المغرب
سياسة

النيابة العامة ودورها في تنظيم جرائم الشيك: بين إنفاذ القانون وتسهيل التسوية

العمق المغربي25 أكتوبر 2026 في 22:320 مشاهدة
النيابة العامة ودورها في تنظيم جرائم الشيك: بين إنفاذ القانون وتسهيل التسوية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "النيابة العامة وجرائم الشيك: انضباط الدعوى العمومية بين الشرعية الزجرية والاستيفاء الصرفي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 25 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في 25 أكتوبر 2026، استضاف منتدى العمق نقاشًا هامًا حول دور النيابة العامة في قضايا جرائم الشيك، تحت عنوان "انضباط الدعوى العمومية بين الشرعية الزجرية والاستيفاء الصرفي". يبرز الشيك كأداة أساسية في السياسة الجنائية الاقتصادية، نظرًا لارتباطه الوثيق بالائتمان التجاري وانتظام المعاملات المالية، وحماية الثقة في تداول الأوراق التجارية. وباعتباره أداة وفاء مستحقة الأداء عند الاطلاع، يستمد الشيك قيمته من الضمان القانوني وافتراض الجدية في استخدامه الاقتصادي. إلا أن الإخلال بهذا الالتزام يتجاوز مجرد عدم سداد الدين، ليطرح تساؤلات حول حدود تدخل الدولة في النزاعات التجارية ومشروعية إخضاعها للعقاب الجنائي.

في هذا السياق، جاء القانون رقم 71.24، المعدل للقانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، ليعيد تنظيم العديد من المقتضيات الخاصة بجرائم الشيك، ويمنح التسوية والأداء أهمية أكبر في مسار الدعوى العمومية، مع الحفاظ على الوظيفة الحمائية للتجريم. وتبرز أهمية النيابة العامة، بصفتها الجهة المختصة أصلاً بإقامة الدعوى العمومية وممارستها باسم المجتمع وفقًا للمادتين 3 و36 من قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01 (المعدل بالقانون رقم 03.23)، في هذا المجال. لا يقتصر دورها على المطالبة بالعقوبة، بل يشمل مراقبة التكييف القانوني السليم، والتحقق من توافر أركان الجريمة، وضمان احترام الضمانات الإجرائية.

تخول المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية لوكيل الملك صلاحية تلقي المحاضر والشكايات واتخاذ ما يراه مناسبًا، مما يجعل مرحلة استقبال الشكاية نقطة حاسمة في تحديد المآل القانوني للواقعة. ولا يعني رفض البنك أداء الشيك بالضرورة قيام المسؤولية الجنائية؛ إذ يجب التحقق من سبب الرفض، وصحة الشيك، ووضعية المؤونة، وظروف إصداره وتقديمه. وتؤطر المادة 316 من مدونة التجارة جرائم الشيك، بما في ذلك إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها، والتعرض غير المشروع على الوفاء، والتزييف والتزوير، واستعمال الشيكات المزيفة. وتختلف هذه الأفعال في عناصرها المادية والمعنوية وعقوباتها، مما يستلزم تكييفًا دقيقًا للوقائع وعدم الاكتفاء بشهادة الرفض لإثبات الأركان القانونية.

تُعد المادة 271 من مدونة التجارة ضمانة هامة لحماية الشيك، حيث تحدد حالات التعرض على الوفاء المشروعة، كالفقدان أو السرقة أو الاستعمال التدليسي أو التزوير. ويهدف هذا الحصر إلى منع تعطيل الوفاء بإرادة منفردة، مع إبقاء الحماية متاحة عند وجود سبب مشروع. ويتعين على النيابة العامة التمييز بين التعرض المشروع وغير المشروع، مع مراعاة الأدلة والظروف.

أحدث القانون رقم 71.24 تحولاً إجرائيًا هامًا عبر المادة 325، التي تشترط إعذار الساحب قبل تحريك الدعوى العمومية في جنحة إغفال المؤونة. يوجه الإعذار بواسطة ضابط الشرطة القضائية بتعليمات من النيابة العامة، ويمنح الساحب أجلًا ثلاثين يومًا للتسوية، مع إمكانية التمديد. يعكس هذا الإجراء توجهًا تشريعيًا نحو إتاحة فرصة للتدارك قبل المتابعة، مع خضوع التدخل الإجرائي للضوابط القانونية، بما في ذلك تدابير المراقبة القضائية.

تكتسي المادة 314 من مدونة التجارة أهمية خاصة فيما يتعلق بتسوية وضعية الشيك غير المؤدى أو تكوين المؤونة داخل الأجل القانوني، وآثار ذلك على الغرامة. كما ترتب المادة 325 آثارًا قانونية على أداء قيمة الشيك أو التنازل عن الشكاية، شريطة استيفاء المتطلبات المالية والإجرائية، بما في ذلك غرامة بنسبة 2% من مبلغ الشيك. ويتعين التمييز بين عدم تحريك الدعوى العمومية، وسقوطها، وإيقاف تنفيذ العقوبة.

من المستجدات الهامة أيضًا تنظيم المسؤولية عن قبول الشيك على سبيل الضمان. فقد اكتفى القانون رقم 71.24 بالغرامة في حق من يقبل عن علم تسلم الشيك أو تظهيره بشرط عدم استخلاصه فورًا أو الاحتفاظ به على سبيل الضمان. ويعكس هذا الاختيار معالجة الاستعمالات الخارجة عن وظيفة الشيك الأصلية، مع الإبقاء على جزاء مالي.

أقر المشرع أيضًا مقتضيات خاصة بالشيكات الصادرة بين الأزواج أو الأصول والفروع من الدرجة الأولى، مما يفرض على النيابة العامة التحقق من طبيعة العلاقة بين الأطراف. وعلى مستوى البحث التمهيدي، تستند النيابة العامة إلى قانون المسطرة الجنائية، لا سيما المواد 18 و19 و40 و49، للإشراف على أعمال الشرطة القضائية وضمان مشروعية الإجراءات. ويشمل ذلك فحص الوثائق البنكية، والتحقق من بيانات الحساب، والاستماع إلى الأطراف، والتثبت من صحة التوقيع. كما تفرض الشرعية الإجرائية احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.

بعد استكمال البحث، تملك النيابة العامة سلطة تقدير مآل الشكاية بين الحفظ أو تحريك الدعوى. وبعد إقامة الدعوى، تتولى عرض الوقائع وتقديم الملتمسات ومناقشة وسائل الإثبات، مع مراعاة التكييف القانوني الصحيح وحق المتهم في الدفاع. ويجوز لها ممارسة طرق الطعن في الأحكام التي ترى أنها شابها خرق للقانون.

تظل المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية مرجعًا في نطاق الصلح، دون توسيع آثاره خارج الحالات القانونية. وتبرز آثار الإصلاح بعد صدور الأحكام النهائية، حيث يتيح القانون ترتيب آثار على أداء قيمة الشيك أو الحصول على تنازل من المستفيد، مع أداء الغرامة. وقد تشمل هذه الآثار إيقاف تنفيذ العقوبة ورد الاعتبار. ويتعين التمييز بين الوضعية القانونية للمحكوم عليه، والأثر المالي، والنتيجة المترتبة على العقوبة أو الدعوى، مع مراعاة مقتضيات القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة.

تقاس فاعلية النيابة العامة في جرائم الشيك بقدرتها على إنفاذ القانون بدقة، وحماية المستفيد، وصيانة المشتكى به من متابعة تفتقر إلى أساس قانوني، مع ضمان توحيد التوجهات العملية. ويتطلب ذلك تعزيز التكوين المتخصص، وتطوير التنسيق مع المؤسسات البنكية، وتحسين جودة الأبحاث، وتسريع البت في الملفات. فالثقة في الشيك لا تتحقق بتشديد العقوبة، وحماية المدين لا تعني إفراغ التجريم من مضمونه؛ بل تتحقق باستعمال متناسب للسلطة الجنائية، يجعل الأداء وجبر الضرر ممكنين حيث أجاز القانون ذلك، ويُبقي المساءلة قائمة حيث تقتضيها الشرعية. هنا تتحدد القيمة المؤسسية للنيابة العامة: سلطةٌ تمارس باسم المجتمع، وتظل مقيدة بالنص، والضمانات، ومقتضيات العدالة الجنائية.

شارك الخبر: