مأساة عائلة كيساسي: شبكات المخدرات تلتهم أبناء مرسيليا وتُلقي بظلالها على الحياة السياسية


هذا الخبر بعنوان "شبكات تجارة المخدرات في مرسيليا .. مأساة عائلية تلاحق الإخوة كيساسي" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب مدينة مرسيليا الفرنسية، تتكشف فصول مأساة عائلة كيساسي، حيث أعادت محاكمة خمسة متهمين بالتورط في جرائم قتل مرتبطة بشبكات تجارة المخدرات، تسليط الضوء على الألم الذي خلفته هذه الشبكات. فقدت العائلة اثنين من أبنائها في غضون خمس سنوات، أحدهما تورط في عالم المخدرات، والآخر قُتل رغم ابتعاده عن هذا النشاط. أما الشقيق الثالث، أمين كيساسي، فقد تحول إلى صوت مناهض لهذه الشبكات، يعيش تحت الحماية الأمنية بسبب التهديدات التي تطاله.
تستعد محكمة الجنايات في إيكس أون بروفانس لبدء النظر في قضية مقتل ثلاثة شبان عُثر على جثثهم متفحمة داخل سيارات محترقة بين عامي 2020 و2021. يأمل أمين كيساسي، الذي يشغل منصب نائب عمدة مرسيليا، أن تكشف هذه المحاكمة ملابسات مقتل شقيقه الأكبر إبراهيم شابان، بعد ست سنوات من انتظار العدالة. صرح أمين، البالغ من العمر 23 عامًا، لوكالة “فرانس برس” بأن حضوره أمام القضاء مدفوع بالبحث عن الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، لا الانتقام. تكتسب القضية أهمية خاصة لارتباط بعض المتهمين بشبكات إجرامية بارزة مثل تنظيم “دي زد مافيا” الذي يسيطر على تجارة المخدرات في المدينة.
إبراهيم.. مسار انتهى بجثة داخل سيارة محترقة
بدأت مأساة العائلة في 29 ديسمبر 2020، عندما عُثر على سيارة محترقة قرب مرسيليا بداخلها جثتا شابين، أحدهما إبراهيم شابان (22 عامًا)، الشقيق الأكبر لأمين، والآخر رضا الخالدي. كان إبراهيم قد نجا من محاولتي اغتيال سابقتين، وكشفت التحقيقات عن تورطه في تجارة الكوكايين. بعد أيام قليلة، في 6 يناير 2021، عُثر على سيارة أخرى محترقة بداخلها جثة نسيم لوباني، ما دفع المحققين للربط بين الجرائم الثلاث في سياق صراعات مجموعات الاتجار بالمخدرات. تشير المعطيات القضائية إلى أن هذه القضية سبقت صعود شبكة “دي زد مافيا”.
في كتابه “مرسيليا، امسحي دموعك”، استعاد أمين تفاصيل السنوات التي سبقت مقتل إبراهيم، متحدثًا عن تحول مسار شقيقه الأكبر منذ المراهقة، حيث بدأ بالتغيب عن المدرسة وانخرط في مراقبة الشوارع لصالح مروجي المخدرات. انتهى هذا المسار بدخول إبراهيم مؤسسة سجنية للقاصرين، لكن التجربة لم تنجح في إبعاده عن النشاط الإجرامي. حتى أن والدة أمين بلغت بها محاولات إنقاذ ابنها حد إبلاغ الشرطة عنه. ورغم انخراط إبراهيم في تجارة المخدرات، كان حريصًا على حماية شقيقه أمين وإبعاده عن الطريق الذي اختاره لنفسه، مشجعًا إياه على الدراسة وتجنب الأنشطة غير القانونية. دفن إبراهيم في الجزائر، تاركًا وراءه طفلة تدعى لونا.
تبرز ضمن المتهمين في القضية شخصيتان معروفتان لدى أجهزة مكافحة الجريمة المنظمة: كريم حرات، الذي تصفه السلطات بأنه أحد الأسماء البارزة سابقًا في شبكات المخدرات بمرسيليا، وأمين وعلان، المشتبه في تحوله لاحقًا إلى أحد قادة شبكة “دي زد مافيا”. تتهم السلطات كريم حرات بتدبير عملية القتل وتمويلها من دبي، قبل أن يسلم من المغرب إلى فرنسا. يشتبه في أن أمين وعلان اضطلع بدور رئيسي في التنسيق الميداني والمشاركة في تنفيذ العملية. ينفي المتهمان علاقتهما بالجرائم.
مهدي.. شقيق بعيد عن المخدرات تطاله الجريمة
بعد نحو خمس سنوات من مقتل إبراهيم، تعرضت عائلة كيساسي لمأساة ثانية في 13 نوفمبر 2025، عندما اغتيل مهدي كيساسي، الشقيق الأصغر لأمين، في وضح النهار بأحد أحياء وسط مرسيليا. كان مهدي يبلغ 20 عامًا، ولم تكن له علاقة معروفة بتجارة المخدرات، وكان يستعد لاجتياز مباراة الالتحاق بسلك الشرطة الفرنسية. أثار مقتله صدمة واسعة، خصوصًا أن الضحية كان بعيدًا عن الشبكات التي تورط فيها شقيقه الأكبر. طرحت السلطات الفرنسية احتمال أن تكون الجريمة عملية ترهيب استهدفت عائلة أمين كيساسي بسبب نشاطه العلني في مواجهة تجارة المخدرات، بينما تحدث الناشط الفرنسي عن فرضية أخرى تتعلق بوقوع خطأ في تحديد الهدف.
لا تزال التحقيقات بشأن مقتل مهدي مستمرة، دون حسم نهائي في الدافع وراء الجريمة أو تحديد جميع المسؤولين عنها. أشارت معلومات قريبة من التحقيق إلى احتمال وجود صلة لأمين وعلان، أحد المتهمين في قضية مقتل إبراهيم، بهذا الملف أيضًا. يستعيد أمين في كتابه علاقته بشقيقه الأصغر، موضحًا أنهما نشآ معًا وارتبطا بكرة القدم والدراسة. كان مهدي مهتمًا بمواقع التواصل الاجتماعي وأصدقائه، وظل قريبًا من الأنشطة الجمعوية التي كان ينظمها أمين. وصفته الناشطة الجمعوية كاتيا يعقوبي بأنه شاب يتمتع بروح الدعابة والبساطة وحب الحياة، وكان شديد الارتباط بوالدته وحريصًا على الاهتمام بأسرته.
أمين.. من مأساة الأسرة إلى مواجهة شبكات المخدرات
تحول أمين كيساسي، البالغ 23 عامًا، إلى شخصية بارزة في الحياة العامة بمرسيليا، بعدما ربط نشاطه السياسي والجمعوي بمناهضة تجارة المخدرات والدفاع عن سكان الأحياء الشعبية المتضررة من انتشار الشبكات الإجرامية. أسس جمعية “كونسيونس” قبل مقتل شقيقه الأكبر إبراهيم، وركزت أنشطتها على تنظيم مبادرات اجتماعية وتوزيع المساعدات الغذائية. بعد اغتيال إبراهيم، اتجه أمين بصورة أكبر نحو مناهضة تجارة المخدرات، وأصبح من الأصوات التي تطالب بتعزيز حضور المؤسسات العمومية في الأحياء الشعبية. خاض الانتخابات التشريعية الفرنسية سنة 2024، وانتخب نائبا رابعا لعمدة مرسيليا، وأسندت إليه مسؤولية ملفات الشباب والمواطنة والمشاركة المدنية. أصبح أمين من الشخصيات التي يلتقيها الرئيس الفرنسي أو رئيس الوزراء عند زيارة مرسيليا لبحث قضايا الأمن ومكافحة المخدرات. ترافق هذا الظهور المتزايد مع تهديدات أمنية استهدفت حياته، إذ يعيش منذ صيف 2025 تحت حماية الشرطة، بعد ورود معلومات بشأن احتمال وجود مخطط لاغتياله، وتشير المعطيات المتداولة إلى الاشتباه في ارتباطها بأحد مسؤولي شبكة “دي زد مافيا”.
بعد مقتل مهدي، اتسع حضور أمين في النقاش العام الفرنسي بشأن جرائم المخدرات، حيث طالب بتوفير إمكانات إضافية للأجهزة المكلفة بمكافحة هذه الشبكات، وتعزيز الخدمات الاجتماعية والتعليمية في المناطق التي تستقطب فيها المجموعات الإجرامية الشباب والقاصرين. يواصل الناشط الفرنسي نشاطه داخل حزب الخضر، ويترشح حاليًا للقيادة المشتركة للحزب. بالتزامن مع هذا المسار، تعود قضية مقتل شقيقه الأكبر إلى القضاء الفرنسي، في محاكمة ستنعقد أمام هيئة من القضاة المحترفين بمحكمة جنايات بوش دو رون، دون مشاركة محلفين شعبيين، نظرًا لتعقيد الملف والمخاطر المرتبطة بالجريمة المنظمة.
أوضح المدعي العام في إيكس أون بروفانس، فرانك راستول، أن اعتماد هيئة قضائية متخصصة يرتبط بالطبيعة التقنية والعلمية للمناقشات المرتقبة، فضلًا عن احتمال تعرض المحلفين الشعبيين للتهديدات أو محاولات التأثير والفساد. كان كريم حرات قد أدين في يناير الماضي بالسجن عشر سنوات في قضية تتعلق بإدارة شبكة لتجارة المخدرات من الخارج، قبل أن يحكم عليه في مارس بالسجن 25 عامًا في ملف اغتيال مزدوج يعود إلى سنة 2019، فيما برأت المحكمة أمين وعلان في القضية الأخيرة. قال أمين كيساسي إن ست سنوات من حياته مضت وهو يطالب بالحقيقة بشأن مقتل إبراهيم، مؤكدًا أن المحاكمة ستتيح له مواجهة المتهمين والاستماع إلى التفاصيل التي قد تساعده على فهم ما جرى. شدد على أن ما ينتظره من القضاء هو تحقيق العدالة وليس الانتقام، معتبرًا أن المحاكمة قد تقدم إجابات عن الأسئلة التي رافقته منذ مقتل شقيقه الأكبر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة