المغرب
سياسة

مظاهرات باريس: هل تشتعل الرأسمالية الأوروبية بنيران الأزمة الاجتماعية؟

العمق المغربي27 أكتوبر 2026 في 22:040 مشاهدة
مظاهرات باريس: هل تشتعل الرأسمالية الأوروبية بنيران الأزمة الاجتماعية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مظاهرات باريس ، أو حريق الرأسمالية بأوروبا" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في لحظاتٍ تختزل صورةٌ صغيرة أسئلة عالمٍ بأكمله، رأيتُ مشاهدَ من مظاهرات باريس على يوتيوب: رجال أمنٍ مدججين بمعدات مكافحة الشغب، وشبابٌ يتحدونهم، وغازٌ مسيلٌ للدموع يبدد ملامح الشارع، ودخانٌ كثيفٌ يتصاعد في سماء المدينة. مشهدٌ اعتدنا رؤيته في نشرات الأخبار الأوروبية، لكنني شعرتُ فجأةً بأنني أعرف المكان، وأنه بورت دو فانسن، محطة المترو وسكة الترام. وعلى مسافة خطواتٍ منهما، محلّ ذلك الشاب ذي الأصول الإفريقية الذي كنتُ أشتري منه الدجاج يومياً. أمام شاشة الهاتف، اختلطت صور المواجهات بذكرياتي عن الحي الذي مشيتُ في شوارعه، والأماكن التي اعتدتُ التنزه فيها، والمقاهي التي كتبتُ فيها بعضاً من أجود مقالاتي، ووجوهُ أشخاصٍ جمعتني بهم أيامُ الألفة والود.

آخر زيارةٍ لي إلى هذا الحي كانت قبل شهرين، حيث قضيتُ فيه أسبوعاً كاملاً. لي فيه أصدقاء، قليلون منهم مغاربة، وأكثرهم فرنسيون أو أوروبيون. هناك كورنيليا النمساوية وزوجها الأستاذ الجامعي المتخصص في العلاقات الدولية، الذي جاء إلى فرنسا هارباً من تشيلي بعد الانقلاب الشهير. ورجلٌ مهيبٌ ذو لحيةٍ بيضاء، ثملٌ على الدوام، وثقيلُ السمع، لكنّ إجاباته تحمل فائدةً علمية رغم خروجها عن السياق. وهناك ميكاييل، الدنماركي الفارع الطول، عازف السكسفون، وزوجته الفرنسية، ابنة كورنيليا، وابنها الجزائري. في هذه الدائرة الصغيرة، تلتقي النمسا وتشيلي والدنمارك وفرنسا والجزائر، وربما المغرب أيضاً حين أكون بينهم. تتجاور اللغات والذكريات والتجارب والسرديات، دون أن يضطر أحدٌ إلى اختصار نفسه في جنسيته وحدها. أتذكر طبق الكسكس الذي دعتني إليه ذات أحدٍ صديقة مغربية فرنسية في منزلهم، حيث تحلقنا حول الطعام مبتهجين ببعضنا، وتداخلت أحاديثنا بين الحكايات الشخصية وأخبار العالم. تحدثتُ عن المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، وعن مراكش وفاس والرباط، وعن المغرب الصاعد.

في مثل تلك اللحظات، لا تبدو فرنسا بلداً أجنبياً بالمعنى الكامل للكلمة؛ إنها بيتٌ يضم أشخاصاً مختلفين لكن متآلفين. لهذا السبب، حين رأيتُ الدخان يتصاعد في شوارع باريس، عجزتُ عن الحياد. فالأمكنة تسكننا، ولا تظل مجرد نقاطٍ على الخرائط بعد أن نترك فيها شيئاً من حياتنا. تساءلتُ عن المسافة بين فرنسا التي يتصورها البعض من بعيد، وفرنسا التي نكتشفها حين نعيش بين أهلها. فرنسا ليست صورتها في الإعلام كدولةٍ عظمى، والفرنسيون لا تختزلهم مكانة دولتهم في الركح الدولي. حين ننظر إلى فرنسا من الخارج، نرى بلداً غنياً، ومؤسساتٍ عريقة، وشوارع منظمة، ومتاجر فاخرة. لكن حين نعاشر الفرنسيين، نكتشف وجهاً آخر للحياة؛ هناك من يقلق بشأن قدرته الشرائية، ومن ينتظر أشهراً للحصول على موعدٍ عند الطبيب، ومن يحسب كلفة الكهرباء، ومن يتوجس من مستقبل أبنائه.

لا يعني ذلك أن الفرنسيين يعيشون جميعاً الظروف نفسها، لكنه يكشف حقيقةً تستحق التأمل: قد تكون الدولة غنية ومتقدمة، فيما يشعر بعض مواطنيها بأن حياتهم تضيق. فالإنسان لا يعيش بالناتج الداخلي الإجمالي، ولا ينام فوق مؤشرات النمو الاقتصادي. إنه يعيش في منزلٍ له كلفة، ويشتري الطعام بأسعارٍ تتغير، ويحتاج إلى الطبيب، ويسعى كي يتعلم أبناؤه جيدا، وأن يجد عملاً يحفظ كرامته، وأن يشعر بأن سنوات العمل تقوده إلى مستقبلٍ وتقاعدٍ يمكن الاطمئنان إليهما. وحين تتسع المسافة بين الوعود الاجتماعية التي يطلقها السياسيون، والمكابدة اليومية التي تختبرها الجماهير، يبدأ التذمر. وحين يقترن هذا التذمر بالشعور بأن الأبواب موصدة، يمكن أن يتحول إلى إحباط، ومن ثم إلى احتجاج، فإلى غضب ودمار.

هل يكفي غلاء المعيشة وحده لفهم ما يحدث في المجتمعات الحديثة؟ أعتقد أن المسألة أوسع من ذلك. لقد بنت الرأسمالية الحديثة جانباً كبيراً من نجاحها على الإنتاج والنمو والتنافس وتوسيع الاستهلاك. وأسهمت هذه المنظومة في تطوير التكنولوجيا وتحسين مستويات المعيشة. غير أن السؤال عن حدودها يبدأ حين تتوحش، وحين يتحول النجاح الاقتصادي الذي تبشر به من وسيلة لتحسين الحياة إلى غاية تُقاس بها قيمة الحياة نفسها. فنحن نعيش في عالمٍ لا يكتفي ببيع الأشياء، بل يقنعنا بأنها هي التي تمنحنا مكانتنا. تتحول الأشياء إلى إشارات اجتماعية، ورسائل تقول للآخرين من نكون. تكشف لنا الماركات الفاخرة، التي يحطمها المتظاهرون بغضب دفين، هذا التناقض بوضوح. فقد يعادل ثمن منتج واحد أجور أشهر من العمل لدى شخص آخر. لا تكمن المشكلة في وجود السلع الغالية، بل في ثقافةٍ تجعل الاستهلاك معياراً للنجاح، وتربط السعادة بالصورة التي نحتلها في عيون الآخرين. هنا تصبح الرأسمالية أكثر من نظامٍ اقتصادي؛ إنها ثقافةٌ يومية كاسحة تتسلل إلى الرغبات والمقارنات، بل تصوغ تصوراتنا حتى عن ذواتنا. ليجد الإنسان نفسه يركض لاهثاً وراء مستوى مفرط من الاستهلاك ليس لأنه يحتاج إليه بالضرورة، بل لأنه يخشى أن يبدو أقل من الآخرين. والمفارقة أن وفرة الأشياء لا تعني بالضرورة وفرة المعنى. قد يمتلك المرء الكثير، لكنه يظل قلقاً.

ربما كان هذا أحد أوجه الأزمة التي تواجه المجتمعات الغربية، وإن لم تكن حكراً عليها. إنها أزمة لا تختصر في الخوف من الفقر، بل تتصل أيضاً بالقلق من التراجع، والخشية من فقدان المكانة، والشعور بأن الإنسان أصبح مطالباً بالعمل والاستهلاك والمنافسة بلا انقطاع، من دون أن يجد دائماً وقتاً أو سبباً كافياً للطمانينة. إنه الإنسان الذي أعلنوا له موت الإله، بحسب العبارة النيتشوية، ثم وجد نفسه في عالمٍ يوشك أن يختزل وجوده في وظيفته وقدرته الشرائية وما يملكه من أشياء. ومع ذلك، لا أريد أن أجعل الرأسمالية الكاسحة تفسيراً وحيداً لكل غضب اجتماعي، أو أن أختزل فرنسا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي في صورة بلدانٍ فقدت المعنى والبوصلة. فالمجتمعات أكثر تعقيداً من ذلك، وفرنسا تمتلك مؤسساتٍ اجتماعية وثقافية وسياسية لا يجوز تجاهلها. لكن من المشروع أن نسأل إن كان النمو الاقتصادي والصناعي، بصيغتهما الحالية، كافيين وحدهما لبناء مجتمعٍ يشعر أفراده بالعدالة والأمان.

ثم إن فرنسا لا تعيش داخل حدودها فقط. إنها جزء من أوروبا التي وجدت نفسها، بعد الحرب الروسية الأوكرانية، أمام أسئلةٍ صعبة عن الطاقة والأمن والاعتماد الاقتصادي. فقد أعادت الحرب التذكير بأن الاستقرار الذي يبدو مضموناً في الداخل يمكن أن يتأثر بأحداثٍ تقع على بعد آلاف الكيلومترات. فالغاز والنفط ليسا مجرد أرقامٍ في الأسواق؛ إنهما جزء من كلفة التدفئة والنقل والإنتاج. وفي عالمٍ تتغير فيه موازين القوة، تواجه فرنسا وأوروبا سؤالاً استراتيجياً صعباً: كيف تحافظان على تأثيرهما في نظامٍ دولي تصعد فيه قوى اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية جديدة إلى قمرة قيادة العالم؟ قد يكون وصف فرنسا بأنها أصبحت دولةً وسطى، ولذلك تندلع فيها المظاهرات العنيفة مثل أي دولةٍ أفريقية أو من العالم الثالث، حكماً يحتاج إلى تدقيق، لكن المؤكد أن المكانة التاريخية لا تمنح أي دولةٍ حصانةً دائمة من التحولات. فالقوة ليست ميراثاً محفوظاً إلى الأبد، بل قدرةٌ تتداول بين الأمم، تتطلب اقتصاداً متماسكاً، ومجتمعاً متوازناً، ومؤسساتٍ قادرة على التكيف، ورؤيةً واضحة لموقع الدولة في العالم.

ومع ذلك، أعود دائماً من هذه الأسئلة الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة. إلى محطة المترو في بورت دو فانسن، وسكة الترام، ومحل الدجاج. إلى كورنيليا وزوجها، وميكاييل وسكسوفونه، ومائدة الكسكس التي جمعت أصدقاء من أصولٍ مختلفة حول طعامٍ يعرفه المغاربة جيداً. هذه التفاصيل ليست هامشاً في فهم المجتمع؛ إنها الحياة نفسها. فالناس لا يعيشون داخل النظريات الاقتصادية، بل داخل بيوتهم وشوارعهم وعلاقاتهم. ولا يقيسون العدالة دائماً بلغة المؤشرات، بل يسألون إن كان بإمكانهم دفع الإيجار، وإن كان أبناؤهم سيجدون فرصاً أفضل، وإن كان الغد سيحمل شيئاً من الطمأنينة. وربما كان علينا، ونحن نتأمل الاحتجاجات، ألا نسأل فقط عن عدد المتظاهرين وحجم المواجهات، بل عما إذا كانت المؤسسات قادرة على الإصغاء إلى ما وراء الغضب، وتحويل المطالب إلى حلول، وحماية حق الاحتجاج من دون التفريط في أمن الناس.

تتجاذب فرنسا الآن رؤيتان للأزمة الخانقة: إحداهما ترى أن الخلل يكمن في تراجع سلطة الدولة واحترام القانون والانضباط، والأخرى ترده إلى أزمةٍ اجتماعيةٍ أعمق، عنوانها تهميش الشباب، وتراجع الخدمات العامة، واتساع الفوارق، وتآكل الثقة بالمؤسسات. وأنا أميل إلى الرأي الثاني. المشكلة هنا أن الخلاف ليس على العلاج فحسب، بل على تشخيص المرض: أهو أزمة سلطة أم أزمة عدالة؟ فتشددٌ يتجاهل جذور الاحتقان قد يفاقم الإقصاء، وسياساتٌ اجتماعية لا تصون القانون والنظام قد تعجز عن استعادة الثقة. وبين الاستقطاب والشلل وتضارب السياسات، يبقى التحدي في إعادة بناء العقد الاجتماعي الفرنسي، بما يوازن بين هيبة الدولة وإنصاف المجتمع، ويجعل السلطة ضمانةً للعدالة لا بديلاً عنها، والعدالة أساساً للاستقرار لا نقيضاً للنظام.

أما تسمية ما يحدث بـ«الربيع الفرنسي»، كما يسارع البعض إلى ذلك، فأستخدمها بحذر، باعتبارها استعارةً تفتح باب السؤال، لا حكماً بأن فرنسا تدخل بالضرورة مرحلةً تاريخية تشبه تجارب أخرى. فليس كل احتجاجٍ ربيعاً، وليس كل غضبٍ بداية تغيير ناجح. قد تنتهي المظاهرات من دون أن تنتهي أسبابها، وقد تتغير السياسات بينما تظل الأسئلة الاجتماعية قائمة. لكن ثمة شيءٌ يستحق الانتباه: حين تصبح الشوارع التي نعرفها مسرحاً للمواجهة، نرى مدينتنا المألوفة بعينٍ جديدة. ونكتشف أن المكان الذي احتضن لحظاتٍ عادية من حياتنا يحمل أيضاً تناقضات المجتمع الذي يعيش فيه. اليوم، وأنا أشاهد بورت دو فانسن على الشاشة، لم أشعر بأنني أمام فرنسا البعيدة التي أعرفها من الكتب والأخبار، بل أمام مكانٍ عشت فيه، ولو أياماً قليلة، وأن ما يجري فيه يمس أسئلةً تتجاوز حدوده. لم أعد أرى الدخان وحده، بل رأيت المسافة بين الواجهة والحياة، وبين الثروة والطمأنينة، وبين الأشياء التي نملكها والمعاني التي نفتش عنها.

وربما كان هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً: هل تستطيع المجتمعات الحديثة أن تمنح الإنسان أكثر من القدرة على الاستهلاك؟ هل تستطيع أن توفر له، إلى جانب العمل والدخل والخدمات، إحساساً بالانتماء والكرامة والغاية؟ لا أعرف إن كان ما نشهده بداية ربيعٍ فرنسي أم موجة احتجاجٍ أخرى في تاريخ فرنسا الطويل. لكنني أعرف أن وراء كل شارعٍ مضطرب حياةٌ يومية، ووراء كل حياةٍ أسئلةٌ لا تظهر كلها في الصور. وأحياناً، تكفي وجبة عشاءٍ بسيطة في حيٍ بعيد، أو مائدة كسكسٍ تجمع أصدقاء من بلدانٍ مختلفة، كي نتذكر أن الغاية من الاقتصاد والسياسة والتقدم ليست أن نمتلك المزيد فحسب، بل أن نجد طريقةً أفضل للعيش معاً.

شارك الخبر: