عيد الوحدة: الصحراء المغربية كبوابة لإحياء الحلم المغاربي وبناء مستقبل أفريقي مشترك


هذا الخبر بعنوان "عيد الوحدة.. الصحراء المغربية بوابة لاستعادة الحلم المغاربي وبناء أفق إفريقي مشترك" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في 31 أكتوبر 2026، احتفى المغرب بعيد الوحدة، وهو تاريخ يحمل دلالات عميقة في مسار قضية الصحراء المغربية، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 وفي ظل تحولات دولية متسارعة. يأتي هذا الاحتفاء في وقت تستحضر فيه المملكة خمسين عاماً على المسيرة الخضراء وسبعين عاماً على الاستقلال، محطات شكلت ركائز أساسية في بناء الدولة المغربية وصون وحدتها الترابية.
تتجاوز هذه المبادرة الملكية مجرد تخليد ذكرى، لتفتح الباب أمام فهم أوسع لمعنى الوحدة وعلاقتها بتاريخ المغرب وموقعه الاستراتيجي في محيطه المغاربي والأفريقي. فالوحدة، في جوهرها، تتطلب رؤية وطنية تمتد لتشمل مستقبل منطقة طالما جمعت شعوبها روابط وجدانية وحضارية أعمق من الخلافات السياسية التي فرقت دولها.
لطالما ارتبط الشعب المغربي بوحدة حضارية وجدانية لم تستطع التحولات السياسية أن تمحوها. ومن المستحيل فهم تاريخ المغرب بمعزل عن امتداده المغاربي والأفريقي، أو قراءة قضيته الوطنية دون الأخذ في الاعتبار المجال الذي تشكلت فيه روابطه البشرية والتجارية والثقافية. لم يكن المغرب يوماً جزيرة معزولة، ولم يكن المغاربة شعباً متفرقاً في انتمائه الوطني، حتى مع وجود حدود وتجاذبات سياسية فرضت واقعاً من التباعد بين أجزاء من المغرب الكبير.
من هذا المنطلق، يمثل عيد الوحدة فرصة لإعادة طرح السؤال المغاربي، في وقت أحوج ما تكون فيه المنطقة إلى مراجعة تكلفة الانقسام واستعادة المصالح المشتركة التي تضيع مع استمرار القطيعة بين المغرب والجزائر. فالتاريخ المشترك، والجوار الجغرافي، والروابط الاجتماعية، كلها عوامل تجعل استمرار الوضع الراهن مصدر قلق حقيقي بشأن مستقبل المنطقة، خاصة في ظل التحولات الدولية التي تدفع الدول نحو بناء تكتلات قادرة على حماية مصالحها وتعزيز قدرتها التفاوضية.
لقد استنزفت الخلافات المغاربية فرصاً كبيرة للتعاون والتكامل، وأبقت شعوب المنطقة بعيدة عن إمكانات اقتصادية وتجارية وبشرية كان يمكن أن تشكل رافعة للتنمية والاستقرار. وفي الوقت الذي تتجه فيه مناطق عديدة من العالم إلى تجاوز الحدود التقليدية لبناء المصالح المشتركة، يظل الاتحاد المغاربي أسيراً لخلافات لم تنجح العقود الماضية في تجاوزها. إن الاحتفاء بالوحدة المغربية يقتضي، في هذا السياق، استحضار هذا الواقع، فقوة الدول تتعزز بقدرتها على بناء علاقات مستقرة مع محيطها، وشعوب المنطقة بحاجة إلى أفق يتيح لها التعاون والتنقل والتبادل، بعيداً عن منطق الصراع الدائم. لا يمكن للخلاف السياسي أن يستمر إلى ما لا نهاية، بينما تتقاسم المنطقة تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية تفرض البحث عن حلول مشتركة.
يظل المغرب، بما راكمه من مواقف ومبادرات، مدعواً إلى مواصلة الدفاع عن وحدته الترابية بثبات، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام حوار مغاربي جاد يقوم على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. إن التطلع إلى مغرب كبير متكامل لا ينتقص من مكانة القضية الوطنية، ولا يضعف التمسك بالحقوق المشروعة، بل يعكس الثقة في قدرة المغرب على الدفاع عن مصالحه وبناء علاقات تخدم شعوب المنطقة.
يمتد هذا الأفق إلى أفريقيا، التي تشكل عمقاً استراتيجياً للمغرب ومجالاً طبيعياً لتطوير علاقاته الاقتصادية والسياسية والإنسانية. فقد اختارت المملكة خلال السنوات الماضية تعزيز حضورها الأفريقي عبر شراكات متعددة، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن مستقبل القارة يرتبط بقدرتها على استثمار إمكاناتها، وتطوير بنياتها التحتية، وتعزيز التعاون بين دولها، وتجاوز العراقيل التي تحد من اندماج أسواقها واقتصاداتها. وفي هذا السياق، يمكن لعيد الوحدة أن يحمل رسالة أفريقية مفادها أن الاستقرار والوحدة والتكامل هي شروط أساسية لبناء المستقبل. فالقارة تواجه تحديات مرتبطة بالتنمية، والفوارق الاجتماعية، والأمن الغذائي، والتغيرات المناخية، وهي تحديات تتطلب تعاوناً فعلياً بين الدول ومشاريع مشتركة تجعل من الإمكانات المتاحة رصيداً للتقدم.
تفرض هذه الرؤية التفكير في موقع الأقاليم الجنوبية داخل هذا الامتداد الأفريقي، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وما تتيحه من إمكانات لربط المغرب بعمقه الصحراوي والساحلي وغرب أفريقيا. فترسيخ الوحدة الترابية يكتسب أبعاداً استراتيجية إضافية حين يقترن بالتنمية وفتح آفاق التعاون والتبادل، بما يجعل الأقاليم الجنوبية فضاءً للتواصل الاقتصادي والإنساني بين المغرب ومحيطه الأفريقي. ومن هذا المنطلق، فإن عيد الوحدة يستحق أن يتحول إلى مناسبة للتفكير في المرحلة المقبلة، وفي ما يمكن أن يتيحه تثبيت الوحدة الترابية من آفاق جديدة أمام المغرب. فالقضية الوطنية تظل في صلب الاهتمام، لكن الرؤية الاستراتيجية للمغرب تقتضي أيضاً استحضار محيطه المغاربي وعمقه الأفريقي، لأن الاستقرار الداخلي والتعاون الإقليمي عاملان متكاملان في بناء مكانة الدول وتعزيز قدرتها على مواجهة التحولات.
الشعب المغربي، الذي التف حول قضيته الوطنية وعبّر عبر محطات تاريخية عن تشبثه بوحدة أرضه، يملك أيضاً رصيداً تاريخياً وإنسانياً يجعله قادراً على استيعاب معنى الوحدة في أبعادها الأوسع. فالمغاربة تجمعهم روابط لا تمحوها الخلافات، والأفارقة يتقاسمون رهانات تنموية ومصالح استراتيجية تفرض عليهم تعزيز التعاون وبناء شراكات أكثر إنصافاً. ولهذا، فإن عيد الوحدة يمثل فرصة لتجديد الوعي بوحدة المغرب، واستحضار مسؤولية الحفاظ على مكتسباته، والتفكير في مستقبل مغاربي وأفريقي أكثر استقراراً وتكاملاً. وهي مناسبة للتأكيد على أن المغرب، وهو يواصل الدفاع عن وحدته الترابية، قادر على حمل رؤية تتطلع إلى محيط تتعاون فيه الدول بدل أن تستنزف طاقاتها في النزاعات، وتجد فيه الشعوب فرصاً أوسع للتنمية والعيش الكريم. ذلك هو الأفق الذي ينبغي أن يفتحه عيد الوحدة: مغرب موحد، ومغرب كبير يستعيد إمكانات التعاون بين شعوبه، وأفريقيا أكثر قدرة على بناء مستقبلها بإرادة أبنائها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة