حزب الاستقلال يضع بصمته على البرنامج الحكومي: من الوعود الانتخابية إلى الالتزامات الرسمية


هذا الخبر بعنوان "من “وطني مستقبلي” إلى البرنامج الحكومي: عندما تتحول بصمة حزب الاستقلال إلى اختيارات للدولة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر أيوب مشموم 21 أكتوبر 2026 - 20:39
من “وطني مستقبلي” إلى البرنامج الحكومي: عندما تتحول بصمة حزب الاستقلال إلى اختيارات للدولة. خمسة محاور من أصل خمسة تجد امتداداً في البرنامج الحكومي الجديد، مما يضع حزب الاستقلال أمام مسؤولية تحويل اختياراته إلى نتائج ملموسة.
ليست قوة الأحزاب السياسية في عدد الحقائب الوزارية أو حجم حضورها المؤسساتي فحسب، بل في قدرتها على التأثير في الاختيارات العمومية وتحويل تصوراتها إلى سياسات وبرامج والتزامات حكومية. ومن هذا المنطلق، تكشف القراءة المقارنة للبرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال «وطني مستقبلي» والبرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 عن تقارب استراتيجي بنسبة 100% في المحاور الخمسة الكبرى. هذا التقارب لا يعني اعتماد جميع المقترحات التفصيلية، ولكنه يعكس تقارباً عالياً في ترتيب الأولويات وتصور التحديات. وتكمن أهمية هذا الحضور في انتقال عدد من قضايا الحزب من مستوى الالتزام الانتخابي إلى مستوى التعاقد الحكومي المشترك.
تميز برنامج حزب الاستقلال بالجرأة في تشخيص العلاقة بين الفساد والريع والاحتكار من جهة، وتدهور القدرة الشرائية وضعف المنافسة وجودة الخدمات من جهة أخرى. لم يتعامل الحزب مع الفساد كمنحرف أخلاقي أو إداري، بل ككلفة اقتصادية واجتماعية. واقترح إجراءات عملية تشمل تقوية آليات محاربة تضارب المصالح، وربط الدعم العمومي بالتزامات قابلة للتقييم، ورقمنة المساطر الإدارية، وفرض ضريبة تصل إلى 40% على بعض الأنشطة المستفيدة من الريع. البرنامج الحكومي تبنى محوراً قائماً بذاته لمحاربة الفساد والقطع مع الريع وتخليق الحياة العامة، متضمناً محاربة تضارب المصالح وتنظيم الأسواق والتصدي للوساطة الانتهازية. يظهر التقارب في جوهر المقاربة: محاربة الفساد شرط لتحرير المبادرة الاقتصادية وتحقيق المنافسة العادلة.
جعل حزب الاستقلال من تحسين القدرة الشرائية للأسر وتقوية الطبقة الوسطى أحد أعمدة برنامجه. اقترح إصلاحاً هيكلياً لمسالك توزيع المنتجات الغذائية، وإحداث شركات جهوية للتجميع والتخزين والتوزيع، واعتماد آلية وطنية شفافة لتتبع هوامش الربح، إلى جانب تحسين الأجور والمعاشات وتيسير الولوج إلى السكن. تبنى البرنامج الحكومي مقاربة تقوم على استعادة القدرة الشرائية عبر معالجة مسببات الغلاء، وتنظيم أسواق الجملة ومسالك التوزيع، وتعزيز المنافسة، وتحسين شروط الحماية الاجتماعية. يعكس هذا التقارب انتقالاً من التدخل الظرفي في الأسعار إلى معالجة الاختلالات البنيوية.
الدفاع عن المدرسة العمومية والمستشفى العمومي كان من أبرز مكونات البرنامج الاستقلالي. اقترح الحزب إجراءات دقيقة لإصلاح المرفق العمومي، منها في الصحة إحداث وكالة وطنية للمستعجلات وتكوين 2000 طبيب متخصص، وفي التعليم برنامج استثنائي لتأهيل المؤسسات التعليمية بالعالم القروي وتعزيز العدالة المجالية. البرنامج الحكومي حضي بهذا التوجه من خلال إصلاح المستعجلات وتنظيم المسارات العلاجية وتعميم التعليم الأولي والارتقاء بجودة التعلمات. يتجلى التقارب في الانتقال من قياس حجم الموارد المرصودة للمرفق العمومي إلى قياس جودة الخدمات والنتائج التي يحققها للمواطن.
وضع حزب الاستقلال الحفاظ على منظومة القيم وتقوية تماسك الأسر في مقدمة برنامجه الانتخابي، بمقترحات تتعلق بالوساطة الأسرية ومواكبة الأسر للخروج من الفقر ودعم رعاية الطفولة. البرنامج الحكومي خصص محوراً مستقلاً للدفاع عن الهوية الوطنية وتوطيد روح المواطنة وتماسك المجتمع، وجعل الأسرة والهوية ومنظومة القيم أحد مرتكزاته الأساسية. يعكس هذا التقارب تصوراً مجتمعياً يعتبر الأسرة مؤسسة مركزية في بناء الاستقرار والتضامن.
تميز البرنامج الاستقلالي بتوسيع مفهوم السيادة الوطنية ليشمل السيادة المائية والطاقية والغذائية والدوائية والتكنولوجية والصناعية. تضمن البرنامج الانتخابي مقترحات طموحة، من بينها إحداث «البوصلة السيادية» لرصد التبعيات الاستراتيجية وربط محطات تحلية المياه بالطاقات المتجددة وتكوين 10 آلاف كفاءة متخصصة في الذكاء الاصطناعي. أصبح البرنامج الحكومي يتناول السيادة الاستراتيجية كمحور مستقل، يهدف إلى تأمين الموارد الأساسية وتقوية القدرة الوطنية على مواجهة الأزمات والتبعيات الخارجية. يظهر تقاطع واضح بين الطموح الاستقلالي والاختيارات الحكومية في امتلاك القدرة على الإنتاج والابتكار وتأمين الحاجيات الحيوية.
جعل حزب الاستقلال من قضية الشباب امتداداً أساسياً لبرنامجه الاجتماعي، من خلال برنامج «آفاق» الذي يهدف إلى ضمان ألا يبقى أي شاب خارج التعليم أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر. البرنامج الحكومي خصص محوراً مستقلاً لإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق، يقوم على تأمين أول تجربة مهنية وتحسين جودة فرص العمل. يمثل هذا التقارب انتقالاً من التعامل مع بطالة الشباب كمشكلة سوق الشغل وحده، إلى اعتبارها مسؤولية مشتركة بين منظومات التعليم والتكوين والاستثمار والسياسات الاجتماعية.
تتجلى البصمة الأعمق لحزب الاستقلال في الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية التي تجمع بينها، حيث يربط البرنامج الحكومي بناء الدولة الاجتماعية بإرساء اقتصاد قوي ومنتج قادر على خلق الثروة وفرص الشغل. يلتقي هذا التوجه مع جوهر التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، التي تقوم على التوازن بين حرية المبادرة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الاستثمار المنتج والتوزيع المنصف لثمار النمو. لا يمكن بناء دولة اجتماعية مستدامة دون اقتصاد قوي، كما لا يمكن اعتبار النمو الاقتصادي نجاحاً إذا لم ينعكس على دخل الأسر وفرص التشغيل وجودة الخدمات.
تمثل تغطية المحاور الخمسة الكبرى للبرنامج الاستقلالي داخل البرنامج الحكومي مؤشراً قوياً على التقارب السياسي والبرنامجي. لكن هذا الحضور يضع حزب الاستقلال، كأحد مكونات الأغلبية الحكومية، أمام مسؤولية سياسية مضاعفة للمساهمة في تنفيذ هذه الالتزامات والدفاع عن نتائجها. ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال: ما الذي تضمنه البرنامج الحكومي من مقترحات الحزب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ما الذي سيتحقق فعلياً من هذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة؟ فالمواطن لا يقيس نجاح البرامج بتشابه عناوينها، بل بانخفاض كلفة معيشته وتحسن دخله وجودة الخدمات.
تؤكد القراءة المقارنة للبرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال والبرنامج الحكومي الجديد وجود تقارب استراتيجي واسع. هذا التقارب يعكس قدرة الحزب على المساهمة في صياغة توافق حكومي يستوعب جانباً مهماً من اختياراته. القيمة الحقيقية لحضور حزب الاستقلال لا تكمن في ادعاء ملكية البرنامج الحكومي، بل في قدرته على التأثير في اختياراته، ثم المساهمة في تحويلها إلى إنجازات ملموسة. لقد انتقل جزء مهم من الرؤية الاستقلالية من فضاء التنافس الانتخابي إلى فضاء الالتزام الحكومي المشترك. واليوم تبدأ المرحلة الأصعب والأهم: مرحلة التنفيذ والنتائج والمحاسبة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة