المخرج إدريس الروخ يغوص في الدراما الأمازيغية بمسلسل «الحكيمة» التاريخي


هذا الخبر بعنوان "إدريس الروخ يقتحم الدراما الأمازيغية بـ«الحكيمة»" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من قلب جبال الأطلس المتوسط، حيث تتصارع القبائل على النفوذ والثروة، وتُختبر التحالفات تحت وطأة الجفاف والمجاعة، يستعد المخرج إدريس الروخ لخوض تجربة جديدة في مساره الفني، من خلال مسلسل «الحكيمة». يشكل هذا العمل أولى تجارب الروخ في إخراج الدراما الناطقة بالأمازيغية، وهو عمل تاريخي يراهن على استحضار الذاكرة الثقافية المغربية، وإعادة بناء عالم اجتماعي تتشابك داخله المصالح والنزاعات، وتتحول فيه الحكمة إلى وسيلة لفهم موازين القوة وتدبير تعقيدات الحياة.
انطلقت عمليات تصوير المسلسل في أواخر شتنبر 2026، بعدد من المناطق المغربية، بإنتاج من شركة «ديسكونيكتد» لصالح القناة الثامنة المغربية «تمازيغت». يأتي هذا العمل ضمن توجه فني يسعى إلى تقديم حكاية تستمد ملامحها من البيئة الأمازيغية، وتستثمر خصوصية المجال الجبلي في بناء سرد درامي يجمع بين التاريخ والإنسان والمكان، ويمنح تفاصيل الحياة اليومية دوراً أساسياً في تطور الأحداث.
تعود أحداث «الحكيمة» إلى جبال الأطلس المتوسط مع مطلع القرن التاسع عشر، خلال مرحلة اتسمت بصراعات قبلية وتنافس على الثروة والنفوذ. زادت التحولات الاجتماعية والظروف الطبيعية القاسية من تعقيد العلاقات بين الجماعات المحلية. فالجفاف والمجاعة، وفق الخلفية التي يستند إليها العمل، يضعان السكان أمام تحديات تتجاوز تأمين أسباب العيش، لتشمل حماية المصالح، وإعادة ترتيب التحالفات، ومواجهة الأطماع، في عالم تتغير فيه موازين القوة تبعاً للظروف والمواقف.
في قلب هذه التحولات، تبرز شخصية عائشة، الملقبة بـ«الحكيمة»، التي تجسد دورها الفنانة سناء مجدوبي. تتميز عائشة بذكاء حاد ومعرفة عميقة بالطبيعة البشرية، وتمتلك قدرة على قراءة ما تخفيه الكلمات والنظرات من مقاصد ودلالات. تجد عائشة نفسها وسط صراعات متشابكة، حيث تصبح قدرتها على فهم الآخرين واستيعاب دوافعهم عنصراً مؤثراً في التعامل مع النزاعات وتبدل الولاءات، بما يمنح الشخصية حضوراً يتجاوز حدود الحكاية التقليدية.
تحمل هذه الشخصية أبعاداً إنسانية واجتماعية لافتة، بالنظر إلى موقع المرأة داخل مجتمع تحكمه الأعراف القبلية والتوازنات الجماعية. تقدم الحكاية نموذجاً لشخصية تستمد تأثيرها من المعرفة والتجربة وقوة الملاحظة، وتواجه تعقيدات محيطها بقدرة على استيعاب ما يجري خلف واجهة الأحداث. يفتح المسلسل المجال أمام مساءلة العلاقة بين الحكمة والنفوذ، وبين القوة المادية والقدرة على فهم الإنسان، في سياق تصبح فيه الكلمة أحياناً عاملاً حاسماً في توجيه الأحداث.
على مستوى التشخيص، يجمع العمل نخبة من الممثلين المغاربة الناطقين بالأمازيغية، من بينهم سناء مجدوبي، وسعيد ظريف، وسعيد عامل، وحسين أغبالو، وسناء بحاج، ومحسن الزواق. تمثل هذه التوليفة الفنية استحضاراً لتعدد الشخصيات والعلاقات داخل المجتمع القبلي، وتتيح تقديم صراعات تتداخل فيها المصالح العائلية والروابط الاجتماعية والتنافس على الموارد ومصادر النفوذ.
يحتل الجانب البصري مكانة بارزة ضمن ملامح المشروع، من خلال الاهتمام بالأزياء التقليدية والحلي والخيام والأسواق والخيول، إلى جانب استحضار أهازيج وفنون «أحيدوس» العريقة. يعكس هذا الاهتمام غنى الموروث الثقافي الأمازيغي وخصوصية تعبيراته الفنية والاجتماعية. يتجاوز المكان في هذا العمل وظيفته بوصفه خلفية للأحداث، ليصبح عنصراً من عناصر الحكاية، يحمل ذاكرة المجتمع ويكشف طبيعة علاقته بالأرض والموارد والعادات والتقاليد.
بالنسبة إلى إدريس الروخ، تمثل هذه التجربة انتقالاً إلى فضاء درامي جديد، يستدعي الاشتغال على اللغة والبيئة التاريخية والتفاصيل الثقافية، بما يقتضيه ذلك من عناية بالصورة والفضاء والشخصيات. يفتح المسلسل أمام الدراما الأمازيغية إمكانات إضافية لاستثمار التاريخ المحلي في إنتاج أعمال تلفزيونية تجمع بين الخصوصية الثقافية والجاذبية الدرامية، وتمنح الذاكرة المغربية مساحة أوسع داخل المشهد السمعي البصري الوطني.
بين صراعات القبائل وقسوة الطبيعة وتقلب التحالفات، تتقدم «الحكيمة» بوصفها حكاية عن امرأة تحاول فهم عالم تحكمه المصالح وتتنازعه الأطماع، مستندة إلى قوة العقل ونفاذ البصيرة. يضع العمل المشاهد أمام سؤال يتجاوز زمن الحكاية ومكانها: ماذا تستطيع الحكمة أن تصنع في عالم يعتقد فيه الجميع أن القوة وحدها تملك مفاتيح المصير؟ فالتاريخ، في كثير من الأحيان، تحفظه المعارك في الذاكرة، غير أن فهمه يبدأ من الإنسان الذي يقف خلفها.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة