً بسبتة (وعدد أقل في مليلية) وجميعها تنتهي بالدعاء لأمير المؤمنين، وخطبة الجمعة تصدر من وزارة الأوقاف المغربية. أكبر مساجد سبتة (المسجد الكبير مولاي المهدي ومسجد سيد مبارك) بنيت بميزانية الأحباس المغربية. مثلاً، المسجد الكبير بني سنة 1937 بميزانية مغربية، وحضر تدشينه وزير الأحباس والشؤون الدينية المغربي. تمت إعادة بناء مسجد سيد مبارك في التسعينات. دون إغفال شبكة الزوايا القديمة بالمدينتين (الحراقية، التيجانية، القادرية، العيساوية).
نلاحظ أنه على قدر نجاح المغرب في مقاومة الاختراقات المذهبية المشرقية رغم الميزانيات الضخمة (البترودولار الوهابي والإخواني والإيراني) بسبتة ومليلية، على قدر فشل مقلق على مستوى التأطير الاجتماعي للأجيال الجديدة من أبناء السبتيين والمليليين المسلمين. يُسجل ضعف ملموس على مستوى نتائجهم الدراسية التعليمية ضمن التعليم النظامي الإسباني، مما يحد من تحقيق الترقية الاجتماعية لهم مؤسساتياً. هل الأمر بسبب "عنصرية" غير معلنة؟ هل بسبب الفجوة الهوياتية؟ هل بسبب ضعف آلية الاندماج الاجتماعي؟ ربما هذا كله، مما يلزم الدولة المغربية ابتكار آلية تأطيرية بأذرع ثقافية وتربوية وجمعوية لتحصين تلك الأجيال من أبنائنا في تلك المدن المحتلة، فهم في "رباط" صامدون باسمنا جميعاً هناك. هنا يكمن ما قصدناه: ليس من يمتلك قوة "الزمن" (السياسي) من يحدد مصير الأمور، بل يحددها من يمتلك قوة "الأرض" (جغرافيا). لأن "الزمن السياسي" متبدل، بينما "الجغرافية" راسخة عنيدة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة