مشروع قانون المالية 2027: بين استمرارية الدولة وتحولات الحكومة ورهانات العدالة المجالية


هذا الخبر بعنوان "قانون المالية 2027" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شكل انعقاد المجلس الوزاري، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، برئاسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حدثاً مؤسساتياً ذا دلالات دستورية وسياسية واقتصادية عميقة، نظراً للظرفية الخاصة التي يمر بها المغرب، والمتمثلة في تشكيل حكومة جديدة، وتزايد الانتظارات الاجتماعية، وتصاعد التحديات الاقتصادية الدولية، واقتراب موعد إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام البرلمان. إن المغرب اليوم لا يقف أمام إعداد ميزانية لسنة مالية جديدة فحسب، بل أمام اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على التوفيق بين استمرارية الدولة وتجدد المسؤولية الحكومية، وبين الطموحات الاجتماعية والإمكانات المالية، وبين ضرورات النمو الاقتصادي ومتطلبات العدالة المجالية. قوانين المالية، وإن كانت في ظاهرها وثائق قانونية تحدد الموارد والتكاليف العمومية، فإنها في جوهرها تعكس فلسفة الدولة في توزيع الثروة وترتيب الأولويات وتحديد طبيعة العلاقة بين السلطة العمومية والمجتمع. لذا، فإن القراءة المتأنية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 تقتضي تجاوز الأرقام والمؤشرات نحو مساءلة الاختيارات التي تقف وراءها، والبحث في مدى قدرتها على الاستجابة للتحولات التي يعرفها المغرب. السؤال المطروح ليس فقط ما يتضمنه المشروع، بل أي مغرب اقتصادي واجتماعي تسعى هذه الميزانية إلى بنائه؟
أولاً: من الرسالة التأطيرية إلى المجلس الوزاري: استمرارية الدولة في مواجهة الزمن السياسي
تكتسي المذكرة التوجيهية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة، إذ صدرت في غشت 2026 في عهد الحكومة السابقة وحددت الإطار العام لمقترحات القطاعات الوزارية. ركزت المذكرة على توطيد المكتسبات الاقتصادية، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، واستكمال بناء الدولة الاجتماعية، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية مع المحافظة على توازنات المالية العمومية. استندت إلى فرضيات اقتصادية تشمل نمواً بنسبة 4.1% خلال 2027، والتحكم في عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الخام، مع ترشيد النفقات وتوجيه الموارد نحو الأولويات. إلا أن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم 16 أكتوبر 2026، أدخل عنصراً سياسياً جديداً، حيث وجدت الحكومة نفسها أمام مشروع مالي جرى التحضير له قبل توليها المسؤولية. يبرز هنا سؤال دستوري وسياسي: إلى أي حد تستطيع حكومة جديدة أن تمنح مشروع قانون المالية هويتها السياسية الخاصة وهي تتسلم وثيقة تحددت توجهاتها التحضيرية في ظل حكومة سابقة؟ قانونياً، المذكرة التأطيرية ليست وثيقة ملزمة بالمعنى الذي يجعل اختياراتها غير قابلة للمراجعة، فهي أداة توجيه وليست قانوناً صادراً عن السلطة التشريعية. لكن مراجعة الاختيارات تظل محكومة بإكراهات الزمن المالي واحترام الآجال القانونية. تكشف هذه الوضعية عن خاصية أساسية للمالية العمومية: تقاطع الاستمرارية المؤسساتية مع المسؤولية السياسية. الدولة لا تتوقف بتغير الحكومات، والالتزامات المالية لا ينبغي أن تصبح رهينة للتحولات الانتخابية، لكن هذا لا يعني تجريد الحكومة الجديدة من حقها في تحديد أولوياتها. التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين استمرارية السياسات الاستراتيجية للدولة وإمكانية تجديد أدوات تنفيذها وفق المسؤولية الحكومية الجديدة.
ثانياً: المجلس الوزاري وإعادة تأكيد البعد الاستراتيجي للقرار المالي
شكل المجلس الوزاري المنعقد في 17 أكتوبر 2026 محطة حاسمة في بلورة التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027. قدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، عرضاً حول الخطوط العريضة للمشروع، طبقاً للفصل 49 من الدستور. تمحورت التوجهات حول خمس أولويات كبرى: استعادة القدرة الشرائية وتوطيد الدولة الاجتماعية، إدماج الشباب، تسريع التنمية الترابية، تعزيز السيادة الاستراتيجية، وتقوية الاقتصاد والاستثمار مع الحفاظ على التوازنات المالية. تعكس هذه الأولويات استمرارية التوجهات الاستراتيجية للمملكة، كبناء الدولة الاجتماعية وتعزيز تنافسية الاقتصاد وتقليص الفوارق الترابية. تتجاوز أهمية المجلس الوزاري تحديد الأولويات إلى تأكيد الطبيعة الدستورية المركبة لصناعة القرار المالي. المؤسسة الملكية تضطلع بدور محوري في تحديد التوجهات الاستراتيجية، بينما تتحمل الحكومة مسؤولية إعداد المشروع وتنفيذه، ويتولى البرلمان المناقشة والتصويت والمراقبة. هذا التوزيع للاختصاصات يجعل من قانون المالية مجالاً لتكامل الأدوار الدستورية. المصادقة على التوجهات العامة لا تعني المصادقة النهائية على القانون، إذ يظل المشروع مطالباً باستكمال مساره التشريعي، بما يتيحه من نقاش عمومي وبرلماني.
ثالثاً: الدولة الاجتماعية: من منطق توسيع الإنفاق إلى ضرورة قياس الأثر
تحتل القدرة الشرائية وتعزيز أسس الدولة الاجتماعية موقعاً متقدماً ضمن التوجهات المعلنة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، وهو اختيار يجد تفسيره في حجم الانتظارات الاجتماعية المرتبطة بتكاليف المعيشة وجودة الخدمات العمومية. المواطن المغربي لا ينظر إلى الميزانية من خلال المؤشرات الاقتصادية المجردة، بل من خلال أثرها المباشر على حياته اليومية. إصلاح الأسواق والأسعار، رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، مواصلة تعميم التغطية الصحية، وتأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، يمثل امتداداً لورش بناء الدولة الاجتماعية. التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بتوفير الموارد المالية، بل بمدى قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة. فقد ترتفع الاعتمادات المخصصة لقطاع الصحة دون أن يتراجع زمن انتظار المرضى، وقد تتوسع ميزانية التعليم دون أن تتحسن جودة التعلمات. الإصلاح الحقيقي يقتضي الانتقال من قياس حجم الإنفاق العمومي إلى تقييم أثره الاجتماعي. المعيار ليس فقط عدد المليارات المرصودة، بل عدد المواطنين الذين تحسنت ظروفهم. الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تختزل في دولة توزع المساعدات، بل يجب أن تكون دولة تضمن الحقوق الأساسية وتخلق الفرص. الربط بين الحماية الاجتماعية وسياسات التشغيل والتعليم والاستثمار ضروري، حتى لا تتحول البرامج الاجتماعية إلى تدخلات متفرقة تستهلك الموارد دون معالجة الأسباب البنيوية للفوارق.
رابعاً: الشباب والتشغيل: نحو تجاوز المقاربة الظرفية للبطالة
من بين الإشارات المهمة في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 إعطاء أولوية خاصة لإدماج الشباب في الحياة الاقتصادية، من خلال برنامج وطني مندمج يمتد من 2027 إلى 2031. إشكالية الشباب لا ترتبط فقط بمحدودية فرص الشغل، بل تتداخل فيها اختلالات التكوين، وضعف الملاءمة بين مخرجات التعليم وحاجيات الاقتصاد، وصعوبات الولوج إلى التمويل والأسواق، والتفاوتات المجالية. معالجة بطالة الشباب تقتضي تجاوز البرامج الظرفية نحو بناء سياسة عمومية مندمجة تربط بين التعليم والتكوين والاستثمار والمقاولة والابتكار. يجب أن تحتل الجامعة المغربية مكانة مركزية في هذه المقاربة، كمؤسسة لإنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات. إدماج الشباب في الاقتصاد الوطني يتطلب بناء منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج فرص مستدامة، وتشجيع المبادرة الخاصة، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتثمين الكفاءات الوطنية. نجاح البرنامج المنتظر يقاس بقدرته على إحداث تحول فعلي في المسارات المهنية للشباب، لا بمجرد عدد المستفيدين.
خامساً: العدالة المجالية: حين تصبح الجغرافيا معياراً للإنصاف المالي
إذا كانت الدولة الاجتماعية تمثل أحد العناوين الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027، فإن العدالة المجالية تشكل أحد أكثر رهاناته حساسية. التفاوتات الترابية لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه التنمية بالمغرب، حيث تختلف فرص الولوج إلى الخدمات الأساسية والبنيات التحتية والاستثمار بين المجالات الحضرية والقروية، وبين الجهات ذات الدينامية الاقتصادية القوية والمجالات التي تعاني محدودية الموارد. الإعلان عن تخصيص 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يعكس توجهاً نحو جعل المجال الترابي في صلب الاختيارات المالية والتنموية. فعالية هذا التوجه تظل مرتبطة بطريقة توزيع الموارد، ومدى مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل مجال ترابي. العدالة المجالية لا تعني توزيع الاعتمادات بالتساوي، بل تقتضي توزيعها وفق الحاجيات الفعلية وحجم الخصاص ومستوى الهشاشة والقدرة على تحقيق الأثر التنموي. الانتقال من منطق التوزيع الإداري للاعتمادات إلى منطق الإنصاف المالي الترابي يستدعي إعادة النظر في العلاقة المالية بين الدولة والجماعات الترابية، وتعزيز الموارد الذاتية لهذه الأخيرة، وتطوير آليات التضامن والتعاون بين المجالات، وتسريع نقل الاختصاصات والوسائل في إطار الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. إصلاح منظومة الجبايات المحلية ضروري لتوسيع الموارد وتحقيق قدر أكبر من العدالة في تحمل الأعباء العمومية. التنمية الترابية تحتاج إلى مؤسسات ترابية قوية، تتمتع باختصاصات واضحة وموارد كافية وقدرات تدبيرية مؤهلة. الرهان هو تقليص الفوارق بين الجهات وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمجال الذي يعيش فيه.
سادساً: السيادة الاقتصادية: تحول جديد في وظائف المالية العمومية
تكتسب الأولويات المرتبطة بالسيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية أهمية متزايدة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. التوترات الجيوسياسية، واضطراب سلاسل التوريد، وتزايد المنافسة على الطاقة والتكنولوجيا والتمويل، جعلت من الأمن الاقتصادي أحد المحددات الأساسية للسياسات العمومية. لم تعد السيادة تقاس فقط بالقدرة على اتخاذ القرار السياسي، بل أصبحت ترتبط أيضاً بقدرة الدولة على تأمين حاجياتها الاستراتيجية وتقليص تبعيتها الخارجية. الاستثمار في الماء والطاقة والأمن الغذائي والتحول الرقمي أصبح جزءاً من هندسة الأمن الاقتصادي الوطني. الاستثمار في البنيات التحتية المائية، مثلاً، هو استثمار في استدامة النشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. الأمر نفسه ينطبق على الطاقات المتجددة والابتكار التكنولوجي. هذه الخيارات تطرح تحديات تمويلية مهمة. السيادة الاقتصادية تتطلب سياسة مالية تجمع بين التخطيط بعيد المدى، وتنويع مصادر التمويل، وتحسين حكامة الاستثمار العمومي، وتطوير الشراكات مع القطاع الخاص.
سابعاً: العدالة الجبائية واستدامة المالية العمومية: الوجه الآخر للدولة الاجتماعية
لا يمكن الحديث عن توسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز الاستثمار العمومي، وتمويل التنمية الترابية، دون طرح سؤال مصادر التمويل. كل سياسة عمومية تحتاج إلى موارد، وكل توسع في الالتزامات الاجتماعية يفرض التفكير في مدى استدامة تلك الموارد. أبرزت التوجهات المقدمة أمام المجلس الوزاري توقع تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4.7% عند نهاية 2026، مع احتواء التضخم في حدود 0.7%، وتقليص عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام. المحافظة على التوازنات المالية لا ينبغي أن تتحول إلى غاية مستقلة عن الأهداف الاجتماعية والتنموية. التوازن المالي الحقيقي يتحقق بتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد وتحسين مردودية الإنفاق العمومي. السياسة الجبائية أداة أساسية لتحقيق التوازن بين تمويل الدولة والعدالة الاجتماعية. الضريبة ليست مجرد وسيلة لتحصيل الموارد، بل هي آلية لإعادة توزيع الثروة، وتوجيه الاستثمار، وتصحيح الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية. مواصلة الإصلاح الجبائي ينبغي أن تتجه نحو توسيع الوعاء الضريبي، وتعزيز المساواة أمام الأعباء العامة، ومحاربة الغش والتهرب الضريبيين، وتبسيط المساطر، وتحسين العلاقة بين الإدارة الجبائية والملزم. تحفيز الاستثمار المنتج والمقاولات الصغيرة والمتوسطة جزء من فلسفة السياسة الضريبية. العدالة الجبائية ليست نقيضاً للنجاعة الاقتصادية، بل يمكن أن تكون أحد شروط تحقيقها. مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيكون مطالباً بإيجاد توازن دقيق بين توسيع الموارد الجبائية، والحفاظ على القدرة الشرائية، وتشجيع الاستثمار، وضمان استدامة تمويل الدولة الاجتماعية.
ثامناً: البرلمان أمام مسؤولية الانتقال من مناقشة الأرقام إلى مساءلة النتائج
تكتمل أهمية مشروع قانون المالية داخل المؤسسة التشريعية، باعتبارها الفضاء الدستوري الذي تناقش فيه الاختيارات المالية وتخضع للمساءلة السياسية. يحدد القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية آجالاً وإجراءات دقيقة لإعداد المشروع وإيداعه ومناقشته. تزامن هذه المرحلة مع بداية عمل الحكومة الجديدة يجعل النقاش البرلماني مناسبة لاختبار مدى انسجام المشروع المالي مع التوجهات السياسية والاقتصادية للحكومة. النقاش البرلماني المطلوب ينبغي أن يتجاوز السجال السياسي الظرفي نحو مساءلة حقيقية لنجاعة السياسات العمومية. المسألة لم تعد تتعلق فقط بحجم الاعتمادات المخصصة لكل قطاع، بل بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة. هذا يقتضي تعزيز دور البرلمان في تتبع تنفيذ الميزانية، وتقييم البرامج العمومية، ومراقبة النتائج، والاستفادة من التقارير الرقابية. تطوير ثقافة المسؤولية المالية، بحيث لا ينتهي دور المؤسسات عند الترخيص بالإنفاق، بل يمتد إلى مساءلة المسؤولين عن كيفية استعمال الموارد العمومية والنتائج المترتبة عنها. الانتقال من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج هو أحد الرهانات الجوهرية لتحديث المالية العمومية بالمغرب.
تاسعاً: من قانون مالية سنوي إلى تعاقد جديد حول النجاعة العمومية
تكشف القراءة المتكاملة للتوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن المغرب أمام لحظة تتجاوز الإعداد التقني للميزانية، لتطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد. التحديات التي تواجه المملكة لا تتعلق فقط بتعبئة موارد إضافية، بل بكيفية استعمال تلك الموارد لتحقيق أثر اجتماعي وتنموي مستدام. المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال نحو ما يمكن تسميته بالتعاقد الجديد حول النجاعة العمومية، القائم على ربط كل اعتماد مالي بهدف محدد، وكل هدف بمؤشرات قابلة للقياس، وكل مسؤولية بآليات واضحة للمساءلة. نجاح الدولة الاجتماعية يقاس بمدى تحسن حياة المواطنين. نجاح التنمية الترابية يقاس بمدى تقليص الفوارق بين المجالات. نجاح السياسة الجبائية يقاس بمدى مساهمتها في تحقيق العدالة وتحفيز النشاط الاقتصادي. نجاح الحكومة الجديدة يتحدد بقدرتها على تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى سياسات عمومية متماسكة ونتائج قابلة للتقييم. القيادة الملكية للأوراش الاستراتيجية الكبرى ضمانة لاستمرارية التوجهات الوطنية، فيما تتحمل الحكومة مسؤولية ترجمتها إلى برامج وإجراءات، ويضطلع البرلمان بدوره في الرقابة والمساءلة. المغرب يحتاج إلى ميزانية قادرة على الجمع بين الطموح والواقعية، وبين التضامن الاجتماعي والنجاعة الاقتصادية، وبين الاستثمار في المستقبل والإنصاف في الحاضر. قوة المالية العمومية تكمن في قدرتها على إنتاج الثقة وتحقيق العدالة وصناعة التنمية. الأهم ليس أن تكون للدولة ميزانية أكبر، بل أن يكون لكل درهم تنفقه قيمة أكبر في حياة المواطن. إذا كان مشروع قانون المالية لسنة 2027 يحمل طموحاً لتوطيد الدولة الاجتماعية وتعزيز السيادة الاقتصادية وتحقيق العدالة المجالية، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تتحول هذه العناوين إلى مستشفيات تقدم العلاج في الوقت المناسب، ومدارس تمنح تعليماً جيداً، وفرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وجماعات ترابية تمتلك وسائل التنمية، واقتصاد وطني أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة. عندها فقط يمكن الحديث عن قانون مالية يتجاوز وظيفته المحاسبية التقليدية، ليصبح أداة فعلية للتحول الاقتصادي والاجتماعي. الأمم لا تقاس قوة ماليتها العمومية بما ترصده من اعتمادات فحسب، وإنما بما تحققه تلك الاعتمادات من كرامة وعدالة وتنمية.
صحة
سياسة
اقتصاد
اقتصاد