كتاب "العلاقات المغربية الجزائرية بعد الاستقلال" يغوص في جذور الصراع التاريخي والسياسي بين البلدين


هذا الخبر بعنوان "حرب الرمال ونزاع الصحراء .. الإدريسي يفكك جذور الخلاف المغربي الجزائري" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت قراءة أكاديمية لكتاب البروفيسور علي الإدريسي، المعنون بـ “العلاقات المغربية الجزائرية بعد الاستقلال.. رؤية مغايرة”، فتح النقاش حول الجذور التاريخية والسياسية للصراع بين المغرب والجزائر. يتتبع الكتاب المحطات الرئيسية في علاقات البلدين منذ حصولهما على الاستقلال، ويحلل العوامل التي حولت روابط الجوار والتاريخ المشترك إلى خلافات حدودية ودبلوماسية امتدت لأكثر من ستة عقود.
تناولت القراءة، التي أنجزها الدكتور مصطفى عزيزي، الأستاذ المكون بمركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط والباحث في القضايا الاستراتيجية والجيوسياسية، أبرز مضامين الكتاب. يستعرض الكتاب تطور العلاقات المغربية الجزائرية عبر ثمانية فصول، بدءًا من حرب الرمال عام 1963، مرورًا بقضية الصحراء والمسيرة الخضراء، والمواجهات العسكرية والتوترات الدبلوماسية، وصولًا إلى إغلاق الحدود البرية وقطع العلاقات الدبلوماسية عام 2021.
يسعى المؤلف، حسب عزيزي، إلى تقديم رؤية مغايرة للعلاقات بين البلدين من خلال تحليل أبعادها السياسية والتاريخية والجغرافية والاجتماعية والثقافية، والبحث في أسباب تعثر مشروع التقارب المغاربي رغم الروابط التي تجمع الشعبين والتاريخ المشترك لنضالهما ضد الاستعمار الفرنسي.
يقع الكتاب، الصادر عن شركة سليكي أخوين بطنجة، في نحو 276 صفحة، ويضم مقدمة ومدخلاً عاماً وثمانية فصول وخاتمة، بالإضافة إلى 29 صورة وخطاطة. استند مؤلفه إلى أكثر من مائة مرجع ووثيقة، تشمل كتباً وخطباً ومجلات ومقالات ومصادر تاريخية ومواقع إلكترونية.
توقف صاحب القراءة عند الإشكالات التي يطرحها الإدريسي بشأن مصير أحلام رواد حركات التحرر الوطني في المغرب والجزائر، والأسباب التي حالت دون تحول التضامن خلال مرحلة مقاومة الاستعمار إلى تعاون سياسي واقتصادي بعد الاستقلال، فضلاً عن تأثير الاستقطابات الدولية والحرب الباردة في توجهات البلدين ومواقفهما من القضايا الإقليمية.
خصص المؤلف الفصل الأول من كتابه للبحث في الظروف التي قادت إلى اندلاع حرب الرمال عام 1963، بعد عام واحد من استقلال الجزائر. يتوقف عند الحسابات السياسية والحدودية التي تحكمت في مواقف الرباط والجزائر العاصمة، ويقدم سبعة دوافع وتوجسات لكل طرف لفهم خلفيات المواجهة العسكرية. استمرت الحرب، التي اندلعت بين بلدين جمعتهما تجربة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، أسابيع قليلة، لكنها خلفت تداعيات سياسية عميقة انعكست على العلاقات الثنائية لعقود لاحقة، بعدما تحولت الخلافات الحدودية إلى أحد المحددات الرئيسية في العلاقات بين الدولتين.
تطرق الفصل الثاني إلى نتائج حرب الرمال، متسائلاً عن الطرف المنتصر والمكاسب التي حققها البلدان، وانعكاسات المواجهة على الأوضاع السياسية الداخلية، خاصة في الجزائر، حيث يربط المؤلف بين ظروف الحرب والتعامل مع المعارضين والخصوم السياسيين الذين وجهوا انتقادات إلى السلطة آنذاك.
بحسب القراءة، لم تكن النزاعات الحدودية العامل الوحيد وراء استمرار التوتر، إذ أسهمت التباينات الإيديولوجية والتحالفات الدولية في تعميق الخلافات، خصوصاً خلال مرحلة الحرب الباردة، عندما تأثرت توجهات البلدين بالاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي وبالنقاشات المرتبطة بحركة عدم الانحياز.
تناول الكتاب مرحلة وصول هواري بومدين إلى الحكم في الجزائر، بعد الإطاحة بأحمد بن بلة، وما رافقها من تراجع نسبي ومؤقت للتوتر، أتاح التوصل إلى تفاهمات أولية بشأن ترسيم الحدود، قبل أن تعود الخلافات إلى الواجهة مع تطور النزاع حول الصحراء.
في الفصل الثالث، المعنون بـ”من حرب الرمال إلى مواجهات وحروب استنزاف”، تناول الإدريسي التحولات التي عرفتها العلاقات الثنائية بين محاولات التهدئة والعودة إلى التصعيد، مع التركيز على التناقض بين الدعوات إلى حسن الجوار واستمرار الإجراءات السياسية والأمنية التي كرست حالة انعدام الثقة.
استعرض المؤلف أيضاً الظروف التي أحاطت بإغلاق الحدود البرية عام 1994، عقب أحداث فندق أطلس أسني بمراكش وقرار المغرب فرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين، الذي ردت عليه السلطات الجزائرية بإغلاق المعابر البرية، لتدخل العلاقات مرحلة طويلة من الجمود رغم استمرار الاتصالات والرسائل المتبادلة بين مسؤولي البلدين.
توقفت القراءة عند تجربة التقارب التي شهدتها نهاية الثمانينيات، بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية عام 1988، وتأسيس اتحاد المغرب العربي في مراكش يوم 17 فبراير 1989، غير أن الخلافات السياسية بين الرباط والجزائر حالت دون تطوير هذا المشروع الإقليمي، الذي توقفت قممه منذ عام 1994.
يفرد المؤلف حيزاً مهماً لتحولات عام 1975، التي شهدت تنظيم المسيرة الخضراء بمشاركة 350 ألف مغربي ومغربية، في سياق إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني بالصحراء، معتبراً أن هذه المحطة شكلت منعطفاً أساسياً في العلاقات بين الرباط والجزائر.
استعرض الكتاب الموقف الجزائري من قضية الصحراء، والدعم العسكري واللوجستي الذي قدمته الجزائر لجبهة البوليساريو، فضلاً عن احتضان مخيمات تندوف والاعتراف بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” عام 1976، وهي التطورات التي ساهمت في تعميق القطيعة بين البلدين وأفضت إلى مواجهات عسكرية وتوترات دبلوماسية متلاحقة.
في الفصل الرابع، المخصص للجزائر واسترجاع المغرب لصحرائه، تناول الإدريسي مراحل فقدان المغرب لأجزاء من مجاله الترابي خلال الحقبة الاستعمارية ومسار استرجاعها، مع استحضار المواقف الإفريقية من النزاعات الحدودية والقضايا المرتبطة بالوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء وسبتة ومليلية والجزر المتوسطية.
توقفت القراءة عند تحفظ المغرب على القرار المتعلق باحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، الذي تبنته منظمة الوحدة الإفريقية خلال مؤتمر القاهرة عام 1964، موضحة أن المؤلف يربط هذا الموقف باعتراضات المغرب على قدرة الدول الإفريقية على تسوية النزاعات الناشئة بينها، فضلاً عن إشكالية اعتماد الحدود الاستعمارية مرجعاً نهائياً في القارة.
في الفصل الخامس، الذي تناول موقعتَي أمكالة، ناقش الإدريسي كيفية استحضار العدو الخارجي في السياسات الداخلية والخارجية للدول، مستعرضاً ما يعتبره توظيفاً جزائرياً لمسوغات تاريخية وإيديولوجية وثقافية ودبلوماسية في إدارة الصراع مع المغرب، ومحاولات التأثير في موقعه داخل الساحة الإفريقية والدولية.
كما تطرق المؤلف إلى مفهوم الحدود السياسية باعتبارها أداة لتنظيم المجتمعات وتدبير شؤون الدول وتحديد هويتها السياسية، في مقابل النقاش الذي أثاره الموقف الجزائري بشأن قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار، وما ترتب عن هذا الاختلاف من تباين في التعامل مع القضايا الترابية.
ضمن استعراضه للمحطات التي عمقت التوتر بين البلدين، توقف الكتاب عند قرار السلطات الجزائرية طرد عشرات الآلاف من الأسر المغربية عام 1975، بالتزامن مع تنظيم المسيرة الخضراء، حيث أشار صاحب القراءة إلى أن عدد الأسر المتضررة تجاوز 45 ألف أسرة، معتبراً أن هذه الواقعة شكلت إحدى المحطات المؤلمة في تاريخ العلاقات الثنائية.
تناول الإدريسي كذلك تطور المواقف الدولية من قضية الصحراء، في ضوء تنامي التأييد لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب عام 2007، وافتتاح عدد من الدول قنصليات بمدينتي العيون والداخلة، إلى جانب التحولات التي شهدتها المواقف الإفريقية والدولية من النزاع، وما يعتبره المؤلف انعكاساً لفعالية التحركات الدبلوماسية المغربية.
في مقابل الفصول التي تناولت الصراعات السياسية والعسكرية، خصص الإدريسي الفصل السادس للقواسم المشتركة بين المغرب والجزائر، مقسماً إياها إلى عناصر إيجابية وأخرى سلبية، مع التركيز على المكونات الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي تجمع الشعبين، وفي مقدمتها الهوية المشتركة والموروث الثقافي والتضامن خلال مرحلة النضال من أجل الاستقلال.
أبرز المؤلف في هذا الفصل أيضاً مجموعة من العوامل السلبية التي تعيق تطور العلاقات الثنائية، من بينها الاستلاب الثقافي والتخلف الاجتماعي والاقتصادي وضعف الأداء المؤسساتي، إلى جانب استمرار تغليب منطق الخلاف على فرص التعاون والتكامل بين البلدين.
انتقل الكتاب في فصله السابع، المعنون بـ”المغرب والجزائر إلى أين؟”، إلى مناقشة مستقبل العلاقات الثنائية في ظل استمرار الاتهامات السياسية والتنافس على النفوذ الإقليمي، مع تسليط الضوء على موقع الجزائر في التوازنات المغاربية، وما ينسبه المؤلف إلى سياساتها من دور في تعثر مشروع اتحاد المغرب العربي.
اعتبر المؤلف أن استمرار التوتر بين الرباط والجزائر ساهم في إضعاف فرص التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين دول المنطقة، وحال دون استثمار الإمكانات التي تتيحها الجغرافيا المشتركة والروابط التاريخية والثقافية بين شعوبها.
أما الفصل الثامن، الذي حمل عنوان “المغرب والجزائر: مرجعيات أم مرثيات؟”، فقد خصصه الإدريسي لمناقشة مآلات العلاقات الثنائية في ضوء الأحداث التاريخية والسياسية والدبلوماسية التي طبعتها، متوقفاً عند المفارقة بين عوامل الوحدة التي تجمع البلدين والخلافات التي حالت دون بناء علاقات مستقرة.
في هذا السياق، استحضرت القراءة المبادرات التي أطلقها الملك محمد السادس لتحسين العلاقات مع الجزائر، خاصة مضامين خطابي العرش لسنتي 2022 و2025، اللذين جددا الدعوة إلى الحوار والمصالحة وتجاوز حالة القطيعة، مع التأكيد على أهمية تحويل الحدود المشتركة إلى فضاء للتواصل والتفاهم بدل استمرار إغلاقها.
تناول عزيزي في قراءته تصور الإدريسي للتعامل مع النزاعات الإقليمية، القائم على الجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية واعتماد الدبلوماسية والصبر الاستراتيجي، مع إبراز أهمية الانتقال من ردود الفعل إلى المبادرات الميدانية وتحقيق النتائج في إدارة الملفات الخارجية.
أشار صاحب القراءة إلى أن الكتاب، رغم تركيزه على محطات الصراع والخلاف، يطرح تساؤلات بشأن إمكانية تجاوز الإرث التاريخي للتوتر، انطلاقاً من الروابط الجغرافية والدينية واللغوية والثقافية التي تجمع المغاربة والجزائريين، وما تتيحه من أرضية لإعادة بناء العلاقات بين البلدين.
اختتم عزيزي قراءته بالتوقف عند المقاربة التي يعرضها الإدريسي للسياسة الخارجية المغربية، القائمة على الصبر الاستراتيجي وتوظيف الدبلوماسية والقوة الناعمة، معتبراً أن التحولات التي شهدها ملف الصحراء تعكس أهمية اعتماد العمل الميداني والنتائج في الدفاع عن المصالح الوطنية، في ظل استمرار القطيعة الدبلوماسية بين المغرب والجزائر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة