المغرب
اقتصاد

كارل ماركس: لماذا لا يزال فكره يتردد صداه في عصرنا الرقمي؟

هسبريس27 أكتوبر 2026 في 23:080 مشاهدة
كارل ماركس: لماذا لا يزال فكره يتردد صداه في عصرنا الرقمي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كَارْل مَارْكس" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ أشهر، وجدت نفسي أعود إلى كتابات كارل ماركس، ليس لسبب محدد أو خطة مسبقة، بل كأنني أستكشف مفكراً تجاوز زمنه ليظل حاضراً في أزمنتنا. ما بدأ بدافع الفضول سرعان ما تحول إلى مواجهة مع أسئلة جوهرية لم تفقد حدتها: كيف يتضاعف الثراء وتتزايد معه المخاوف؟ لماذا تمنحنا التكنولوجيا قدرة إنتاجية هائلة، ثم تسلبنا في المقابل وقتنا وطمأنينتنا؟ كيف يبني الإنسان المؤسسات والأسواق والآلات، ليجد نفسه عاجزاً أمامها كأنها قوى خارجة عن إرادته؟

ربما لم ينتهِ عصر ماركس بعد. قد لا نزال بحاجة إليه، ليس لأن التاريخ ينتظر تحقيق نبوءة قديمة، بل لأن التناقضات التي أشعلت فكره لا تزال قائمة، بل ازدادت تعقيداً واتخذت أشكالاً جديدة. نعيش في زمن ينتج ثروة غير مسبوقة، لكنه يوزع القلق والهشاشة على نطاق واسع. تتقدم التكنولوجيا لتختصر الجهد، لكن ساعات العمل تمتد لتشمل الهاتف والمنزل. تتضاعف قدرتنا على تشكيل العالم، بينما يتراجع شعورنا بالقدرة على التحكم فيه.

لذلك، لا نحتاج إلى الماركسية كعقيدة جامدة، بل إلى ماركس الذي يزعج المسلمات، ويفكك ما يبدو طبيعياً، ويكشف العلاقات الإنسانية الخفية وراء الأسعار والأرقام والمؤسسات. نحتاجه كأداة للنقد، لا كبديل عن التفكير؛ كبداية للسؤال، لا كنهايته.

هل انتهى ماركس حقاً، أم أننا بدأنا نفهمه الآن؟ لم يرَ ماركس الرأسمالية مجرد سيطرة للأغنياء الجشعين على الفقراء الضعفاء. بل اعتبرها نظاماً من العلاقات يفرض منطقه حتى على المستفيدين منه. فصاحب رأس المال نفسه مُطالب بالتوسع، وخفض التكاليف، وتسريع الإنتاج، وملاحقة الربح، وإلا واجه الإقصاء من السوق بفعل المنافسة. هنا تكمن راهنية ماركس: إنه ينقل السؤال من أخلاقيات الأفراد إلى منطق النظام. لا يسأل فقط: من يملك؟ بل يسأل: من يقرر ما يُنتج، ولأي غاية، وبأي ثمن إنساني وبيئي؟ ولماذا يصبح النمو ضرورياً دائماً حتى لو لم يضف معنى أو أماناً للحياة؟ وأخيراً، لماذا تبدو قرارات السوق كأنها أحكام محايدة، مع أنها نتاج قوانين وملكيات وموازين قوى؟

الرأسمالية المعاصرة، رغم مرونتها وعولمتها مقارنة برأسمالية المصانع في القرن التاسع عشر، لا تزال تستند إلى المبدأ نفسه: تحويل المال إلى مال أكثر، والعمل والوقت والطبيعة والمعرفة إلى وسائل لهذه الحركة. تغيرت الآلات، لكن السؤال الماركسي بقي حياً: هل الاقتصاد في خدمة الحياة، أم أصبحت الحياة مادة خام للاقتصاد؟

لماذا يعود ماركس كلما اشتدت أزماتنا؟ سمّى ماركس هذه المفارقة بـ "الاغتراب": أن يضع الإنسان قوته في شيء يصنعه، ثم يعود هذا الشيء ليواجهه كقوة غريبة. ينتج العامل سلعة لا يملكها، ضمن نشاط لا يحدد غايته، وفي زمن لا يملكه. وكلما اتسع العالم الذي يساهم في بنائه، ضاق نصيبه من القرار فيه. لكن الاغتراب اليوم لا يقتصر على المصنع. فالموظف يختزل نفسه في مؤشرات أداء، والعامل الحر يطارد تقييماً قد تحدده الخوارزمية، والمستخدم يحول انتباهه وعلاقاته وميوله إلى بيانات قابلة للبيع. من هنا تنبع قوة مفهوم "صنمية السلعة". نرى السعر، ولا نرى العلاقات التي صنعته. نرى الهاتف، ولا نرى المناجم والمصانع وسلاسل النقل والمعرفة والعمل التي اجتمعت فيه. نرى خدمة رقمية مجانية، ولا نرى أن بياناتنا وانتباهنا وسلوكنا هي الثمن. لا تحكمنا الأشياء لأنها تملك إرادة، بل لأن العلاقات التي أودعناها فيها أصبحت غير مرئية. ومهمة النقد عند ماركس هي إعادة ما يبدو قوة طبيعية إلى أصله الاجتماعي: الإنسان هو من صنع هذه القواعد، ولذلك هو الوحيد القادر على تغييرها.

عندما يصبح الحاضر شرحاً لماركس، لا تقول الرأسمالية المعاصرة للفرد دائماً: "اخضع"؛ بل تقول له: "حقق ذاتك، استثمر في نفسك، اصنع علامتك التجارية، حول موهبتك إلى دخل، وعلاقاتك إلى شبكة، وراحتك إلى فرصة". تبدو الرسالة وعداً بالحرية، لكنها تحمل أمراً خفياً: تصرف كأنك مؤسسة صغيرة، وتحمل وحدك مخاطر المرض والبطالة والتقلب والفشل. هكذا يصبح الإنسان حارساً لإنتاجيته، ومحاسباً لوقته، وقاضياً على ضعفه. إذا انهار من الإرهاق، اتهم نفسه بسوء التنظيم. وإذا فقد عمله، ظن أنه لم يطور مهاراته بما يكفي. تتحول كل أزمة اجتماعية إلى شعور شخصي بالذنب.

لهذا، ما زلنا بحاجة إلى ماركس، ولكن ماركس القادر على رؤية أن السيطرة لا تكمن فقط في عقود العمل، بل أيضاً وراء اللغة التي نستخدمها لتعريف النجاح والفشل والحرية. فالتحرر لا يبدأ بتغيير الملكية وحدها؛ بل يبدأ بتحرير المخيلة من الفكرة التي تجعل الإنسان مشروعاً استثمارياً. عندما يصبح نقد ماركس وفاءً له، لا يعني ذلك التسليم بكل ما قاله. فقد حملت بعض نصوصه ثقة مفرطة في التقدم الصناعي، أو لغة توحي بمسار تاريخي واحد تنطلق منه أوروبا وتقيس به بقية العالم. كما أن تجارب القرن العشرين كشفت خطراً لا يمكن تجاهله: يمكن لنقد رأس المال أن يتحول إلى سلطة جديدة، ووعد التحرر أن يبرر الحزب الواحد والبيروقراطية والقمع. وعلى هذا الأساس، فإن المجتمع الذي يعد بتحرير أفراده اقتصادياً، ثم يسلبهم حرية التعبير والتنظيم والاختيار، إنما يعيد إنتاج الخضوع باسم الخلاص.

لذلك، يجب أن نقرأ ماركس أحياناً ضد عباراته وخياراته؛ لأن ماركس الذي لا يقبل النقد يصبح أيديولوجيا. وأعمق وفاء له هو أن نضعه أمام المحكمة نفسها التي وضع أمامها العالم. هل ما زلنا بحاجة إلى كارل ماركس؟ نعم، ما زلنا بحاجة إليه لأن عالمنا لا يزال يطلب منا أن نقبل ترتيبات تاريخية كما لو كانت قوانين طبيعية: أن العمل المأجور قدر، وأن النمو غاية، وأن السوق حكماً محايداً، وأن اللامساواة ثمناً للكفاءة، وأن البيانات ملك لمن يجمعها، وأن الإنسان مشروع اقتصادي لا يحق له التوقف. لذلك، نعم، ما زلنا بحاجة إلى ماركس؛ لا ليعطينا جواباً جاهزاً، بل ليمنع الإجابات الجاهزة من إغلاق العالم. نحتاج إلى حساسيته تجاه ما تخفيه الأشياء، وإلى جرأته في مساءلة الملكية والوقت، وإلى انحيازه للإنسان الذي يريد استعادة السيطرة على ما صنعته يداه. لا نحتاجه حارساً على باب أيديولوجيا قديمة، بل رفيقاً مزعجاً للفكر: يعود كلما سمّينا الخضوع حرية، وكلما جعلنا التقنية قدراً، وكلما نسينا أن الاقتصاد وسيلة لتنظيم الحياة. إن أعمق وفاء لماركس ليس تكرار كلماته، بل ممارسة شجاعته: أن نضع العالم أمام محكمة النقد، ثم نضع ماركس نفسه أمامها. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

شارك الخبر: