بنكيران: اعتذارات متكررة.. هل السياسة معركة أم سباق مع الأخطاء اللفظية؟


هذا الخبر بعنوان "موسم السقطات البنكيرانية وطيش التصريحات.. المعتذر العام باسم “اللامبة”!!" نشر أولاً على موقع كيفاش وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يبدو أن الأمين العام لحزب "اللمبة"، عبد الإله بنكيران، قد وجد لنفسه دوراً موازياً لدوره القيادي في الحزب، يتمثل في إطلاق تصريحات مثيرة للجدل، وتوجيه عبارات جارحة، قبل أن يعود لاحقاً لتقديم الاعتذارات كلما اتسعت دائرة الغضب. تتراكم الاعتذارات بين تصريح وآخر، مما يجعل الرجل يبدو وكأنه في سباق مع الزمن لتصحيح ما يقوله لسانه. ففي الوقت الذي يُفترض أن ينشغل فيه الأمين العام لحزب سياسي بتأطير مناضليه، وتقديم البدائل، ومناقشة قضايا المواطنين، يبدو أن جزءاً كبيراً من طاقته الخطابية يُصرف في قذف هذا وذاك، والدخول في سجالات شخصية، وتوزيع الأوصاف والاتهامات، قبل أن يعود لاحقاً لمحاولة احتواء تداعيات كلامه. وكأن السياسة عند بنكيران اختُزلت في معركة مفتوحة مع الأشخاص، لا في تنافس حول البرامج والأفكار والحلول.
آخر حلقات هذا المسلسل جاءت باعتذاره مجدداً للشعب الجزائري، بعدما أثار مزاحه خلال اجتماع حزبي بشأن أصول أحد البرلمانيين ردود فعل استدعت منه التوضيح والتأكيد أن الإساءة لم تكن مقصودة، مع التعبير عن اعتزازه بالعلاقات التاريخية والإنسانية التي تجمع الشعبين المغربي والجزائري. وهكذا، لم يعد لسان بنكيران يكتفي بإثارة الجدل داخل الحدود، بل باتت زلاته تعبر الحدود أيضاً، لتستدعي اعتذارات تتجاوز جمهور الحزب إلى شعوب بأكملها. وقبل الاعتذار للجزائريين، كان بنكيران قد اضطر إلى تقديم اعتذار لأهل وزان وساكنتها، بعدما ربط مدينتهم باحتضان مناظرة حول تقنين القنب الهندي، قبل أن يتبين أن اللقاء نظم في مدينة أخرى. معلومة غير دقيقة أخرى، وتصحيح آخر، وبلاغ اعتذار جديد، وكأن ذاكرة الأمين العام الجغرافية تحتاج بدورها إلى مراجعة قبل أن تتحول المدن المغربية إلى ضحايا تصريحات عابرة.
أما سجل الاعتذارات فلا يتوقف عند وزان والجزائر؛ فقد سبق لبنكيران أن اعتذر لسعد الدين العثماني، ولحكيم بنشماش، في مشهد يجعل المتابع يتساءل عما إذا كان الأمين العام لحزب العدالة والتنمية يدير حزباً سياسياً أم خلية دائمة لتدبير مخلفات التصريحات والانزلاقات اللفظية. والأكثر إثارة في هذه الحكاية أن الرجل، الذي لا يتردد في استعراض قدراته الخطابية أمام الكاميرات والميكروفونات، لا يبدو بالقدر نفسه من الحماس حين يتعلق الأمر بتقديم خطاب سياسي قائم على المواقف ومناقشة البدائل. ولعل المفارقة أن الرجل الذي شغل منصب رئيس الحكومة، ويقود اليوم حزباً سياسياً، يُفترض أن يكون أكثر إدراكاً لثقل الكلمة ومسؤولية الموقع، فالمنصب الحزبي ليس رخصة مفتوحة لإطلاق الأحكام على الناس، والمنبر السياسي ليس حلبة لتصفية الحسابات، كما أن القدرة على إثارة الضحك والتفاعل لا تعوض غياب النقاش الجاد حول القضايا التي ينتظر المواطنون من الأحزاب أن تنشغل بها.
وقديماً قال العرب: "من كثُرَ كلامُهُ كثُرَ لغطُهُ، ومن كثُرَ لغطُهُ كثُرَ غلطُهُ، ومن كثُرَ غلطُهُ قلّ ورعُهُ، ومن قلّ ورعُهُ قلّ دينُه". وهي حكمة تختصر، في سياق ما يتكرر من خرجات بنكيران، مفارقة الرجل الذي يمنح لسانه حرية واسعة في الكلام، ثم يضطر إلى استدعاء لغة الاعتذار لتدارك ما خلفه ذلك الكلام. وليس العيب أن يعتذر السياسي حين يخطئ، بل إن الاعتذار فضيلة حين يكون صادقاً ومصحوباً بالمسؤولية. لكن أن يصبح الاعتذار لازمة متكررة، وأن تتحول كل زلة إلى بلاغ، وكل إساءة إلى توضيح، وكل معلومة غير دقيقة إلى تصحيح، فذلك يطرح سؤالاً أكبر من مجرد الاعتذار: لماذا لا يُبذل بعض هذا المجهود في ضبط التصريحات قبل إطلاقها، وفي الاشتغال على القضايا السياسية والاجتماعية التي يُفترض أن الحزب موجود من أجلها؟ وفي انتظار الاعتذار المقبل، الذي يبدو أن قائمة المرشحين له لا تزال مفتوحة، يبقى السؤال: كم من الوقت والجهد الذي يُهدر في الكلام على الناس كان يمكن أن يُصرف في العمل السياسي؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة