المغرب
سياسة

«غير سلّك!»: عندما يتحول التوافق الظاهري إلى مشكلة في السياسة والحياة اليومية

العمق المغربي14 أكتوبر 2026 في 22:160 مشاهدة
«غير سلّك!»: عندما يتحول التوافق الظاهري إلى مشكلة في السياسة والحياة اليومية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "غير سلّك!" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 14 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عبارة “صافي غير سلّك” تتردد على مسامعنا باستمرار، سواء في المنزل، العمل، أو بين الأصدقاء، وحتى مع أنفسنا حين ندرك عدم رضا عن أمر ما لكننا نفتقر للوقت أو الطاقة لخوض نقاش جديد. استحضرت هذه العبارة وأنا أتابع الحديث عن عودة «الكتلة» إلى الساحة السياسية. الكتلة الديمقراطية، التي عرفها المغرب في التسعينيات، جمعت أحزاباً ذات توجهات ومواقف متباينة، لكنها توحدت حول قضايا مشتركة، وارتبطت بمرحلة سياسية هامة، أبرزها حكومة التناوب عام 1998.

التوافق كلمة تحمل في طياتها العقل والحوار والقدرة على إيجاد حلول، حتى بين أطراف لا تتفق على كل شيء. ولكن، كلما سمعتها في سياق سياسي، تذكرت كيف نعيشها في تفاصيل حياتنا اليومية. فالسياسة ليست محصورة في الأحزاب والانتخابات والبرلمان، بل تتجلى في اجتماعات العائلة، أو في العمل، أو حتى في لقاءات الأصدقاء.

في المنزل، عند اتخاذ قرار مصيري للعائلة، تتعدد الآراء. قد يرى البعض المصلحة في خيار معين، بينما يمتلك آخرون حسابات مختلفة، وقد يفضل البعض الصمت لتجنب تعقيد الأمور. وفي النهاية، تخرج عبارة ترضي الجميع: «صافي، توكلنا على الله». لكن سرعان ما يتضح أن الاتفاق لم يكن حقيقياً، وتُسمع عبارة أخرى: «أنا غير سكت، ماشي معناها كنت موافق».

في بيئة العمل، تتكرر الحكاية بصبغة رسمية. اجتماع مطول، اقتراحات وملاحظات، ثم سؤال ختامي: «واش كلشي متافق؟» يرفع الجميع رؤوسهم بالموافقة. وما إن يُغلق الباب، حتى تبدأ النقاشات الحقيقية، حيث يبدي أحدهم تحفظاته، وآخر عدم اقتناعه، وثالث يعترف بأنه لم يكن موافقاً منذ البداية ولكنه فضل «التسليك» خلال الاجتماع.

أما بين الأصدقاء، فالأمر يصبح أكثر حساسية. قد تجرح كلمة أو يزعج تصرف، لكننا نختار الصمت للحفاظ على العلاقة، ونقول «ماشي مشكل»، ونستمر وكأن شيئاً لم يحدث. إلى أن يأتي وقت نكتشف فيه أن تراكم هذه «المشاكل» الصغيرة هو ما أصبح يشكل المشكلة الحقيقية.

هنا نعود للتفكير في معنى التوافق. هل هو الوصول إلى قناعة مشتركة، أم مجرد إيجاد طريقة لإنهاء النقاش دون خلاف؟ ليس كل «غير سلّك» هروباً، فبعضها قد يكون حكمة؛ فليست كل كلمة تستحق رداً، وليست كل خلافات تستدعي معركة. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين التنازل عن اقتناع، والتنازل عن حقنا في التعبير عنه. وهذا الفرق يتجلى بوضوح في السياسة أيضاً.

الأحزاب تتفاوض، تختلف، وتبحث عما يجمعها، وهذا أمر طبيعي وضروري لتقدم أي مجتمع. فمن غير الممكن أن يتقدم مجتمع إذا أصر كل طرف على رأيه دون الاستماع للآخر. لكن التوافق ليس مجرد صورة جماعية أو تصريح بالاتفاق، بل تكمن قيمته الحقيقية في وقت اتخاذ القرارات الصعبة، وتحمل كل طرف لمسؤوليته.

ينطبق الأمر ذاته على حياتنا الشخصية. كم مرة وافقنا على قرار لتجنب إحراج شخص ما؟ وكم مرة سكتنا للحفاظ على الأجواء الودية، ثم عدنا للشكوى من نفس الموضوع؟ ربما تشبه السياسة حياتنا أكثر مما نعتقد. فلدينا تحالفاتنا الصغيرة، ومعارضتنا، وتنازلاتنا، وقراراتنا المؤجلة. الفرق أن للسياسيين بيانات وتصريحات، ولنا مجموعات واتساب تبدأ فيها المعارضة فور انتهاء الاجتماع!

لا مشكلة لدي مع التوافق؛ بل أرى أن القدرة على التفاهم مع المختلفين ضرورية في السياسة والحياة. لكنني أعتقد أن الاختلاف الصريح أفضل أحياناً من اتفاق لا يقتنع به أحد. فليس كل سكوت موافقة، وليس كل «واخا» اقتناعاً. وربما السؤال ليس عن قدرتنا على الاتفاق، بل عن عدد المرات التي قلنا فيها «غير سلّك» بينما الموضوع لا يزال معلقاً؟

شارك الخبر: