الحكومة الجديدة: اختبار الإصلاح الجنائي بين الرموز والتطبيق الفعلي


هذا الخبر بعنوان "الحكومة الجديدة ورهان الإصلاح الجنائي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سابقة تاريخية، عين جلالة الملك السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وهو حدث يحمل رمزية كبيرة تستحق التقدير. إلا أن المتخصصين في القانون الجنائي يدركون أن الحكومات لا تُقاس بالرموز بقدر ما تُقاس بإنجازاتها الملموسة في المجالات التي تمس مباشرة حقوق وحريات المواطنين. الحكومة الجديدة لا تبدأ من الصفر، بل ترث منظومة قانونية شهدت مؤخراً نصوصاً مهمة دخلت حيز التنفيذ، ولا يكفي الاحتفاء بها، فالتطبيق الفعلي هو المعيار الحقيقي للقانون الجنائي.
أول هذه النصوص هو القانون رقم 03.23 المعدل للمسطرة الجنائية، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 ديسمبر 2025. يحمل هذا القانون مكاسب هامة، منها تشديد شروط الحراسة النظرية، وتقليص الاعتقال الاحتياطي، وإلزامية تعليل قرارات الإيداع بالسجن، وإنشاء مرصد وطني للإجرام. ومع ذلك، تظل هذه مجرد وعود نصية، فالتطبيق الفعلي لهذه المقتضيات يحتاج إلى وقت أطول لتقييمه. لذا، يُنتظر من الحكومة تقديم تقييم معلن لأثر هذا القانون على معدلات الاعتقال الاحتياطي ودور الدفاع في مرحلة البحث التمهيدي.
أثار هذا القانون جدلاً واسعاً، خاصة لصدوره دون إحالته على المحكمة الدستورية رغم مطالب حقوقية بذلك. وتثير المادة الثالثة منه، التي حصرت تحريك الدعوى العمومية في جرائم المال العام بيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، تساؤلات حول مبدأ ملاءمة المتابعة وتقييد دور المجتمع المدني في الدفاع عن المال العام، بالإضافة إلى موقع النيابة العامة في الحكامة الجنائية.
أما القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الذي دخل حيز التنفيذ في 22 أغسطس 2025، فقد أتاح للمحاكم استبدال الحبس في الجنح بعقوبات مثل العمل لأجل المنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية. وتشير الحصيلة الأولية إلى تبني القضاء لهذه الآلية، حيث بلغ عدد العقوبات البديلة المحكوم بها حوالي 1400 في الأشهر الأولى. لكن الأرقام لا تكشف عن نسبة التنفيذ الفعلي، وقدرة الإدارة على المتابعة، وتكلفة المراقبة الإلكترونية. كما أن القرار المشترك الذي صدر في مارس 2026 لتحديد سقف مصاريف القيد الإلكتروني يثير تساؤلات حول المساواة أمام العقوبة.
يبقى القانون الجنائي الأصلي لسنة 1962، رغم تعديلاته المتلاحقة، النص الغائب الحاضر. وقد فشلت محاولة إصلاحه الشامل في مشروع القانون رقم 10.16، الذي جمد في لجنة العدل والتشريع لعدم التوافق، خاصة حول تجريم الإثراء غير المشروع. ورغم حجة وزير العدل حينها بتعارضه مع قرينة البراءة، إلا أن الاتفاقيات الدولية والمقارنات التشريعية توفر حلولاً لا تتعارض مع هذه القرينة، مما يضع على عاتق الحكومة الجديدة مسؤولية حسم هذا الملف.
الاختبار الحقيقي للحكومة يكمن في ثلاثة محاور: أولاً، تحقيق الاستقرار التشريعي في الميدان الجنائي بعد التعديلات المتلاحقة، وتوفير التدريب والتفسير اللازمين للقضاة والمحامين. ثانياً، المصداقية في نشر مؤشرات السياسة الجنائية، وجعل المرصد الوطني للإجرام مصدراً متاحاً للمعلومات. ثالثاً، التمسك بالضمانات الدستورية، وعدم تمرير النصوص دون عرضها على القضاء الدستوري.
إن الثقة في العدالة جزء لا يتجزأ من الثقة في المؤسسات. والإصلاح الجنائي ليس مجرد ملف تقني، بل هو في صلب العمل الحكومي. نأمل أن تضع رئيسة الحكومة، بصفتها محامية، الإصلاح الجنائي في مقدمة أولوياتها، وأن تُقيّم الحكومات بما تحققه من عدالة فعلية، تضمن معاملة الجميع بالقانون.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة