المغرب
سياسة

أسامة باريك: هل ينجح

العمق المغربي24 أكتوبر 2026 في 10:260 مشاهدة
أسامة باريك: هل ينجح

تنويه

هذا الخبر بعنوان "معركة “أسامة باريك” في مواجهة طواحين المنظومة.. هل تبتلع الآلة الانتخابية الكلاسيكية “مرشح الفيسبوك”؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في خضم المشهد السياسي المغربي الذي تحكمه غالبا قواعد صارمة تتعلق بالانتماءات القبلية، وسطوة الأعيان، ومنطق “الشكارة” (المال السياسي)، برزت خلال الانتخابات الأخيرة حالة الشاب عبد العزيز باريك، الذي يعرفه رواد مواقع التواصل الاجتماعي باسم “أسامة باريك” كحالة سياسية استثنائية لفتت انتباه المتابعين وصنعت الحدث. هذا الشاب البالغ من العمر 28 عاما، والذي كان يعاني من البطالة، نجح في اختراق أسوار المؤسسة التشريعية انطلاقا من جبال إملشيل القاسية وصولا إلى قبة البرلمان بالرباط، ليمثل دائرة ميدلت. من منظور عاطفي وإنساني، لا يسع المرء إلا أن يتعاطف مع هذه القصة التي تشبه قصص “الآوت سايدر” (Outsider) أو البطل القادم من الهامش. شاب بسيط، لا يملك رصيدا بنكيا ضخما ولا امتدادا عائليا نافذا، استطاع أن يحول هاتفه الذكي وحسابه على الفيسبوك إلى منصة للترافع عن هموم قريته المعزولة، ليجد نفسه فجأة نائبا للأمة. لكن، وبقدر ما تبعث هذه القصة على الأمل في إمكانية كسر احتكار النخب التقليدية للعمل السياسي، فإنها تثير في نفوسنا مخاوف عميقة ومبررة على مصير هذا الشاب، لأن قسوة الواقع المؤسساتي، وشراسة الآلة الانتخابية الكلاسيكية، والمطبات الهيكلية التي أوقع نفسه فيها، تنذر بنهاية تراجيدية لهذه التجربة إذا لم يتدارك الأمر بوعي سياسي براغماتي حاد.

منذ البداية لم يكن طريق أسامة نحو البرلمان مفروشا بالورود، بل كان محفوفا بالخذلان منذ الخطوة الأولى. فقد حاول في البداية دخول غمار المنافسة الانتخابية تحت مظلة حزب “الاتحاد الدستوري”، آملا أن يجد في هذا الحزب العريق غطاء سياسيا يدعمه. لكن المنطق البراغماتي (وربما المالي) للحزب سرعان ما أطاح به في منتصف الطريق، حيث تم التخلي عنه لصالح مرشح آخر يمتلك “البروفايل” الكلاسيكي: خبرة انتخابية سابقة، والأهم من ذلك، رصيد مالي قادر على تمويل حملة انتخابية باهظة التكاليف في دائرة شاسعة وصعبة كدائرة ميدلت. هذا الخذلان لم يثن أسامة عن هدفه، فدفعه العناد إلى طرق باب حزب صغير جدا لا يمتلك أي امتداد وطني وازن، وهو “حزب الوحدة والديمقراطية”. المفارقة الصارخة هنا أن أسامة لم ينجح فقط في انتزاع مقعده، بل كان المرشح الوحيد الذي نجح عن هذا الحزب على الصعيد الوطني بأكمله! هذه الحقيقة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن فوز أسامة لم يكن فوزا للحزب أو لبرنامجه، بل كان فوزا لـ “شخص” أسامة، وللخطاب الاحتجاجي الذي تبناه. لكن هذا “اليتم السياسي” يعني أنه دخل البرلمان بلا درع حزبي يحميه، وبلا فريق يسنده في كواليس اللجان، مما يجعله فريسة سهلة في مؤسسة تعتمد كليا على قوة الكتل.

الواقع أن أسامة باريك بنى شعبيته من خلال الخطاب الشعبوي المباشر على منصات التواصل الاجتماعي. والشعبوية هنا لا أعني بها المفهوم القدحي المتداول والمغلوط بل أن أسامة كان يتحدث بصدق عن الثلوج التي تحاصر القرى، وعن معاناة النساء الحوامل، والطرق المقطوعة، وغياب البنية التحتية. هذا الخطاب لامس وترا حساسا لدى ساكنة ملت من الوعود الكاذبة لسياسيي “الشكارة”. إلا أن المشكلة الجوهرية تكمن في طبيعة هذه القاعدة الانتخابية. الناخبون الذين صوتوا لأسامة لم يصوتوا على برنامج سياسي مهيكل يتضمن رؤية تشريعية أو اقتصادية قابلة للتطبيق، بل صوتوا بدافع العاطفة، والتعاطف، والرغبة في معاقبة الوجوه القديمة. العاطفة في السياسة هي وقود سريع الاشتعال وسريع النفاذ أيضا. الجمهور الفيسبوكي الذي صفق له بالأمس يتوقع منه اليوم أن “يأتي بالمعجزات” بمجرد دخوله البرلمان، والساكنة التي أوصلته تتوقع طرقا معبدة، ومستشفيات مجهزة، وربما فرص عمل. لكن النظام الدستوري المغربي لا يمنح البرلماني سلطة تنفيذية لشق الطرق أو بناء المدارس، بل يمنحه سلطة التشريع والرقابة. وحين يصطدم أسامة بحقيقة أنه لا يستطيع تلبية هذه المطالب المباشرة، سيبدأ الرصيد العاطفي في التآكل بسرعة، وقد يتحول التعاطف إلى سخط اتهامي بالخيانة أو بالاستسلام للمنظومة.

ومن بين المطبات الخطيرة التي وضع أسامة نفسه فيها، هي تقوقعه الجغرافي، فقد بنى مجده الافتراضي ومطالبه على قضايا منطقته الجبلية الضيقة (إملشيل)، متناسيا أن الدائرة الانتخابية التي يمثلها تمتد لتشمل إقليم ميدلت بأكمله. في العمل السياسي، حين تترشح عن دائرة واسعة، يجب أن يتسع خطابك ليشمل هموم الدائرة قاطبة. استمرار أسامة في الحديث بلسان “ابن إملشيل” فقط، وتركيز أسئلته وترافعاته على حدوده الترابية الأصلية، سيخلق ضده جبهة رفض واسعة في باقي مناطق ميدلت. والناخبون في المناطق الأخرى سيشعرون بالإقصاء، وسيعتبرون أنه لا يمثلهم وسيعزله هذا التقوقع القبلي والجغرافي تماما، وسيجعل منه مرشحا لدوار أو لجماعة قروية، وليس نائبا للأمة يترافع عن إقليم بأكمله يعاني من الهشاشة. ولعل المسمار الأخير الذي يبدو أن أسامة قد دقه في نعش تجربته البرلمانية الواعدة، هو تموقعه المؤسساتي الحالي إذ إن المعطيات تفيد أنه بعد دخوله البرلمان، حاول تدارك ضعفه العددي بالتحالف مع 5 نواب آخرين لتشكيل مجموعة نيابية وكان هذا تحركا ذكيا في البداية، فالمجموعة النيابية تمنح بعض الامتيازات من حيث وقت التدخلات وحقائب اللجان، لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفنه، بعد أن تخلى عنه هؤلاء النواب والتحقوا بفرق أخرى، ليجد نفسه وحيدا، معزولا، ونائبا “غير منتسب”. وما زاد الطين بلة، هو قراره المتسرع بإعلان اصطفافه في صفوف “المعارضة” وهو وحيد، ففي العرف البرلماني وفي ظل الواقع السياسي المغربي، يعتبر هذا القرار بمثابة “انتحار سياسي” لمرشح جاء بوعود مطلبية صرفة. فكيف يمكن لنائب وحيد، لا يملك فريقا، ولا وقتا كافيا للكلام في الجلسات العامة، ولا وزنا في اللجان، ومع ذلك يرفع راية المعارضة، أن يقنع وزراء الحكومة بتمرير مشاريع لدائرته؟ الحكومات عادة ما تستجيب لمطالب نواب أغلبيتها للحفاظ على التماسك، أو تفاوض قادة فرق المعارضة الكبرى لتمرير قوانين حساسة. أما النائب الوحيد المعارض، فهو في أحسن الأحوال “ظاهرة صوتية” يتم تجاهل أسئلتها الكتابية أو الرد عليها بلغة خشبية باردة. واصطفافه في المعارضة سيمنح القطاعات الحكومية العذر المثالي لتهميش مطالبه وإقباره مؤسساتيا.

لكن الخطر الأكبر الذي يتهدد هذا الشاب، الذي أتعاطف معه بشكل شخصي بالمناسبة، في اعتقادي هو أن خصومه في دائرة ميدلت، من الأعيان وأصحاب النفوذ وأرباب “الشكارة”، لم يتقبلوا هزيمتهم أمام شاب عاطل جاء من العالم الافتراضي، فبالنسبة للمنظومة الانتخابية الكلاسيكية، أسامة باريك ليس مجرد منافس فاز بمقعد، بل هو “فيروس” يهدد نموذجهم القائم على الزبونية وشراء الذمم والولاءات القبلية وإذا نجح أسامة في تقديم حصيلة جيدة لدائرته، فهذا يعني أن الناخب سيكتشف أن التصويت الحر للمرشح النظيف ممكن، وأن المال السياسي ليس قدرا محتوما. لذلك، ستعمل الآلة الكلاسيكية بكل ما أوتيت من قوة على “صناعة فشله” وسيقوم الأعيان، الذين يسيطرون غالبا على المجالس الجماعية والإقليمية والجهوية، بعرقلة أي مشروع قد يتبناه أو يحاول جلبه، وسيتم فرض حصار محلي على مبادراته، وتطويق تحركاته، لضمان ألا يتحقق أي إنجاز يحمل بصمته. لأن الهدف الاستراتيجي لهذه القوى ليس تدمير أسامة كشخص، بل تأديب الناخب أو إعادة تربيتهم بلغة رئيس الحكومة الغير مأسوف على رحيله. يريدون أن يصلوا إلى نهاية الولاية التشريعية ليقولوا للساكنة أرأيتم؟ لقد صوتم بعاطفتكم لشاب الفيسبوك، ماذا جنيتم؟ لا شيء. السياسة تحتاج إلى رجال يملكون شبكات العلاقات والمال والقدرة على جلب المشاريع أي أنهم يخططون لاستخدام فشله كـ “لقاح” يطعمون به الناخبين ضد أي تفكير مستقبلي في التمرد على الآلة الانتخابية الكلاسيكية.

أمام هذا الأفق المؤسساتي المسدود، والحصار المحلي، والعزلة البرلمانية، يبرز تخوف إنساني عميق ومأساوي. أسامة، كما أشرنا، كان شابا معطلا ودخوله للبرلمان يضمن له اليوم تعويضات شهرية سمينة، وامتيازات، وحصانة لمدة خمس سنوات عندما يكتشف أن تغيير الواقع مستحيل، وأن جلب المشاريع لدائرته دونه اختراق جبال من البيروقراطية والمقاومة السياسية التي لا يمتلك أدواتها، قد يجد نفسه أمام خيارين، إما الاستقالة المدوية للحفاظ على صورته كبطل رفض الانحناء، وهو خيار مستبعد جدا نظرا لاستفادته من الوضع المالي المستقر الذي لم يكن يحلم به، وإما الركون إلى زاوية الصمت والقبول بـ “القفص الذهبي”. الخوف كل الخوف أن تروضه جدران البرلمان المكيفة، وأن ينسى زمهرير إملشيل. قد يكتفي بطرح سؤال كتابي من حين لآخر لرفع العتب، بينما يستمر في تقاضي راتبه لضمان مستقبله الشخصي، وإذا حدث هذا السيناريو، فستكون تلك هي الهزيمة الأقسى. لن تكون هزيمة لأسامة فقط، بل ستكون طعنة غائرة في ظهر الشباب الذي آمن به، وتأكيدا للسردية العدمية التي تقول إن “السلطة والمال يغيران الجمي”.

ورغم هذه الصورة القاتمة، ورغم قسوة التحليل، فإن تعاطفنا مع حالة أسامة باريك يفرض علينا تقديم قراءة للبدائل الممكنة. فالعمل البرلماني الفردي ليس مستحيلا إذا تم تسييره بذكاء لكيلا تبتلعه الآلة، على أسامة أن يتخلى فورا عن جلباب “المؤثر الفيسبوكي” الذي يكتفي بالصراخ، ويرتدي بدلة “السياسي البراغماتي”. أولا، يجب أن يعيد تعريف نفسه كنائب لدائرة ميدلت بأكملها، وأن يتبنى ملفات كبرى تهم الإقليم ككل ليوسع قاعدته. ثم، في ظل عزلته النيابية، عليه أن يتقن فن “اللوبيينغ” والضغط من خلال التشبيك مع نواب من مختلف الفرق، حتى من الأغلبية، ينتمون لنفس الجهة أو يتقاطعون معه في نفس الاهتمامات التنموية، وتمرير مطالبه عبرهم أو بدعمهم كما أنه عليه أن يستمر في استخدام منصته الرقمية، ليس فقط للشكوى والبكاء، بل لـ “تثقيف” قاعدته الانتخابية بالصعوبات المؤسساتية، وفضح الاختلالات والتعطيل الممنهج لملفات منطقته بالوثائق والأدلة، ليحافظ على سردية أن “الفشل ليس منه، بل من المنظومة التي تحاربه”. أسامة باريك هو تجربة حية تحت مجهر المغاربة، نجاحه قد يفتح الباب واسعا لجيل جديد من الشباب لتجاوز دكاكين الانتخابات الكلاسيكية، وفشله قد يعيدنا عقودا إلى الوراء ويرسخ سلطة “الشكارة” إلى الأبد. لذا، ورغم كل مطبات العزلة والمكر السياسي التي تحيط به، نأمل بصدق أن يمتلك هذا الشاب من النضج وسرعة التعلم ما يكفي لتفادي السقوط في الهاوية، وأن يثبت أن صدق النوايا، إذا ما اقترن بالذكاء السياسي والدهاء المؤسساتي، يمكن أن يصنع المعجزات حتى داخل أسوار البرلمان المنيعة.

شارك الخبر: