دكالة: القلب النابض للمغرب الغذائي.. غائب عن دوائر القرار الحكومي


هذا الخبر بعنوان "دكالة: سلة غذاء المغرب المنسية في دواليب القرار الحكومي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد منطقة دكالة، التي تضم إقليمي الجديدة وسيدي بنور، الركيزة الاستراتيجية والأمن الغذائي الأساسي للمملكة المغربية. لعقود طويلة، كانت هذه الأرض الخصبة تزود السوق الوطنية بكميات هائلة من الحبوب والخضروات واللحوم، مساهمة بشكل فعال في النسيج الزراعي والصناعات الغذائية بالمغرب. على الرغم من ثقلها الاقتصادي التاريخي وإسهاماتها البارزة في الحركة الوطنية والمقاومة والفكر، تبرز مفارقة واضحة تتمثل في غياب نخبها الفكرية والسياسية عن مراكز القرار الحكومي المباشر. هذا الاستبعاد المتكرر يثير تساؤلات حول معايير تشكيل الحكومات، وما إذا كان الأمر يعكس قصوراً في الأداء الحزبي المحلي أم تهميشاً ممنهجاً لمبدأ العدالة المجالية.
دكالة: التاريخ والفكر.. مخاض النخب والوطنية
تاريخياً، لم تكن دكالة مجرد منطقة زراعية، بل كانت مركزاً فكرياً وإنسانياً أنجب علماء ومفكرين ومقاومين ورجال دولة تركوا بصمات واضحة في تاريخ المغرب الحديث. منذ مقاومة الاستعمار، شكلت قبائل دكالة جبهة قوية للدفاع عن استقلال البلاد ووحدتها. كما أنجبت المنطقة شخصيات بارزة في مجالات الأدب والفلسفة والقانون والسياسة، ساهمت في تشكيل الفكر الإصلاحي والوطني. ومع ذلك، ظل هذا المخزون الفكري والسياسي محصوراً في نطاق الإشعاع الجهوي، ولم يتمكن من الوصول إلى مراكز القرار التنفيذي الأعلى، مما يعكس فجوة بين طاقات المنطقة وقدرتها على التمثيل المؤسساتي.
الاقتصاد مقابل السياسة: معادلة الاستنزاف والغياب
تتمثل المفارقة الكبرى في حالة دكالة في معادلة "الإنتاج مقابل القرار". فبينما تُعرف دكالة بأنها "سلة غذاء المغرب"، حيث تتدفق خيراتها على المدن الكبرى، اقتصر دورها غالباً على البعد الاقتصادي والإنتاجي. لم يتحول هذا الدور إلى قوة تفاوضية سياسية تضمن لها تمثيلاً عادلاً في الحقائب الوزارية. تعاني الخريطة السياسية المغربية من تمركز حزبي ومؤسساتي في محاور جغرافية محددة (الرباط، الدار البيضاء، فاس، ومراكش أحياناً). هذا التمركز يجعل الأحزاب السياسية، التي تحتكر تزكيات الاستوزار، أسيرة لحسابات انتخابية ضيقة أو لشبكات زبونية مركزية، متجاهلة الأوزان الديمغرافية والاقتصادية الحقيقية لأقاليم مثل دكالة.
أخطاء تاريخية وسياسية بحق النخبة الدكالية
إن غياب النخبة الفكرية والسياسية لدكالة عن الحكومة ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لتراكم اختلالات وأخطاء من قبل الفاعلين المركزيين والمحليين. اختزلت الأحزاب السياسية الكبرى المنطقة في "وعاء انتخابي"، حيث يتم حشد الأصوات ثم "نسيان" المنطقة ونخبها بعد توزيع المناصب الحكومية. كما أن ضعف التنسيق بين نخب الإقليم (برلمانيين، منتخبين، أكاديميين) حال دون فرض أجندة جهوية تدافع عن حقوق المنطقة في التمثيل الحكومي. بالإضافة إلى ذلك، كرست مركزية القرار الحزبي منطق "الولاءات الشخصية" و"القرب من مراكز القرار العاصمي" على حساب كفاءات الأقاليم الكبرى، مما أقصى أسماء دكالية وازنة قادرة على إثراء العمل الحكومي.
نحو إنصاف مجالي وسياسي
إن استمرار تغييب منطقة بحجم دكالة ونخبها عن تدبير الشأن العام الحكومي يُعد هدراً لطاقات وطنية حقيقية وإخلالاً بمبدأ التوازن المجالي الذي تسعى إليه المملكة في ظل ورش الجهوية المتقدمة. فالتنمية الحقيقية والعدالة المجالية لا تتجزأ. لا يمكن الاعتماد على دكالة كدرع غذائي واقتصادي للبلاد، وفي نفس الوقت حرمان أبنائها ونخبها من مواقع القرار للمساهمة في صياغة السياسات العمومية. يتطلب تصحيح هذا الخطأ التاريخي وعياً حزبياً ومؤسساتياً بأن تمثيل الأقاليم المنتجة في الحكومة ليس ترفاً سياسياً، بل هو استحقاق وطني وعدالة مجالية تفرض نفسها بقوة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة