الحكومة المغربية الجديدة: بين تحديات الداخل وصلابة المعارضة


هذا الخبر بعنوان "حكومة بين نارين: تنافر الداخل وشراسة المعارضة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منتدى العمق - منير لكماني - 17 أكتوبر 2026 - 19:22
تواجه الحكومة المغربية الجديدة اختبارًا صعبًا قد يبدأ من داخلها قبل أن تصلها سهام المعارضة. فالفريق الذي يضم سياسيين مخضرمين، وتكنوقراط متخصصين، ووجوهًا جديدة تفتقر للخبرة الحزبية، يحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد توزيع الحقائب ليصبح حكومة متماسكة. وفي مواجهة معارضة قوية ومحنكة، قد تتحول هذه التفاوتات الداخلية إلى نقطة ضعف تُستغل في أول مواجهة جدية.
المشكلة لا تكمن في اختلاف المسارات، بل في غياب رؤية موحدة. فبينما يراعي السياسي تأثير قراراته على حزبه وناخبيه، ينشغل التكنوقراط بشروط التنفيذ ومؤشرات النجاعة، وقد يسعى الوافد الجديد إلى تثبيت موقعه قبل استيعاب مسؤولياته. وإذا غابت القيادة القادرة على ضبط هذه الحسابات، تصبح الحكومة مجرد مجموعة وزارات متجاورة لا تتعاون بفعالية.
يبرز هنا عائق أساسي: صعوبة تحويل الاتفاق على المشاركة في الحكومة إلى اتفاق على الحكم. فالتوافق الذي يسمح بتوزيع المناصب لا يكفي لحسم خلاف حول إصلاح مكلف، أو قرار يمس القدرة الشرائية للمواطنين، أو ميزانية تفرض الاختيار بين مطالب متنافسة. وعندما ترتفع الكلفة السياسية، قد يسعى كل طرف إلى حماية صورته وإبعاد المسؤولية عنه.
ستجد المعارضة في هذه الشقوق الداخلية فرصة أوسع من مجرد الاعتراض على البرنامج الحكومي. فاختلاف تصريحات الوزراء، وتأخر اتخاذ قرارات مشتركة، وتبادل المسؤولية بين القطاعات، يمكن أن يتحول إلى مادة مستمرة للمساءلة البرلمانية. والأخطر من ذلك، أن تضطر الحكومة إلى تفسير تناقضاتها بشكل أسبوعي، بينما يتراجع الوقت المتاح للدفاع عن اختياراتها وتنفيذ التزاماتها.
ستكون المواجهة أشد حساسية أمام معارضين خبروا تدبير الوزارات ويعرفون ما تختبئ خلفه اللغة الإدارية. هؤلاء قادرون على الانتقال من السؤال العام إلى الملف المحدد، ومن الوعد إلى الاعتماد المالي، ومن الإعلان إلى تقييم حصيلة التنفيذ. وسيكون الوزير ذو التجربة السياسية المحدودة أكثر عرضة للانكشاف إذا دخل البرلمان معتقدًا أن عرض الأرقام يغنيه عن امتلاك الحجة وحسن التقدير.
قد يصبح البرلمان ساحة مواجهة حادة، تتجاوز الجلسات العامة إلى اللجان ومناقشة الميزانية وتقييم السياسات. فالمعارضة المحنكة تستطيع تتبع الملف نفسه، وتجميع التعثرات، وربطها بما يعيشه المواطن. وعندئذ قد تتحول هفوة وزير إلى أزمة حكومية، خاصة إذا واجهها زملاؤه بالصمت، أو حاول حزبه تقديمها كخطأ فردي لا يتحمل تبعاته الآخرون.
تزداد الصعوبة لأن الحكومة لا تبدأ عملها في فراغ اجتماعي. فانتظارات الأسر، وضغط الأسعار، ومطالب التشغيل، وأوضاع التعليم والصحة، تضعها أمام استعجال يصعب تدبيره بإيقاع المشاورات الحزبية. المواطن الذي ينتظر علاجًا أو عملًا لن يمنح الخلافات الداخلية للحكومة قيمة تفسيرية. وكل تأخير في معالجة حاجته قد يمنح الخطاب المعارض صدقية أكبر، مهما كانت دوافع أصحابه.
تضاف إلى ذلك مقاومة المصالح المتضررة من الإصلاحات، وثقل المساطر الإدارية، وتفاوت الإمكانات بين الجهات؛ وهي عوائق قد تجعل التعهدات الحكومية تصطدم بواقع أبطأ بكثير من إيقاع الانتظارات الشعبية. أما الثقافة السياسية، فسيظهر وزنها عندما تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات غير شعبية. فالوزير الذي لم يتعلم الإنصات والتفاوض وقراءة المجتمع قد يتعامل مع الاعتراض باعتباره سوء فهم أو مقاومة للتغيير. وقد تزيد عباراته الأزمة اشتعالًا، فتجد الحكومة نفسها تدافع عن تصريح مستفز، عوض أن تناقش إصلاحًا كان يحتاج إلى التدرج والإقناع.
الأخطر أن تنتقل عدوى المعارضة إلى داخل الأغلبية نفسها. فحين يشعر حزب بأن استمرار التضامن يهدد رصيده الانتخابي، قد يبدأ بالنقد المتحفظ، ثم التمايز العلني، ثم التنصل من بعض القرارات. هنا يصبح الخطر على الحكومة سياسيًا قبل أن يصير برلمانيًا؛ إذ تستطيع معارضة قوية استثمار حلفاء مترددين أكثر مما تستطيع إسقاط أغلبية متماسكة.
لذلك، ستحتاج الحكومة إلى قيادة تحسم الخلاف قبل خروجه إلى العلن، وتمنع تحويل القطاعات الوزارية إلى جزر حزبية منعزلة، وتحمل الوزراء مسؤولية مشتركة عن النتائج. كما تحتاج إلى حماية القرار من الارتجال، وإلى كفاءات تسند من تنقصهم الخبرة. وأي إنجاز اجتماعي ملموس سيمنحها قدرة على الصمود تفوق ما تمنحه معارك الرد والتبرير.
مصير الحكومة لن تحسمه شراسة المعارضة وحدها، بل قدرتها على منع تنافرها الداخلي من التحول إلى عجز عن الحكم. قد تصمد إذا صنعت من اختلاف أعضائها تكاملًا، وقد تستنزف سريعا إذا اكتفت بتأجيل خلافاتهم. فالمعارضة ستضغط حيث تجد الضعف، والمواطن سيحكم بما يراه؛ وبين هذين الأمرين، لن يكفي أن تجتمع الحكومة حول طاولة واحدة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة