المغرب
سياسة

وعود الاستقلال الانتخابية: بين برنامج «وطني مستقبلي» والبرنامج الحكومي.. ماذا بقي؟

اليوم 2420 أكتوبر 2026 في 12:020 مشاهدة
وعود الاستقلال الانتخابية: بين برنامج «وطني مستقبلي» والبرنامج الحكومي.. ماذا بقي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "5000 درهم لدعم الزواج وضريبة 40% على الريع يغيبان عن البرنامج الحكومي.. ماذا بقي من وعود الاستقلال؟" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 20 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

قبل أقل من شهرين من الانتخابات التشريعية، قدم نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، برنامجًا انتخابيًا تحت شعار «وطني مستقبلي»، تضمن وعودًا للمغاربة بدعم مالي يصل إلى 5000 درهم للمقبلين على الزواج، وفرض ضريبة تصل إلى 40% على الأنشطة المستفيدة من الاحتكار والريع الاستثنائي، بالإضافة إلى إصلاحات اجتماعية واقتصادية وتشريعية أخرى. لكن هذه التعهدات لم تظهر بنفس الصيغة المعلنة في الخطاب الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلسي البرلمان، بعد انتقال حزب الاستقلال من المنافسة الانتخابية إلى المشاركة في الأغلبية الحكومية الجديدة.

تكشف مقارنة بين البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال والبرنامج الحكومي الذي عرضته المنصوري عن احتفاظ الحكومة بعدد من تعهدات «الميزان»، خاصة المتعلقة بمحاربة الفساد وتنظيم الأسواق وإصلاح السكن والتقاعد. في المقابل، غابت وعود أخرى كانت تتضمن مبالغ مالية ونسبًا محددة وآجالًا للتنفيذ. وبين برنامج انتخابي موزع على خمسة محاور رئيسية وميثاق للشباب، وخطاب حكومي حدد سبع أولويات، تبرز تساؤلات حول مصير الوعود التي انفرد بها الاستقلاليون، ومدى قدرتهم على تحويل تعهداتهم إلى سياسات عمومية داخل أغلبية تقودها رئيسة الحكومة المنتمية إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

5000 درهم للزواج.. أول الوعود الغائبة

كان دعم الشباب المقبلين على الزواج من أبرز الإجراءات التي قدمها حزب الاستقلال ضمن المحور الأول من برنامجه الانتخابي، المخصص للحفاظ على منظومة القيم وتقوية تماسك الأسر. واقترح الحزب تخصيص دعم مالي يصل إلى 5000 درهم للمقبلين على الزواج، بالإضافة إلى إحداث «منحة الانطلاقة الأسرية» للمساعدة على تغطية تكاليف السكن الأول أو اقتناء التجهيزات الأساسية. كما تضمن البرنامج إجراءات أخرى تستهدف تخفيف الأعباء عن الأسر، مثل إقرار عطلة مرنة ومدفوعة الأجر لرعاية الأطفال، يتقاسمها الآباء والأمهات، وإقرار خصم ضريبي لفائدة الأسر التي تتحمل تكاليف تمدرس أبنائها. لكن هذه التدابير لم ترد في البرنامج الحكومي الذي قدمته المنصوري، رغم تخصيصه محورًا لصيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع، تضمن التزامات بمواصلة إصلاح مدونة الأسرة، وحماية النساء والأطفال والمسنين، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص.

لم يقتصر الغياب على الدعم المالي للزواج، بل شمل إجراءات أخرى اقترحها الاستقلاليون لحماية الأطفال، مثل منع من تقل أعمارهم عن 15 سنة من الولوج إلى بعض منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية الخطيرة، ومنع استعمال الهواتف الذكية في المدارس الابتدائية. كما لم يرد في الخطاب الحكومي التعهد الانتخابي بإدماج الاستشارات النفسية ضمن الخدمات التي يغطيها التأمين الإجباري عن المرض، رغم التزام الحكومة بتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية وجودتها. ويكشف هذا التباين انتقال قضية الأسرة من مجموعة تدابير مالية وتشريعية محددة في برنامج حزب الاستقلال إلى توجهات عامة في البرنامج الحكومي، دون تأكيد تبني الإجراءات الخاصة التي اقترحها الحزب خلال الحملة الانتخابية.

ضريبة 40% على الريع.. وفي محور محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح

يبدو التقارب بين البرنامجين أكبر، لكنه لا يشمل جميع الوسائل المقترحة. فقد أعلن حزب الاستقلال في برنامجه الانتخابي عزمه فرض ضريبة تصل إلى 40% على الأنشطة التي تستفيد من وضعيات احتكارية أو ريع استثنائي، إلى جانب مراجعة القواعد المرتبطة بالمنافسة وحرية الأسعار. وكان هذا التعهد يمثل أحد أكثر المقترحات الاقتصادية وضوحًا في برنامج الحزب، بالنظر إلى تحديده سقفا ضريبيًا خاصًا ببعض الوضعيات الاقتصادية التي يرى الحزب أنها تستفيد من الاحتكار أو الامتيازات الاستثنائية. لكن المنصوري، رغم تعهدها بمحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية وإطلاق إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق بالتنسيق مع مجلس المنافسة، لم تشر إلى إحداث هذه الضريبة أو إلى النسبة التي اقترحها حزب الاستقلال.

في المقابل، احتفظ البرنامج الحكومي بتعهدات تتقاطع مباشرة مع البرنامج الانتخابي للاستقلال، وفي مقدمتها تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح وفق الفصل 36 من الدستور، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات. غير أن الحزب كان قد ذهب أبعد في تحديد الآليات، مقترحًا إصدار قانون خاص بتضارب المصالح يحدد حالات التنافي والتنحي والعقوبات، إلى جانب حماية المبلغين عن الفساد، ونشر تقرير سنوي لمؤشرات النزاهة. لم ترد هذه الآليات جميعها في الخطاب الحكومي، كما غابت عنه قاعدة «سكوت الإدارة بمثابة موافقة»، التي اقترح الاستقلاليون اعتمادها ضمن إصلاح المساطر الإدارية، والانتقال من نظام التراخيص إلى دفاتر تحملات أكثر شفافية. وهكذا، انتقل جزء مهم من توجهات الحزب بشأن محاربة الفساد إلى البرنامج الحكومي، بينما بقي مصير ضريبة الريع وبعض الإجراءات القانونية والإدارية غير محدد في خطاب المنصوري.

الطبقة الوسطى والخروج من الفقر..

في محور تحسين القدرة الشرائية، تقاطعت تعهدات حزب الاستقلال مع البرنامج الحكومي في تنظيم الأسواق ومحاربة الغلاء وإصلاح الدعم الاجتماعي. فقد اقترح الحزب إحداث شركات جهوية لاقتناء المنتجات الفلاحية والغذائية وتخزينها وتوزيعها، وهو إجراء ظهر في خطاب المنصوري من خلال التعهد بإنشاء شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق وتقريب المنتجين من المستهلكين. لكن البرنامج الانتخابي للاستقلال تضمن أيضًا إحداث آلية وطنية شفافة لتتبع هوامش الربح في المنتجات والخدمات الأساسية، ووضع خطة وطنية لدعم الطبقة الوسطى في أفق سنة 2031، دون أن تظهر هذه الآليات بصيغتها المحددة في خطاب رئيسة الحكومة. كما اقترح الحزب ما سماه «العقد الاجتماعي للخروج من الفقر»، القائم على بطاقة أسرية موحدة ومواكبة الأسر في مسارات التعليم والصحة والإدماج. وفي المقابل، أعلنت المنصوري إعادة استهداف الدعم الاجتماعي على أساس الدخل الفعلي، ورفع قيمته من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل. وبينما يتقاطع البرنامجان في هدف تحسين استهداف الدعم والحماية الاجتماعية، فإن الخطاب الحكومي لم يتبنّ صراحة صيغة «العقد الاجتماعي» والبطاقة الأسرية الموحدة التي اقترحها الاستقلاليون.

أما في ملف التقاعد، فقد تعهدت المنصوري بإصلاح شامل للأنظمة الحالية، مع رفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية تدريجيًا إلى 3000 درهم شهريًا، وتمكين الأرامل من معاش يعادل 100% من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى.

من «تجربتي» و«آفاق» إلى إدماج 100 ألف شاب سنويًا

في قطاع التشغيل، قدم حزب الاستقلال برامج محددة تستهدف الشباب، من بينها برنامج «تجربتي»، الذي يقترح تمكين المستفيدين من تجربة مهنية أولى تتراوح مدتها بين ستة أشهر و18 شهرًا، مع تعويض وتغطية اجتماعية. كما اقترح برنامج «آفاق»، الذي يهدف إلى ضمان عدم بقاء أي شاب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر. أما البرنامج الحكومي، فقد أعلن إطلاق برنامج وطني ابتداء من سنة 2027، يهدف إلى تكوين 100 ألف شاب سنويًا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب آخرين من أول تجربة مهنية كل سنة، ورفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفًا و200 ألف مستفيد سنويًا. ويظهر هنا تقارب واضح بين توجهات الحزب والبرنامج الحكومي بشأن الإدماج المهني، غير أن خطاب المنصوري لم يكرر الضمان الزمني المتعلق بعدم ترك الشباب خارج التعليم أو التكوين أو العمل لأكثر من ستة أشهر، كما لم يحدد شروط التعويض والتغطية الاجتماعية التي وردت ضمن برنامج «تجربتي».

في المجال الرقمي، غاب أيضًا هدف تكوين 100 ألف موهبة رقمية، الذي ورد في برنامج الاستقلال، رغم احتفاظ الحكومة بالتوجه نحو تطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتشجيع المقاولات الناشئة.

2000 طبيب مستعجلات.. وعد صحي لم يظهر

وامتدت الفوارق إلى قطاع الصحة، حيث اقترح حزب الاستقلال إحداث وكالة وطنية للمستعجلات، واعتماد رقم اتصال موحد، وتكوين 2000 طبيب متخصص في طب المستعجلات بحلول سنة 2031. وفي البرنامج الحكومي، تعهدت المنصوري بإصلاح استقبال المرضى ومصالح المستعجلات، وتعميم خدمة المساعدة الطبية المستعجلة، وتغطية الخصاص الترابي في العرض الصحي، إلى جانب إرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة. لكن الخطاب لم يذكر إحداث الوكالة المقترحة، ولا الهدف العددي المتعلق بتكوين 2000 طبيب مستعجلات.

في التعليم، احتفظت الحكومة بهدف محاربة الهدر المدرسي، معلنة الوصول إلى «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030، مع توجيه التلاميذ المنقطعين إلى مسارات بديلة في التعليم أو التكوين المهني. غير أن بعض المقترحات الاستقلالية الأخرى لم تظهر بصيغتها الانتخابية، من بينها تأطير زيادات رسوم التعليم الخصوصي ومنع الرسوم الخفية، والتعهد المحدد بتعميم التعليم الأولي المجاني للأطفال بين الرابعة والسادسة.

مخزون محروقات لـ90 يومًا وأهداف صناعية غائبة

وفي محور السيادة الاستراتيجية، قدم الاستقلاليون تعهدات بأرقام وآجال محددة لتأمين حاجيات البلاد من الموارد الأساسية. ومن بين أبرزها توفير مخزون استراتيجي من المحروقات يغطي 60 يومًا من الاستهلاك خلال سنتين، ثم بلوغ 90 يومًا، إضافة إلى مخزون من الحبوب يكفي أربعة أشهر، ومن الأدوية واللقاحات يغطي ستة أشهر. لكن البرنامج الحكومي، رغم تعهده بتأمين المخزونات وتنظيم تموين الأسواق وتعزيز السيادة الغذائية والطاقية، لم يكرر هذه الحدود الزمنية. كما لم يرد في خطاب المنصوري تعهد الاستقلاليين برفع المحتوى المحلي في مشاريع الطاقة العمومية إلى 50% بحلول سنة 2031، ولا هدف ضمان نقل 30% من الواردات الاستراتيجية بواسطة أسطول تجاري وطني.

في المقابل، احتفظ البرنامج الحكومي بالتوجه نحو إنشاء أسطول تجاري وطني، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتعزيز الطاقات المتجددة، وتأمين الموارد المائية والغذائية. وأعلنت المنصوري أيضًا هدف رفع حصة البذور الوطنية من 20% إلى 50% خلال الولاية الحكومية، إلى جانب تعزيز المخزونات الغذائية وإعادة تنظيم تموين السوق الداخلية. وفي مجال الصفقات العمومية، يتقاطع البرنامج الحكومي مع تعهد الاستقلال بفتح حصة من الطلبيات العمومية أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة، إذ أعلنت المنصوري اعتزام إلزام أصحاب الصفقات بتخصيص 30% من قيمتها لهذه المقاولات المغربية.

تعهدات انتقلت وأخرى تنتظر اختبار التنفيذ

تكشف المقارنة أن انتقال حزب الاستقلال إلى الأغلبية الحكومية لم يؤد إلى اختفاء مجمل تعهداته، إذ احتفظ برنامج المنصوري بعدد من توجهاته الرئيسية، خاصة في محاربة الفساد والريع، وتنظيم الأسواق، وإصلاح التقاعد، وتطوير السكن القروي، وإدماج الشباب، وتعزيز السيادة الاستراتيجية. لكن عددًا من الإجراءات التي ميزت برنامج «وطني مستقبلي» لم يرد في خطاب تقديم البرنامج الحكومي، وفي مقدمتها دعم الزواج بـ5000 درهم، وضريبة تصل إلى 40% على الريع الاحتكاري، وتكوين 2000 طبيب مستعجلات، وضمان عدم بقاء أي شاب خارج الدراسة أو التكوين أو العمل لأكثر من ستة أشهر، إلى جانب أهداف محددة للمخزونات الاستراتيجية.

ولا يعني غياب هذه التعهدات عن الخطاب الحكومي تخلي حزب الاستقلال أو الحكومة عنها نهائيًا، إذ يمكن أن تظهر بعض مضامينها لاحقًا في مشاريع قوانين المالية والبرامج القطاعية والمبادرات التشريعية. وبين الموقعين، يواجه حزب الاستقلال اختبارًا يتعلق بمدى قدرته على الدفاع عن وعوده داخل الأغلبية، خصوصًا تلك التي لم تظهر في خطاب المنصوري، بعدما أصبحت أمامه خمس سنوات للمشاركة في تنفيذ السياسات العمومية. ويبقى السؤال: هل تعود منحة الزواج وضريبة الريع والضمانات المحددة للشباب إلى الواجهة عبر مشاريع قوانين وإجراءات حكومية لاحقة، أم تظل مجرد وعود ارتبطت بالانتخابات وغابت عن أول تعاقد سياسي للحكومة الجديدة أمام البرلمان؟

شارك الخبر: