المغرب
سياسة

فاطمة الزهراء المنصوري والبرنامج الحكومي: جدل حول الأداء اللغوي وتأثيره على استقبال المضمون

العمق المغربي22 أكتوبر 2026 في 09:280 مشاهدة
فاطمة الزهراء المنصوري والبرنامج الحكومي: جدل حول الأداء اللغوي وتأثيره على استقبال المضمون

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تعثر اللغة وضياع المضمون .. كيف قرأ المغاربة خطاب فاطمة الزهراء المنصوري؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 22 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يقتصر النقاش الذي أعقب تقديم رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، للبرنامج الحكومي أمام البرلمان على الوعود المتعلقة بتقليص الفوارق، ودعم الذكاء الاصطناعي، وتشجيع إجراءات الكراء، ومحاربة السكن العشوائي، وإصلاح قضايا البيع والشراء، ومواكبة الشباب اجتماعياً، ووضع مخطط وطني للماء، والوفاء بالالتزامات الحكومية. بل إن أسلوب الإلقاء وطريقة نطق الكلمات وبناء الجمل استحوذت على جزء كبير من اهتمام المتابعين، مما دفع البعض إلى السخرية من لهجة مراكشية مفترضة في الخطاب.

تتجاوز هذه التعليقات، التي تراوحت بين الانتقاد اللغوي والسخرية، سؤالاً جوهرياً حول أهمية أسلوب كلام المسؤول السياسي في تشكيل صورته لدى الجمهور، وكيف يمكن لطريقة النطق أن تنافس مضمون برنامج حكومي يرسم ملامح السياسات العمومية. يرجع ذلك إلى أن الجمهور لا يستقبل الخطاب السياسي كمجموعة أفكار مكتوبة فقط، بل كعرض متكامل يجمع بين الكلمات والصوت والإيقاع والثقة وطريقة ترتيب الأفكار. فالمسؤول لا يقول شيئاً فحسب، بل يقدمه بطريقة تؤثر في فهمه وتقييمه.

عندما يواجه المتلقي صعوبة في متابعة الجمل أو فهم المقصود منها، قد يتحول اهتمامه من مضمون الرسالة إلى شكل تقديمها، حتى لو كان النص المكتوب يتضمن التزامات تستحق النقاش. في حالة المنصوري، لا يمكن رد الانتقادات بالكامل إلى رهبة الوقوف أمام البرلمان أو كونها تخوض تجربة جديدة، فهي تمتلك خبرة سياسية طويلة وتولت مسؤوليات وزارية وانتُخبت عمدة لمراكش. النقاش هنا يتعلق بمدى ملاءمة أدائها لحجم المسؤولية التي تتحملها.

التجربة السياسية الطويلة لا تعني بالضرورة امتلاك المهارات نفسها في التدبير والخطابة والإلقاء. ومن المهم التمييز بين اللكنة واللغة. فاللكنة المراكشية، كغيرها من اللهجات المغربية، ليست عيباً بحد ذاتها، ولا ينبغي أن تكون سبباً للانتقاص من صاحبها. لكن الخطاب الرسمي له مقتضياته التواصلية؛ إذ يحتاج إلى وضوح في النطق، وتماسك في بناء الجمل، وقدرة على الانتقال من فكرة إلى أخرى بسلاسة. وبالتالي، فإن موضوع النقد ليس الانتماء إلى لهجة معينة، بل مدى نجاح الأداء في إيصال خطاب سياسي موجه إلى جمهور وطني واسع.

هناك فرق بين أن يتحدث السياسي بلهجته في لقاء عفوي، وبين أن يقدم برنامجاً حكومياً أمام ممثلي الأمة. في الحالة الأولى، قد تمنح اللهجة الخطاب طابعاً تلقائياً وقريباً من الناس، أما في الحالة الثانية، فتُصبح الأولوية لتمكين الجمهور من فهم الالتزامات والقرارات بوضوح. هذا لا يعني فرض لغة متكلفة أو إقصاء اللهجات المحلية، بل يعني قدرة المسؤول على اختيار أسلوب تواصل يتناسب مع طبيعة المناسبة.

تكشف ردود فعل المتابعين عن توقع اجتماعي يتعلق بصورة القيادة، حيث يربط الكثيرون بين الكلام المنظم والقدرة على التفكير المنظم، وبين سلامة التعبير والثقة في المتحدث. هذه الروابط ليست دائماً دقيقة، فقد يكون الإنسان فصيحاً دون أن يكون ناجحاً في التدبير. لكن الصورة الذهنية تتشكل بناءً على ما يراه الجمهور ويسمعه في اللحظة التي يظهر فيها المسؤول.

في علم التواصل السياسي، لا يقتصر تأثير الخطاب على مضمونه، بل يشمل أيضاً طريقة تقديمه. فالنبرة، والإيقاع، والوقفات، ووضوح الكلمات، كلها عناصر تساعد على بناء الانطباع الأول. وعندما تتعثر هذه العناصر، يمكن أن ينشأ تناقض بين أهمية المنصب والصورة التي يتركها الأداء. وقد تصبح لقطة قصيرة أو جملة متعثرة أكثر تداولاً من صفحات البرنامج الحكومي، لأن المحتوى المثير للسخرية ينتشر بسهولة أكبر.

ومع ذلك، لا تمثل التعليقات المتداولة بالضرورة رأي جميع المغاربة، فوسائل التواصل الاجتماعي تميل إلى تضخيم اللحظات اللافتة. لذلك، ينبغي التعامل مع هذه الردود كمؤشر على جانب من التلقي العام، لا كاستطلاع للرأي أو حكم نهائي على الكفاءة السياسية. اختزال النقد في المطالبة بـ«محو الأمية» يضعف الحجة، فالأمية مفهوم يتعلق بالقراءة والكتابة. النقد الأكثر دقة هو الذي يحدد موضع الخلل في الأداء: هل يتعلق بوضوح النطق؟ أم بسرعة القراءة؟ أم ببناء الجمل؟ أم بطريقة إعداد النص وإلقائه؟

تثير الواقعة سؤالاً حول الأحزاب السياسية ومعايير إعداد القيادات. فاختيار المسؤولين لا ينبغي أن يتوقف عند الشهادات الجامعية أو المسار الحزبي، بل يحتاج كذلك إلى الاهتمام بمهارات التواصل العام والقدرة على عرض البرامج. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن كل من ينتمي إلى حزب معين يمتلك مستوى لغوياً واحداً. فالكفاءة السياسية متعددة الأبعاد، والخطابة إحدى أدواتها.

مضمون البرنامج الحكومي نفسه، لا ينبغي أن يختفي خلف الجدل حول طريقة الإلقاء. فتقليص الفوارق، وتدبير السكن العشوائي، وتشجيع الذكاء الاصطناعي، ودعم الشباب، وتدبير الموارد المائية، كلها ملفات تستحق نقاشاً مستقلاً. السؤال الحقيقي ليس فقط كيف نطقت رئيسة الحكومة عناوين هذه الملفات، بل ماذا ستفعل الحكومة بشأنها؟ وكيف سيُقاس تقدمها؟

لا يمكن فصل المضمون عن طريقة تقديمه بشكل كامل. فالبرنامج الحكومي يمثل نوعاً من التعاقد السياسي مع المواطنين، والتعاقد يحتاج إلى لغة واضحة. وكلما كان الخطاب مباشراً ومفهوماً، سهل على الجمهور تتبع الالتزامات ومساءلة أصحاب القرار. أما حين تصبح طريقة العرض نفسها موضع جدل واسع، فإن جزءاً من الرسالة قد يضيع.

المطلوب من رئيسة الحكومة ليس التخلي عن لهجتها المحلية، ولا تقليد أسلوب خطابي مصطنع، بل تطوير أدوات التواصل بما يتناسب مع مسؤوليتها. ويشمل ذلك إعداد النصوص بطريقة تراعي سهولة الإلقاء، والتدرب على المصطلحات والجمل الأساسية، والتحكم في الإيقاع، واستخدام الوقفات التي تمنح الأفكار وضوحاً. فهذه ليست تفاصيل تجميلية، بل جزء من الاستعداد المهني للظهور في مناسبة سياسية كبرى.

في النهاية، قد تمنح الفصاحة حضوراً قوياً، لكنها لا تصنع وحدها قائداً ناجحاً؛ كما أن التعثر في الإلقاء لا يكفي للحكم على فشل تجربة سياسية. غير أن المسؤول الذي يتولى رئاسة الحكومة لا يستطيع تجاهل أثر خطابه في صورة مؤسسات الدولة وفي قدرة المواطنين على فهم سياساته. فالقيادة تعني أيضاً القدرة على شرح القرارات والدفاع عنها.

وبين من جعلوا من طريقة كلام المنصوري مادة للسخرية، ومن يرفضون أي نقد باعتباره استهدافاً سياسياً، تضيع أحياناً المسألة الأساسية: كيف نجعل الخطاب العمومي أكثر وضوحاً، وكيف ننتقل من الانطباعات إلى مساءلة السياسات؟ اللغة قد تفتح باب الثقة أو تثير الشك، لكنها ليست بديلاً عن الإنجاز. وسيظل الاختبار الأهم لهذه الحكومة هو قدرتها على تحويل الكلمات إلى نتائج ملموسة يستطيع المواطن أن يلمسها في حياته اليومية.

شارك الخبر: