انتصار اليسار البرازيلي: كيف حقق لولا دا سيلفا الوحدة رغم الخلافات؟


هذا الخبر بعنوان "النصر اليساري البرازيلي: كيف يتوحد اليسار رغم اختلافاته؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم رزكار عقراوي في 27 أكتوبر 2026، الساعة 20:43
حقق اليساري لولا دا سيلفا فوزاً تاريخياً في الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي جرت في 25 أكتوبر 2026. جاء هذا الفوز في ظل استقطاب سياسي واجتماعي حاد وتصاعد نفوذ اليمين المتطرف في البرازيل وأمريكا اللاتينية، المدعوم من نظيره الأمريكي بقيادة دونالد ترامب. لا تكمن أهمية هذا الانتصار الانتخابي في حصول لولا على ولاية رابعة فقط، وإنما في التجربة السياسية والتنظيمية التي ساهمت في تحقيقه، وفي مقدمتها قدرة قوى يسارية وتقدمية متعددة، تختلف في برامجها وتوجهاتها الفكرية، على بناء تحالف انتخابي واسع على أساس قواسم مشتركة لمواجهة اليمين المتطرف. ومن المهم النظر إلى هذا الفوز في سياقه الأوسع، بما يشمل موازين القوى الاجتماعية والطبقية، وتراكم خبرات التنظيم والعمل النقابي والجماهيري، والظروف الاقتصادية والسياسية التي أثرت في خيارات الناخبين. فلا يمكن اختزال نتائج انتخابات بهذا الحجم في عامل واحد، مهما بلغت أهميته. وتبرز قيمة التحالف اليساري في قدرته على تحويل نقاط الالتقاء بين قواه المختلفة إلى قوة مؤثرة وعمل سياسي مشترك وفاعل، مع استمرار الاختلافات والتناقضات الفكرية والسياسية بين مكوناته.
خاض لولا الانتخابات بدعم تحالف «البرازيل مستعدة للمزيد»، الذي ضم سبعة أحزاب يسارية وتقدمية، انتظمت في اتحادين حزبيين وحزبين مستقلين. وتألف اتحاد «برازيل الأمل» من حزب العمال البرازيلي (PT) الذي ينتمي إليه لولا، والحزب الشيوعي في البرازيل (PCdoB)، وحزب الخضر (PV). وجمع الاتحاد الثاني حزب الاشتراكية والحرية (PSOL)، الذي يحتضن تيارات من اليسار الاشتراكي والراديكالي، وحزب شبكة الاستدامة (Rede). أما الحزبان المستقلان فهما الحزب الاشتراكي البرازيلي (PSB) وحزب العمل الديمقراطي (PDT). وحظي التحالف أيضا بدعم نقابات عمالية واتحادات مهنية وحركات اجتماعية مختلفة، مما عزز قاعدته الجماهيرية والاجتماعية. وكان جيرالدو ألكمين، من الحزب الاشتراكي البرازيلي، مرشح لولا لمنصب نائب الرئيس. وتبرز أهمية هذا التحالف في جمعه هذه القوى، رغم اختلافاتها حول الرأسمالية ودور الدولة وحدود الإصلاح الاجتماعي. وقد اتفقت هذه القوى على أهداف انتخابية مشتركة مع الحفاظ على هوياتها واستقلاليتها التنظيمية. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة البرازيلية: وحدة اليسار لا تعني وحدته الفكرية أو التنظيمية، وإنما قدرته على العمل المشترك حول نقاط الالتقاء، مع احترام التعددية والاختلاف. ومن الطبيعي أن تستمر الاختلافات حول سياسات لولا الاقتصادية والاجتماعية، حتى بين القوى التي دعمته انتخابيا.
تطرح التجربة البرازيلية سؤالا مهما أمام القوى اليسارية في العالم: لماذا تتحول الاختلافات الفكرية والتنظيمية إلى حواجز تمنع التعاون، رغم نقاط الالتقاء الكثيرة، حتى عندما تواجه هذه القوى تحديات سياسية وطبقية مشتركة؟ وقد طرحت هذا النموذج للتعاون بين القوى اليسارية المختلفة في عدد من مقالاتي السابقة، انطلاقا من أن التعددية بين الشيوعيين والماركسيين بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية، والاشتراكيين الديمقراطيين، والقوى اليسارية الأخرى، والتيارات البيئية والنسوية واليسارية المستقلة، يمكن أن تكون مصدر قوة وغنى فكري وسياسي، إذا أديرت ديمقراطيا وبشكل بناء، بعيدا عن الاحتكار والإقصاء وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. ولا تعني الوحدة التخلي عن النقد أو القبول غير المشروط بسياسات الحكومات التي تقودها تحالفات يسارية وتقدمية، كما ينبغي أن تضمن حق الأحزاب والقوى المتحالفة في النقد المتبادل والبناء لمواقف وسياسات بعضها بعضا، في إطار احترام الاختلاف والحوار الديمقراطي والحفاظ على العمل المشترك. وتحتاج هذه الوحدة إلى ثقافة سياسية مختلفة، تتعامل مع النقد باعتباره وسيلة للتطوير والمساءلة، وتحترم استقلالية الأحزاب والحركات والشخصيات المشاركة. كما ينبغي ألا تتحول التحالفات الانتخابية إلى بديل عن العمل اليومي بين الجماهير، أو إلى مبرر لتأجيل المطالب الاجتماعية والاقتصادية بحجة الحفاظ على وحدة الصف. فالتعاون الأكثر استدامة هو الذي يستند إلى ثقة متبادلة تنمو بالممارسة والإنجازات الملموسة.
أظهر الفوز أهمية الربط بين الدفاع عن الديمقراطية والحقوق والحريات، وبين المطالب الاقتصادية والاجتماعية للطبقات العاملة والفئات الفقيرة والمهمشة. فقد استند لولا إلى دعم واسع بين الفئات محدودة الدخل، وطرح توسيع المساعدات الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية والدفاع عن المؤسسات الديمقراطية. لكن فوز لولا بالرئاسة لا يعني تراجع اليمين أو انتهاء خطره، فقد حققت قوى اليمين واليمين المتطرف نتائج مهمة في الانتخابات البرلمانية وعلى مستوى الولايات البرازيلية، مما يؤكد استمرار نفوذها السياسي والاجتماعي، وقدرتها على التأثير في التشريعات والسياسات العامة وعرقلة بعض الإصلاحات. ولذلك فإن مواجهة اليمين المتطرف تتطلب عملا سياسيا وجماهيريا متواصلا يتجاوز الفوز في الانتخابات الرئاسية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل سعي اليمين المتطرف إلى استثمار الغضب الاجتماعي وتوجيهه ضد المهاجرين والأقليات والفئات المهمشة، بدلا من مساءلة السياسات الاقتصادية التي تعمق التفاوت الطبقي. ويحتاج اليسار في المقابل إلى خطاب واضح وبرامج واقعية قابلة للتنفيذ، تربط الدفاع عن الحقوق الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، وتفتح المجال أمام مشاركة الجماهير في تحديد الأولويات ومراقبة تنفيذها. لذلك فإن مواجهة الرأسمالية واليمين المتطرف لا يمكن أن تقتصر على الانتخابات والتحالفات الحزبية، وإنما تحتاج إلى تنظيمات جماهيرية فاعلة ومستمرة في أماكن العمل والأحياء والجامعات والنقابات والحركات الاجتماعية، وإلى سياسات تواجه اللامساواة الطبقية وتحسن حياة الأغلبية، بحيث لا تنحصر المشاركة الجماهيرية في صناديق الاقتراع.
كشفت الانتخابات البرازيلية عن الأهمية المتزايدة للفضاء الرقمي في الصراع السياسي، حيث أصبحت منصات التواصل والخوارزميات والذكاء الاصطناعي أدوات مؤثرة بيد الرأسمالية في تشكيل الوعي العام وتوجيه النقاشات السياسية والتأثير فيها. وشهدت الحملة اتهامات مدعومة بشكاوى وأدلة قدمها أنصار لولا بشأن انحياز رقمي من شركة ميتا، المالكة لفيسبوك وإنستغرام وغيرها، لصالح منافسه، كما أقرت الشركة بوجود «مشاكل تقنية». ووصل الخلاف إلى القضاء الانتخابي، الذي أصدر قرارا يلزم ميتا بتطبيق معايير متساوية على المرشحين. ولا تقتصر هذه الإشكالية على البرازيل. ففي الانتخابات الرئاسية الكولومبية الأخيرة عام 2026، كشفت تحقيقات صحفية عن حسابات منسقة ومقاطع مزيفة بالذكاء الاصطناعي استهدفت المعسكر اليساري، وعن قصور كبير في رقابة المنصات على الإعلانات والمحتوى السياسي صب في مصلحة اليمين. وفي ألمانيا، أعلن إيلون ماسك، مالك منصة إكس، دعمه العلني لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف خلال انتخابات 2025، واستخدم منصته للترويج لمواقفه واستضافة قيادته، مع انحياز واضح في انتشار محتوى الحزب على المنصة، وفق دراسات عدة. وتكمن الخطورة في أن إثبات الانحياز الخوارزمي المتعمد ليس أمرا سهلا، في ظل خوارزميات مغلقة تحتكر الشركات الرأسمالية معرفة آليات عملها ومعايير ترتيب المحتوى وتوسيع انتشاره أو تقييده. ولذلك يصعب تحديد الانحياز الناتج عن تصميم الخوارزميات أو التدخلات المتعمدة، دون شفافية ورقابة مجتمعية وقانونية مستقلة، وإمكانية الوصول إلى البيانات اللازمة للتحقيق. ومن السهل على الشركات تبرير ذلك بوجود «خلل تقني»! وقد أبرزت التجربة البرازيلية أهمية الجمع بين ثلاثة ميادين مترابطة: النضال الجماهيري على الأرض، والنضال القانوني لمساءلة المنصات الرقمية وتقنين عملها، والنضال الرقمي المنظم. فقد ترافقت التعبئة الجماهيرية في الشوارع مع التحركات القضائية ضد ميتا، وتطوير حملة رقمية واسعة استخدمت وسائل التواصل بفاعلية للوصول إلى ملايين الناخبين. وهي تجربة توضح أن نضال اليسار الرقمي لا يحل محل النضال الجماهيري، وإنما يمكن أن يعززه ويتكامل معه. وهنا تبرز أهمية الاستقلالية الرقمية باعتبارها الركيزة الخامسة لاستقلالية اليسار، إلى جانب الاستقلالية الفكرية والتنظيمية والمالية والإعلامية. فلم يعد ممكنا الحديث عن استقلالية سياسية حقيقية دون امتلاك قدر مناسب من الاستقلالية في الأدوات والمنصات والبنية التحتية الرقمية، وحماية البيانات، والقدرة على التواصل الجماهيري والتنظيم بعيدا عن التحكم الاحتكاري للشركات الرأسمالية والدول الكبرى. إن الاستقلالية الرقمية لا تعني الانعزال عن المنصات الرقمية، وإنما استخدامها الآن بوعي تقدمي نقدي، مع العمل من أجل تطوير بدائل رقمية مفتوحة المصدر وديمقراطية الإدارة، وبناء وتعزيز القدرات التقنية اليسارية المستقلة. فاليسار الذي لا يطور استقلاليته الرقمية وأدواته التكنولوجية سيبقى تحت رحمة أعدائه الطبقيين في أحد أهم ميادين الصراع السياسي والاجتماعي المعاصر.
لا يمكن استنساخ التجربة البرازيلية ميكانيكيا، فلكل مجتمع ظروفه وتوازناته الطبقية والسياسية. لكن يمكن الاستفادة من منهجها في بناء التحالفات والعمل المشترك. إن وحدة اليسار المطلوبة ليست حزبا واحدا أو قيادة مركزية تفرض رؤيتها على الجميع، وإنما تعاون ديمقراطي مرن بين قوى متعددة، يقوم على برامج مشتركة واحترام الاستقلالية والتعددية والمشاركة الفعلية للقواعد الجماهيرية والشباب والنساء. ويمكن تطوير هذا التعاون محليا وإقليميا وعالميا، من خلال جبهات وتحالفات يسارية مختلفة على أرض الواقع، وكذلك شبكات وأمميات يسارية رقمية، تساهم في تبادل الخبرات وتنسيق المبادرات والنضالات المشتركة والعمل من أجل بدائل رقمية تقدمية. إن فوز لولا يقدم تجربة تستحق الدراسة والاستفادة منها، ويؤكد إمكانية تعاون قوى اليسار رغم اختلافاتها، مع مراعاة العوامل الأخرى التي أسهمت في الفوز. فاليسار في بلداننا لا يحتاج إلى إلغاء تعدديته لكي يتوحد، وإنما إلى تحويلها إلى قوة سياسية واجتماعية منظمة وفاعلة، مع تعزيز استقلاليته بركائزها الخمس، في مواجهة السلطات والقوى الرأسمالية المهيمنة، ومختلف أشكال الاستبداد والفساد والتعصب القومي والديني، ومن أجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وتطوير بدائل اشتراكية ديمقراطية وإنسانية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة