المغرب
سياسة

قانون مالية 2027 قبل التنصيب البرلماني: خبراء يكشفون عن اختلالات دستورية وإجرائية

العمق المغربي21 أكتوبر 2026 في 10:120 مشاهدة
قانون مالية 2027 قبل التنصيب البرلماني: خبراء يكشفون عن اختلالات دستورية وإجرائية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "قانون مالية 2027 قبل التنصيب البرلماني.. خبراء يرصدون اختلال الترتيب المسطري وفراغ التأطير" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أثار عرض التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 والمصادقة عليه قبل حصول الحكومة الجديدة على ثقة مجلس النواب نقاشاً قانونياً ودستورياً حول التوفيق بين احترام الآجال المؤطرة للمالية العمومية ومبدأ التنصيب البرلماني للحكومة، في ظل تزامن الاستحقاقات الانتخابية والتشريعية والميزانياتية. وفي هذا السياق، اعتبر عبد العالي بلياس، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن ضغط الآجال الدستورية والقانونية، عقب انتخاب مجلس النواب الجديد في 23 شتنبر 2026، فرض الالتزام بمجموعة من المحطات، من بينها افتتاح الدورة التشريعية الثانية عشرة، وعرض التوجهات العامة لمشروع قانون المالية على المجلس الوزاري، وإيداع المشروع بمكتب مجلس النواب في أجل أقصاه 20 أكتوبر، طبقا للمادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية.

وأوضح بلياس أن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 عرضت على المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر، قبل إيداع المشروع داخل الأجل القانوني، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تخضع لمقتضيات دستورية وتنظيمية محددة، يتعين احترامها لضمان انتظام المالية العمومية. وأضاف أن رئيس الحكومة السابق كان قد وجه، في 5 غشت 2026، منشورا إلى أعضاء الحكومة بشأن إعداد مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، تضمن الأولويات المؤطرة للعملية، كما سبق عرض الإطار العام للمشروع والبرمجة الميزانياتية متعددة السنوات أمام اللجنتين المكلفتين بالمالية بالبرلمان، في إطار التحضير المسبق للاستحقاق المالي. وشدد المتحدث على أن إيداع المشروع داخل الأجل المحدد يندرج ضمن احترام مقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية، مبرزاً أن الحكومة الجديدة، بعد تعيينها من طرف الملك، توجد في وضعية مؤسساتية تختلف عن وضعية حكومة تصريف الأعمال. وأوضح أن التعيين الملكي يمنح الحكومة الجديدة وضعاً مؤسساتياً، رغم عدم حصولها بعد على ثقة مجلس النواب، معتبراً أن التصويت على البرنامج الحكومي يشكل محطة أساسية لاستكمال مسار التنصيب البرلماني والشروع في ممارسة الاختصاصات المرتبطة بالبرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية وفق المسطرة الدستورية.

“حالة الضرورة” واجتهاد المجلس الدستوري

أكد الباحث في المالية العمومية وعضو لجنة المالية السابق، عبد اللطيف برحو، أن تداول الحكومة الجديدة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 وإيداعه بمجلس النواب بتاريخ 20 أكتوبر يندرج في إطار قانوني ودستوري سليم من حيث المبدأ، مستنداً في ذلك إلى مفهوم “حالة الضرورة” واجتهادات القضاء الدستوري. وأوضح برحو، في تصريح صحفي، أن القراءات التي جزمت بعدم دستورية انعقاد المجلس الحكومي ومصادقته على مشروع القانون تُعد متسرعة وجانبت الصواب، مشيراً إلى أن القراءة الحرفية لأحكام الدستور بمعزل عن المنظومة القانونية المؤطرة لأشغال الحكومة قد تُدخل المسطرة التشريعية للمشروع في معطيات أكثر تعقيداً. وفي سياق تعليقه على السجال الدستوري القائم، أشار الباحث إلى أن المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 13-065 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة تنص صراحة على تكليف الحكومة الجديدة بتصريف الأمور الجارية وإعداد البرنامج الحكومي قبل تنصيبها البرلماني. وأضاف أن المجلس الدستوري كان قد أقر في قراره رقم 955 لسنة 2015 تفسيراً موسعاً لنطاق “تصريف الأعمال”، ليشمل اتخاذ التدابير التشريعية أو التنظيمية التي تستلزمها “حالة الضرورة”. واعتبر برحو أن الحاجة لمعالجة المأزق الدستوري وتفادي التأخر في إيداع مشروع قانون المالية تمثل حالة ضرورة صريحة تنطبق عليها هذه الاجتهادات. كما سجل الخبير في المالية العمومية أن القانون التنظيمي للمالية لم يتطرق لسيناريوهات عدم إيداع المشروع في أجله القانوني، مما يستدعي الاستناد إلى الاجتهادات القضائية والدستورية المتاحة لتجاوز هذه الحالة الاستثنائية وضمان انتظام سير المؤسسات.

اختلال في ترتيب المراحل الدستورية

من جهته، اعتبر الباحث في القانون العام والعلوم السياسية عبد الفتاح الورداميشي أن التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل استكمال التنصيب البرلماني للحكومة يثير إشكالية التوفيق بين الزمن الدستوري، المرتبط بالفصل 88 من الدستور، والزمن الميزانياتي الذي تحدده المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية. وأوضح الورداميشي أن المجلس الوزاري انعقد يوم 17 أكتوبر 2026، بعد تعيين أعضاء الحكومة في 16 أكتوبر، وقبل عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان في 19 أكتوبر، ثم مصادقة مجلس الحكومة على مشروع قانون المالية رقم 60.26 في 20 أكتوبر، في وقت لم يكن مجلس النواب قد حسم بعد في التصويت على الثقة. وسجل الباحث أن عرض التوجهات العامة لمشروع قانون المالية يدخل ضمن الاختصاصات المخولة للمجلس الوزاري بموجب الفصل 49 من الدستور، معتبراً أن انعقاده بعد التعيين الملكي للحكومة يستند إلى أساس دستوري من حيث الشكل، غير أن الإشكال يظل قائماً بشأن ترتيب المراحل، بعدما سبقت الترجمة المالية للتوجهات الحكومية المصادقة البرلمانية على البرنامج الحكومي الذي يفترض أن يعكسها. وأضاف أن هذه الوضعية تكشف عن تداخل بين الزمن الدستوري والزمن الميزانياتي، فضلاً عن وجود فراغ تشريعي في تأطير وضعية الحكومة المعينة التي لم تحصل بعد على ثقة مجلس النواب، سواء في القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة أو في القانون التنظيمي لقانون المالية. وحذر الورداميشي من أن الإشكال قد يزداد تعقيداً في حال عدم حصول الحكومة على الثقة البرلمانية، في ظل غياب مقتضيات واضحة تحدد المآل القانوني لمشروع قانون المالية الذي أودعته حكومة لم تستكمل تنصيبها البرلماني، وهو ما قد يفتح المجال أمام إثارة شبهة عدم الدستورية الإجرائية.

ضيق الآجال يثير مخاوف بشأن الرقابة البرلمانية

ولفت الباحث إلى أن تقارب المواعيد يضع البرلمان الجديد أمام تحديات مرتبطة بضيق الوقت المتاح لمناقشة المشروع، خاصة في ظل استمرار استكمال هياكل المجلس ولجانه، ووجود نواب يخوضون أول تجربة لهم في مناقشة الاختيارات المالية للدولة. ونبه إلى احتمال انتقال النقاش من مضمون السياسات المالية إلى الجدل بشأن سلامة المسطرة الدستورية، لاسيما مع إمكانية إثارة المعارضة شبهة عدم الدستورية والإحالة على المحكمة الدستورية طبقا للفصل 132 من الدستور. كما أثار الورداميشي مسألة ربط المسؤولية بالمحاسبة، بالنظر إلى أن الإعداد التقني لمشروع قانون المالية انطلق خلال ولاية الحكومة السابقة، التي انتقل الحزب الذي قادها إلى خارج الأغلبية الحكومية الجديدة، وهو ما قد يطرح صعوبات بشأن تحديد المسؤولية السياسية عن الاختيارات المالية المتضمنة في المشروع. وتزداد حساسية هذا النقاش، بحسب الباحث، في ظل ارتفاع انتظارات المواطنين من الحكومة الجديدة، خاصة في ضوء الالتزامات الواردة في برنامجها الانتخابي، الذي تقدر كلفته الإضافية بنحو 350 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، في سياق انتخابي لم تتجاوز فيه نسبة المشاركة 38 في المائة.

استمرارية تقنية وبصمة سياسية محدودة

وفي ما يتعلق بمدى تعبير مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن التوجهات السياسية للحكومة الجديدة، أوضح الورداميشي أن إعداد المشروع اتسم باستمرارية تقنية، بالنظر إلى عرض الإطار العام لمشروع مالية 2027 والبرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029 أمام لجنتي المالية بالبرلمان خلال يونيو 2026، فضلاً عن استمرار الأطر التقنية المكلفة بإعداده. غير أنه شدد على ضرورة التمييز بين الاختيارات الاستراتيجية للدولة والاختيارات السياسية للحكومة، مبرزاً أن أوراشاً من قبيل الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وميثاق الاستثمار، والجهوية المتقدمة، والسيادة المائية والطاقية، تندرج ضمن التوجهات الاستراتيجية للدولة وتتجاوز حدود التناوب الحكومي. وفي المقابل، أشار إلى أن التوجهات المعلنة تتضمن أولويات جديدة، من بينها الإصلاح الهيكلي للأسواق والأسعار، وإطلاق البرنامج الوطني المندمج للشباب للفترة 2027-2031، ورصد 25 مليار درهم للتنمية الترابية، إلى جانب تعزيز الدعم الاجتماعي المباشر. واعتبر الباحث، بناء على ذلك، أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يعكس استمرارية في الاختيارات الاستراتيجية للدولة، مقابل هامش محدود لتجسيد التوجهات السياسية الخاصة بالحكومة الجديدة، بالنظر إلى أن الإعداد التقني والبرمجة المالية سبقا تعيينها.

تعديلات برلمانية وإصلاح تشريعي لتجاوز الإشكال

وبشأن سبل معالجة هذه الوضعية، دعا الورداميشي إلى استثمار الآليات القانونية المتاحة، موضحاً أن إيداع مشروع قانون المالية داخل الأجل القانوني لا يمنع الحكومة من إدخال تعديلات عليه خلال المسطرة البرلمانية، وفق الضوابط الدستورية، كما يظل اللجوء إلى قانون مالية معدل خياراً ممكناً خلال السنة المالية. وشدد على ضرورة احترام مبدأ صدقية الميزانية، بما يضمن الانسجام بين الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي والفرضيات الاقتصادية والاعتمادات المالية المرصودة، محذراً من أن أي تفاوت جوهري بين الوثيقتين قد يثير نقاشاً بشأن صدقية الاختيارات المالية للحكومة. وأشار إلى أن الفصل 75 من الدستور ينص على آلية لفتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية بمرسوم، في حال عدم التصويت على قانون المالية قبل نهاية السنة، معتبراً أن هذا المقتضى يوفر بديلاً لضمان استمرارية المالية العمومية، دون أن يحسم بمفرده الإشكال المتعلق بالتنصيب البرلماني للحكومة. وعلى المستوى التشريعي، دعا الباحث إلى إدراج مقتضيات خاصة بالسنوات الانتخابية ضمن القانون التنظيمي لقانون المالية، وتأطير الوضعية القانونية للحكومة المعينة التي لم تستكمل تنصيبها البرلماني ضمن القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، إلى جانب ملاءمة الجدولة الانتخابية مع الآجال الميزانياتية. وخلص الورداميشي إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يشكل ميزانية انتقالية تعكس استمرارية الدولة أكثر مما تجسد الهوية السياسية الكاملة للحكومة الجديدة، معتبراً أن مشروع قانون المالية لسنة 2028 سيكون الاختبار الأوضح لقدرة هذه الحكومة على ترجمة برنامجها إلى اختيارات مالية ملموسة. وأكد أن احترام الآجال القانونية ساهم في ضمان استمرارية المالية العمومية، لكنه كشف في المقابل عن اختلال محتمل في الانسجام بين الزمن الانتخابي والزمن الميزانياتي، وهو ما يستدعي، بحسبه، معالجة تشريعية واضحة تضمن التوفيق بين احترام الآجال القانونية ومبدأ الثقة البرلمانية، وتحد من تكرار الإشكال خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

شارك الخبر: