المغرب
ثقافة

قمة "لوميير": المغرب بين فرصة الريادة وتحديات بناء صناعة سينمائية متكاملة

هسبريس30 أكتوبر 2026 في 01:540 مشاهدة
قمة "لوميير": المغرب بين فرصة الريادة وتحديات بناء صناعة سينمائية متكاملة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المغرب وقمة "لوميير"" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في 7 سبتمبر 2026، اجتمع أكثر من مائتي مسؤول ومبدع ومنتج وموزع ومدير مؤسسة من نحو ستين بلداً في سان بول دو فانس بفرنسا، في مناسبة لم تكن مجرد احتفالية سينمائية دولية جديدة، بل كانت "قمة لوميير" التي سعت لتأسيس "تعددية جديدة للسينما والصورة المتحركة". ترأس القمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، في وقت تشهد فيه الصناعة السينمائية تحولات سريعة بفعل المنصات، والذكاء الاصطناعي، وتراجع القاعات، وتغير أنماط الاستهلاك، واحتكار اقتصاد الانتباه. وتتلخص فلسفة القمة في عبارة "الدفاع عن القيمة التي لا يمكن تعويضها للعمل والإبداع ومؤلفيه".

انخرط المغرب في هذا المسار كعضو مؤسس في "تحالف لوميير"، وشريك في مبادرة IRIS لدعم القاعات والتوزيع المستقل، وطرف في الشراكة العالمية للتربية على الصورة. يطرح هذا الانخراط سؤالاً حول قدرة المغرب على تحويل حضوره الدولي إلى سياسة صناعية وثقافية متكاملة، أم سيكتفي بتمثيل دولي مع بقاء بنيته الداخلية متفرقة بين دعم الإنتاج، وجذب التصوير الأجنبي، وضعف التوزيع، وقلة القاعات، وهشاشة الاقتصاد السينمائي.

من موقع للتصوير إلى صناعة سينمائية

نجح المغرب لعقود في تسويق نفسه كوجهة جذابة للتصوير الدولي. في عام 2025، استثمرت الإنتاجات الأجنبية حوالي 1.21 مليار درهم في المغرب، مقابل 596.5 مليون درهم للإنتاجات الوطنية، مع اكتمال 26 فيلماً مغربياً طويلاً. هذه الأرقام تعكس حيوية، لكنها تكشف أيضاً عن خلل في بنية القيمة. يعود جذب المغرب للإنتاج الأجنبي إلى تنوع فضاءاته، وخبرته التقنية، واستوديوهاته، بالإضافة إلى الأمن، والقرب من أوروبا، وتسهيلات التصوير، وآلية الاسترجاع المالي. ومع ذلك، فإن تنفيذ إنتاج أجنبي، رغم ما يخلقه من فرص عمل ونقل خبرة، لا يساوي امتلاك صناعة وطنية مكتملة. الفرق شاسع بين أن نكون موقع تصوير ممتازاً وأن نكون مركزاً يطور المشاريع، يمولها، ينتجها، يمتلك حقوقها، يسوقها، يوزعها، ويعيد استثمار أرباحها.

تكتسب "لوميير" معناها الحقيقي للمغرب هنا. فالشراكة الفرنسية الكورية التي رصدت مليار يورو بين 2027 و2031 لا تقدم صندوقاً جاهزاً للأفلام، بل تؤسس أدوات استثمار وتمويل ونمو للمقاولات، مرتكزة على ثلاثة مبادئ: أولوية الإبداع البشري، احترام حقوق المؤلف، والتنوع الثقافي. لذا، لا يكفي أن يسعى المغرب إلى حصة مالية، بل عليه بناء شركات تستطيع استعمال المال المنتج لا المال التعويضي، والانتقال من انتظار الدعم إلى هندسة المشروع واستقطاب الشركاء واسترجاع الاستثمار.

الإنتاج ليس تنفيذاً

تظهر مشكلات السينما المغربية حين يختلط مفهوم "الإنتاج" بمفهوم "التنفيذ". المنتج الحقيقي يبدأ المشروع من الفكرة، يطور الكتابة، يحدد الجمهور، يصمم التمويل، يبحث عن الشركاء، يبرم اتفاقات التوزيع المسبق، ويفاوض المنصات والقنوات، ويخطط للمهرجانات والأسواق، ويحمي الملكية الفكرية. أما المنتج المنفذ فيدير عملية التصوير لمشروع يملكه آخرون. يحتاج المغرب إلى المهارتين، لكنه لا يستطيع بناء قوة سينمائية إذا تفوق التنفيذ على الإنتاج.

يشير تقرير مؤسسة التمويل الدولية (IFC) حول الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب إلى أن القطاع يمثل قرابة 2.4% من الناتج الداخلي الخام، وحقق نحو 43 مليار درهم من المداخيل في 2023، وشغل أكثر من 116 ألف شخص. لكنه يعاني "محدودية الولوج إلى التمويل الملائم، وثغرات في حماية الملكية الفكرية واستثمارها، وضعف البنية اللازمة للوصول إلى السوق". حصلت الصناعات الثقافية والإبداعية على أقل من 0.5% من ائتمان المقاولات في 2021، ونحو 3% فقط من المقاولات الإبداعية وصلت إلى تمويل رسمي. يصبح التحدي المالي بنيوياً؛ فلا يمكن لصناعة أن تعتمد دائماً على لجنة دعم وتنافس شركات دولية تعمل برأس المال والائتمان وصناديق المخاطر. دعم الدولة يمكن أن يحمي التنوع ويشجع الأفلام الأولى، لكنه لا ينبغي أن يعوض غياب المنتج المستثمر.

القاعات: الحلقة التي تقرر مصير الفيلم

لا توجد صناعة سينمائية بلا سوق داخلية. في 2025، سجل المغرب حوالي 2.186 مليون تذكرة و129.8 مليون درهم من المداخيل، بوجود 87 شاشة نشطة فقط. استحوذت Megarama وPathé معاً على أكثر من 90% من مداخيل شباك التذاكر. تكشف هذه الأرقام ضيق السوق وتركيزه، حيث يبقى عدد السكان أكبر بكثير من قدرة شبكة العرض، ومدن وأقاليم واسعة خارج الدورة الطبيعية للفيلم. تأتي مبادرة IRIS في توقيت حاسم لدعم "القاعات المستقلة والموزعين والشبكات التي تضمن تداول الأعمال". إذا تعامل المغرب معها بجدية، يمكنه إعادة بناء شبكة عرض صغيرة ومتوسطة قريبة من الجامعات والمدن الصاعدة والمراكز الثقافية.

يبدأ اقتصاد الفيلم من المشاهد. إذا لم يجد الفيلم المغربي قاعة، ولا موزعاً، ولا حملة ترويج، ولا بيانات دقيقة عن الجمهور، يتحول الدعم إلى تمويل إنتاج لا إلى بناء صناعة. يجب أن يسبق سؤال "كم فيلماً ننتج؟" سؤال آخر: من سيشاهد، وأين، وبأي ثمن، ولماذا؟

التكوين: من تعليم الأدوات إلى تعليم القرار

لا يحتاج القطاع فقط إلى تقنيين، بل إلى كتاب سيناريو، مطوري مشاريع، مديري إنتاج، منتجين ماليين، وكلاء مبيعات، مسؤولي حقوق، ومتخصصين في البيانات والجمهور والتسويق والتوزيع. تزداد الحاجة مع الذكاء الاصطناعي الذي يغير مراحل التطوير وما قبل الإنتاج وما بعده، مما يتطلب مدراء فنيين بعمق تكوين في مفاهيم الإبداع والفكر والوعي المدني والفلسفي والجمالي. تعيد قمة "لوميير" الإنسان إلى مركز الصورة، مؤكدة ضرورة "ضمان المكانة المركزية للإنسان في مستقبل الصورة". يجب أن يخرج التكوين المغربي من وهم أن تحديث السينما يساوي شراء معدات أحدث وتكوين تقنيين دون عمق فكري وجمالي. تصنع التقنية الفرق حين تخدم رؤية وكتابة واقتصاد حكي ومعنى. أما حين تتحول إلى غاية، فإنها تنتج صوراً مصقولة بلا ضرورة فنية ولا عمق فكري ولا جدوى حضارية.

تعد مشاركة المغرب في الشراكة العالمية للتربية على الصورة مهمة، لأن المجتمع الذي لا يقرأ الصور يسهل تضليله بها. يصبح تعليم السينما جزءاً من التربية المدنية، لا مادة ترفيهية. السينما اقتصاد، ولكنها أيضاً ديمقراطية. تصنع السينما ذاكرة المجتمع، وتعرض تناقضاته، وتختبر اللغة التي يتحدث بها عن المرأة، والسلطة، والهجرة، والدين، والمدينة، والبادية، والشباب، والهوية. وكلما اتسعت حرية التعبير وتنوعت الأصوات، زادت قدرة الصورة على تعقيد الواقع بدل تبسيطه. تساهم السينما في تحديث المجتمع حين تدرب المتلقي على المقارنة والشك والسؤال، وتمنحه مسافة من الخطاب الجاهز. يرتبط تطوير السينما بالتنمية البشرية والوعي المدني والثقافة السياسية.

الترويج والتوزيع: الفيلم الذي لا يصل لا يكتمل

تحتاج الصناعة المغربية إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الإنتاج والترويج. تبني الصناعات الناضجة خطة الوصول إلى الجمهور منذ مرحلة التطوير. يحدد المنتج مبكراً موقع الفيلم، وجمهوره الممكن، وشركاءه، وأسواقه، واستراتيجية المهرجانات، ونوافذ الاستغلال. يجب أن يتحول الترويج من نفقة أخيرة إلى جزء من ميزانية المشروع.

تمنح "لوميير" المغرب فرصة للتعلم من شبكات تضم مؤسسات عامة ومنتجين وموزعين ومنصات وشركات تكنولوجيا. لكن الشبكة الدولية لا تعالج وحدها هشاشة التوزيع الداخلي. يحتاج المغرب إلى موزعين مستقلين أقوى، وبيانات فورية وشفافة عن شباك التذاكر، وسياسات تساعد الفيلم الوطني على الوصول إلى الجمهور. كما يحتاج إلى أسواق مهنية حقيقية تربط الكتاب والمنتجين والممولين والموزعين ووكلاء المبيعات.

الحوكمة والبيانات: لا صناعة بلا معرفة دقيقة بنفسها

يفرض الانضمام إلى "تحالف لوميير" تحدياً مؤسسياً. يقوم التحالف على تبادل الخبرات وتنسيق السياسات والمبادرات المشتركة. لن يستفيد المغرب كاملاً إذا دخل هذا الحوار ببيانات متأخرة أو مجزأة، أو إذا ظلت العلاقة بين الإنتاج والاستغلال والتكوين والتشغيل والحقوق غير مقاسة بما يكفي. تحتاج السياسة السينمائية إلى مؤشرات تتجاوز عدد الأفلام والتراخيص: نسبة استرداد الاستثمار، مدة حياة الفيلم، مداخيل كل نافذة عرض، صادرات الحقوق، عدد الوظائف المستدامة، حصة النساء والشباب، تمركز الشركات، التفاوت الجهوي، ونسبة الأموال التي تعود إلى دورة الإنتاج. عندها يمكن تقييم الدعم باعتباره استثماراً ثقافياً واقتصادياً.

المغرب بوابة إفريقية لا مجرد سوق صغيرة

يمنح البعد الإفريقي للمغرب فرصة إضافية. إذا نجح في تطوير أدوات الإنتاج المشترك والتكوين والتوزيع، يستطيع أن يربط أسواق غرب إفريقيا وشمالها بأوروبا وكوريا وشبكات "لوميير". هذه الوظيفة تحتاج إلى صناديق مشتركة، ومسارات تنقل للمهنيين، ومختبرات كتابة، واتفاقات توزيع، وترجمة ودبلجة، ومنصات حقوق، ومواعيد سوق منتظمة. عندها يتحول موقع المغرب من "جسر" بلاغي إلى وظيفة اقتصادية وثقافية فعلية.

فرصة أم عضوية شكلية؟

يملك المغرب أسباباً حقيقية للاستفادة من "لوميير": موقع جغرافي واستراتيجي قوي، تراكم مهني، حضور دولي، اتفاقات إنتاج مشترك، خبرة في استضافة المشاريع الكبرى، مواهب شابة، وسمعة متقدمة داخل إفريقيا والعالم العربي. كما يمنحه موقعه قدرة على العمل "ملتقى بين إفريقيا والعالم العربي والمتوسط وأوروبا". لكن الاستفادة لن تحدث تلقائياً. ستظل العضوية شكلية إذا لم يضع المغرب أهدافاً قابلة للقياس: زيادة عدد القاعات المستقلة، رفع حصة التمويل الخاص، إنشاء أدوات ضمان وائتمان للمقاولات السينمائية، تطوير صناديق استثمار مشتركة، تقوية الكتابة والتطوير، فرض شفافية أكبر في بيانات الدعم والمداخيل والتوزيع، حماية الحقوق، تشجيع التصدير، وإدماج التربية على الصورة في المدرسة والجامعة.

يجب تغيير معيار النجاح. لا يكفي القول إن فيلماً صور في ورززات أو إن نجماً عالمياً أقام في مراكش. يجب أن نسأل: ما الذي بقي بعد مغادرة الفريق؟ كم تقنية انتقلت؟ كم شركة مغربية ارتقت من التنفيذ إلى الشراكة؟ كم حقاً امتلكناه؟ كم منتجاً دخل السوق الدولية؟ كم فيلماً مغربياً وجد جمهوراً خارج الدعم والمهرجان؟ تضع "لوميير" المغرب أمام فرصة تاريخية، لكنها لا تعفيه من إصلاح بيته السينمائي. يستطيع أن يصبح بلداً يصنع الصورة ويملك جزءاً من اقتصادها ومعناها، أو يظل بلداً جميلاً تمر عبره الصور التي يملكها الآخرون. الفارق بين الاحتمالين لا تصنعه القمة، بل تصنعه السياسة التي ستبدأ بعد القمة.

شارك الخبر: