العنف لا يعرف جنساً: رجال مغاربة يكشفون عن معاناتهم مع الإيذاء والوصم الاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "العنف لا جنس له.. رجال مغاربة في مواجهة الإيذاء والوصم الاجتماعي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 20 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منتدى العمق - عائشة بوزرار
20 أكتوبر 2026 - 22:36
العنف ليس دائماً ظاهراً على الجسد، ولا كل الضحايا قادرات على البوح بما تعرضن له خوفاً من نظرات المجتمع. هناك رجال يعانون من الإهانة والتهديد والابتزاز النفسي في علاقاتهم العاطفية أو الزوجية، وآخرون يتعرضون للعنف داخل أسرهم أو في أماكن عملهم وشوارعهم، لكنهم يفضلون الصمت. لا يعود هذا الصمت إلى بساطة ما يتعرضون له، بل لأن الاعتراف به قد يُنظر إليه في المجتمع على أنه أكثر إيلاماً من العنف نفسه.
في المخيال الاجتماعي السائد، يُتوقع من الرجل أن يكون قوياً وقادراً على المواجهة، وأن يكون محصناً ضد الانكسار. وإذا اشتكى رجل من عنف امرأة، فقد يواجه السخرية بدلاً من الاستماع إليه، وقد يُطلب منه التحمل باعتباره أمراً لا يليق برجل أن يتألم بسببه. وهكذا، تتحول صورة الرجولة من قيمة تقوم على المسؤولية والكرامة إلى قيد يمنع الضحايا من الاعتراف بمعاناتهم أو طلب المساعدة.
السؤال الجوهري هنا ليس ما إذا كان الرجل قادراً على تحمل العنف، بل لماذا لا يزال المجتمع يربط حق الضحية في الإنصاف بجنسها أو بمدى قدرتها على إظهار الألم؟ وهل يمكن بناء ثقافة حقيقية لمناهضة العنف بينما تُترك بعض ضحاياه خارج دائرة الاعتراف؟
أرقام تكشف واقعاً مسكوتاً عنه
بعيداً عن الانطباعات والحكايات المتفرقة، تقدم الأرقام المغربية مدخلاً جدياً لمناقشة هذه الظاهرة. فقد أجرت المندوبية السامية للتخطيط قبل سنوات بحثاً حول العنف الذي يتعرض له الرجال في مختلف فضاءات الحياة، شمل 3000 رجل تتراوح أعمارهم بين 15 و74 سنة. ونُشرت النتائج، مما أتاح للمرة الأولى تسليط الضوء على هذا الجانب من الظاهرة من خلال معطيات إحصائية وطنية.
أبرز ما كشفته الدراسة هو أن 31% من الرجال صرحوا بتعرضهم للعنف من طرف الشريكة (زوجة، زوجة سابقة، خطيبة، صديقة) خلال الاثني عشر شهراً السابقة للبحث. كما تعرض نحو 12% للعنف داخل الأسرة من طرف أفراد غير الشريكة، ونحو 10% للعنف في الفضاء العام. هذه النسب لا تعني تشابه جميع الحالات في طبيعتها أو خطورتها، ولا تثبت أن النساء والرجال يتعرضون للعنف بالمعدلات نفسها، لكنها تقدم حقيقة تستحق النقاش. فالعنف الذي يقع ضحيته الرجال ليس مجرد حالات استثنائية، بل ظاهرة رصدها بحث وطني يستحق قراءة نتائجه بجدية.
تزداد أهمية هذه المعطيات حين ندرك أن العنف لا يقتصر على الاعتداء الجسدي. فقد أفاد 37% من الرجال بتعرضهم للعنف النفسي خلال الاثني عشر شهراً السابقة للدراسة، و11% للعنف الجسدي، و2% للعنف الجنسي، و1% للعنف الاقتصادي، عبر مختلف فضاءات الحياة التي تناولها البحث.
لا تكمن دلالة هذه الأرقام في تحويل العنف إلى منافسة بين الجنسين، بل في تفكيك الاعتقاد بأن الرجل، لمجرد كونه رجلاً، بمنأى عن الإيذاء النفسي أو الجسدي. فالألم لا يخضع لقواعد الأدوار الاجتماعية، والكرامة الإنسانية لا تتغير بحسب جنس صاحبها.
حين يكون العنف نفسياً… ولا يراه أحد
قد يكون الاعتداء الجسدي واضحاً بآثاره الملحوظة، لكن العنف النفسي أكثر قدرة على الاختباء خلف تفاصيل الحياة اليومية. قد يتخذ شكل الإهانة المتكررة، أو تحقير الشريك أمام الآخرين، أو التهديد بحرمانه من أطفاله، أو إخضاعه للابتزاز العاطفي والمالي، أو مراقبة تحركاته والتضييق على حريته.
تشير نتائج البحث المغربي إلى أن العنف النفسي كان الشكل الأكثر حضوراً ضمن العنف الذي أبلغ عنه الرجال، إذ مثّل 73% من مجموع أعمال العنف المسجلة في الدراسة، مقابل 20% للعنف الجسدي، و4% للعنف الجنسي، و3% للعنف الاقتصادي. وتكمن خطورة هذه الأشكال من العنف في أنها قد تُمارس تدريجياً، حتى يفقد الضحية قدرته على التمييز بين الخلاف العادي والإيذاء المستمر. وقد يجد الرجل نفسه مطالباً بتبرير سلوك شريكته مهما بلغ من الإهانة، أو بإخفاء معاناته كي لا يُتهم بالضعف، أو بالاستمرار في علاقة مؤذية خوفاً من الفضيحة أو من خسارة أطفاله أو مكانته الاجتماعية.
المفارقة أن المجتمع الذي يطالب الرجل بأن يكون سنداً نفسياً ومادياً لأسرته، قد لا يمنحه المساحة نفسها حين يحتاج هو إلى السند. يُنتظر منه أن يحتوي الآخرين، لكنه قد لا يجد من يحتويه. ويُطلب منه أن يتصرف بحكمة، بينما يُسلب أحياناً حقه في التعبير عن الأذى الذي يتعرض له.
في هذا المستوى، ينبغي التمييز بين خلافات العلاقات الإنسانية، التي قد تتسم بالتوتر وسوء التواصل، وبين العنف الذي يقوم على الإيذاء أو التهديد أو السيطرة. فليس كل شجار عنفاً، كما أن وصف فعل ما بالعنف لا ينبغي أن يكون وسيلة لتصفية الحسابات أو لتجريم الطرف الآخر دون أدلة. الإنصاف يقتضي فحص الوقائع، لا إطلاق الأحكام المسبقة.
الرجولة بين الصورة الاجتماعية والخوف من الفضيحة
لماذا يصمت بعض الرجال عن العنف الذي يتعرضون له؟ لا يمكن اختزال الإجابة في سبب واحد، لكن ضغط الصورة الاجتماعية للرجولة يمثل عاملاً يستحق الانتباه. فحين يروي رجل أنه تعرض للضرب من طرف زوجته، قد يكون أول ما يسمعه: “كيف تسمح لها بذلك؟”. وحين يتحدث عن الإهانة أو الابتزاز النفسي، قد يُطلب منه أن يتجاهل الأمر أو أن يتحمل مسؤولية ما حدث باعتباره الطرف الذي يُفترض أن يمتلك القوة داخل العلاقة.
المشكلة في هذه الردود أنها تنقل النقاش من الفعل المؤذي إلى قدرة الضحية على منعه. وبدل أن يُسأل المعتدي عن سلوكه، يُسأل الضحية لماذا لم يواجهه، أو لماذا لم يغادر العلاقة، أو كيف سمح لنفسه بأن يكون في هذا الموقف. هذا المنطق لا يساعد على فهم العنف، ولكنه يضيف إلى المعاناة شعوراً بالعار. كما أن مغادرة العلاقة المؤذية ليست دائماً قراراً بسيطاً، فقد ترتبط بالوضع المادي أو السكن أو الأطفال أو الخوف من الانتقام أو غياب الدعم الأسري والاجتماعي.
ولا ينبغي، في المقابل، افتراض أن كل رجل يتعرض للعنف يلتزم الصمت، أو أن كل امرأة متهمة بالعنف تحظى بالحماية الاجتماعية. المطلوب هو الاعتراف بأن الصور النمطية قد تؤثر في طريقة استقبال الشكاوى، وأن الاستماع إلى الضحية يجب ألا يتوقف عند جنسها أو جنس الشخص الذي تتهمه.
هل الدفاع عن الرجال انتقاص من حقوق النساء؟
من أكثر الاعتراضات التي قد تثار عند تناول هذا الموضوع القول إن الحديث عن العنف ضد الرجال يشتت الانتباه عن العنف الذي تتعرض له النساء، أو يُستعمل للتقليل من معاناتهن. لكن هذا الاعتراض يخلط بين قضيتين يمكن معالجتهما معاً دون أن تلغي إحداهما الأخرى. الاعتراف بالعنف ضد الرجال لا ينفي أن النساء يتعرضن بدورِهن لأشكال خطيرة من العنف، ولا يبرر التقليل من الفوارق التي قد تجعل بعض الفئات أكثر عرضة للإيذاء أو أقل قدرة على الوصول إلى الحماية. كما أن الدفاع عن حقوق النساء لا يفرض إنكار معاناة الرجال.
ومن الناحية الحجاجية، فإن جعل الجنس معياراً وحيداً لتحديد من يستحق التعاطف يضعف مبدأ العدالة نفسه. فإذا رفضنا الاعتداء لأنه اعتداء، وجب أن نرفضه بصرف النظر عن هوية مرتكبه. أما إذا تغير موقفنا من الفعل نفسه بمجرد أن نعرف أن الضحية رجل أو أن المعتدي امرأة، فإننا لا نحتكم إلى مبدأ ثابت، بل إلى صورة نمطية مسبقة. ولا يعني هذا أن جميع أشكال العنف متطابقة، أو أن أسبابها وآثارها وتوزيعها الاجتماعي واحدة، ولكن يعني أن فهم الفوارق لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لإنكار ضحايا آخرين.
من الاعتراف إلى الحماية
لا يتحقق تجاوز الصمت بمجرد نشر الأرقام أو تداول القصص المؤثرة، بل يتطلب خطوات عملية تجعل الإبلاغ عن العنف ممكناً، وتجعل التعامل مع الضحايا قائماً على الوقائع والإنصاف.
العنف ضد الرجال ليس قضية يقتضي تضخيمها لمنافسة قضايا النساء، ولا موضوعاً للإخفاء حفاظاً على صورة اجتماعية مثالية للرجل. إنه جانب من ظاهرة أوسع تتعلق بالسلطة والإيذاء والصمت، ولا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى الوقائع والأرقام، بعيداً عن الأحكام المسبقة. وقد أظهرت المعطيات التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط أن رجالاً مغاربة يتعرضون للعنف في علاقاتهم الخاصة وأسرهم وفضاءاتهم اليومية. هذه الحقيقة لا تمنحنا الحق في تعميم الاتهام على النساء، كما لا تسمح لنا بتجاهل الضحايا الذكور، ولكنها تفرض علينا أن نسأل عن سبل الوقاية والحماية والإنصاف، وأن نميز بين الدفاع عن الحقوق وتوظيف المعاناة في الصراع بين الجنسين. فالمجتمع العادل هو الذي ينصت إلى كل من يتعرض للأذى، ويحاسب كل من يثبت تورطه فيه، ويحمي الإنسان دون تمييز أو محاباة.
يبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح: إذا كنا نطالب المجتمع بأن يسمع صوت المرأة حين تتعرض للعنف، فلماذا نتردد في الإصغاء إلى الرجل الذي يقول إنه يتألم؟ وهل يمكن أن نناهض العنف ما دمنا نعتقد أن بعض الضحايا لا يليق بهم أن يبكوا؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة