قانون المالية 2027: أي قيم نريدها للمغاربة؟ سؤال يواجه وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع


هذا الخبر بعنوان "قانون المالية وسؤال القيم: أي قيم تريدونها للمغاربة؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: رضوان بوسنينة
التاريخ: 30 أكتوبر 2026
السيد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عند تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، فإنكم لا تعرضون مجرد جدول للموارد والنفقات أو توازنات محاسباتية ومؤشرات اقتصادية. بل تعرضون، بشكل مباشر أو غير مباشر، تصوراً للدولة التي نريد، وللمجتمع الذي نسعى إلى بنائه، وللقيم التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين المواطن والمؤسسات. إن قانون المالية ليس وثيقة تقنية محايدة عن المجتمع؛ إنه مرآة للاختيارات العمومية، وترجمة عملية لما تعتبره الدولة أولوية، ولما تمنحه من أهمية للإنسان وحقوقه وكرامته. ومن هنا يحق لنا أن نطرح سؤالاً يتجاوز لغة الأرقام: أي قيم تريدون ترسيخها لدى المغاربة من خلال قانون المالية؟
هل نريد مغرباً يقيس نجاحه بحجم الاستثمارات فقط، أم مغرباً يقيس نجاحه أيضاً بمدى قدرة المواطن على العيش الكريم؟ هل نريد اقتصاداً ينمو، ولكن دون أن يشعر جزء من المواطنين بثمار هذا النمو؟ أم نريد تنمية تجعل الإنسان غايتها ووسيلتها في الآن نفسه؟ إن الحديث عن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن يظل عنواناً سياسياً جذاباً، بل يجب أن يتحول إلى التزام مالي قابل للقياس، وإلى خدمات عمومية ذات جودة، وإلى حماية فعلية للفئات الهشة، وإلى عدالة في توزيع الثروة والفرص.
إن العدالة ليست مجرد مساواة شكلية أمام القانون، بل هي تمكين فعلي من الفرص والحقوق. فماذا يعني أن نتحدث عن العدالة الاجتماعية بينما لا يزال الولوج إلى التعليم الجيد والعلاج والسكن والشغل يتأثر بالمستوى الاجتماعي والمجال الجغرافي؟ وأي معنى للتنمية إذا ظلت بعض المناطق تنتظر نصيبها من الاستثمار والخدمات الأساسية؟ إننا نحتاج إلى ميزانية تجعل العدالة المجالية والاجتماعية معياراً لتوزيع الاعتمادات، لا مجرد شعار يرافق الخطاب الرسمي.
الكرامة ليست رقماً في تقرير اقتصادي، بل هي قدرة المواطن على تلبية حاجيات أسرته دون أن يتحول آخر الشهر إلى معركة مع تكاليف المعيشة. إن تحسين القدرة الشرائية لا ينبغي أن يقتصر على إجراءات ضريبية أو زيادات ظرفية، بل يجب أن يرتبط بسياسات مستدامة للأجور والتشغيل والسكن والنقل والصحة والتعليم. فما قيمة النمو الاقتصادي إذا لم ينعكس على الحياة اليومية للأسر؟ وما معنى ارتفاع المؤشرات إذا ظل المواطن يشعر بأن دخله لا يواكب متطلبات العيش؟
الدولة الاجتماعية لا تُختبر في لحظات الرخاء، بل في قدرتها على حماية الذين لا يملكون أدوات مواجهة الأزمات. المرأة المعيلة لأسرتها، والأرملة، والأشخاص في وضعية إعاقة، والطفل المحروم من الحماية، والمسن، والعاطل عن العمل، والأسر ذات الدخل المحدود؛ هؤلاء ليسوا مجرد فئات مستهدفة في برامج الدعم، بل هم مواطنون لهم حقوق وكرامة. وهنا يطرح السؤال: هل ننتقل من منطق الإحسان والتدخل المحدود إلى منطق الحقوق والحماية الاجتماعية المستدامة؟
لا يمكن الحديث عن مجتمع عادل دون مساءلة الميزانية من زاوية المساواة بين النساء والرجال. فهل تعكس الاعتمادات المرصودة التزاماً حقيقياً بتقليص الفوارق بين الجنسين؟ وهل تتوفر النساء على فرص متكافئة في التشغيل والاستقلال الاقتصادي والولوج إلى العدالة والحماية من العنف؟ إن الميزانية المستجيبة للنوع الاجتماعي ليست مجرد تقرير مرفق بقانون المالية، وإنما هي إرادة سياسية ومالية لإعادة توزيع الفرص والموارد بشكل منصف.
إن تدبير المال العام ليس مجرد مسؤولية تقنية، بل أمانة عمومية تقتضي الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فليس المهم فقط أن نعرف كم أنفقنا، بل أن نعرف ماذا حققنا بهذا الإنفاق، ومن استفاد منه، وما أثره على حياة المواطنين. إن المواطن لا يحتاج إلى معرفة حجم الاعتمادات فقط، بل يريد أن يعرف لماذا لم تتحول بعض الميزانيات إلى خدمات ملموسة، ولماذا تتكرر الاختلالات في بعض القطاعات، ومن يتحمل مسؤولية ضعف النتائج؟
إن الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى يكتسب أهميته عندما ينعكس على تنمية الإنسان، ويوفر فرص الشغل، ويحسن جودة الحياة. لكن لا يمكن بناء مجتمع قوي دون مدرسة عمومية منصفة، ومستشفى يحفظ كرامة المريض، وإدارة تحترم المرتفق، وشغل يوفر الاستقرار، وثقافة تفتح المجال أمام التفكير والإبداع. إن الدولة التي تستثمر في الإنسان إنما تستثمر في مستقبلها، وليس في مجرد مؤشرات ظرفية.
السيد الوزير، أسئلة تستحق جواباً سياسياً واجتماعياً
إننا لا نسائل وزارة الاقتصاد والمالية عن الأرقام وحدها، بل عن الفلسفة التي تحكم توزيع هذه الأرقام. ما موقع العدالة الاجتماعية في ترتيب الأولويات المالية للدولة؟ كيف يمكن ضمان أن تصل ثمار النمو إلى الفئات التي ظلت خارج دائرة الاستفادة؟ ما الضمانات التي تجعل الإنفاق الاجتماعي حقاً مستداماً وليس تدخلاً ظرفياً؟ كيف ستترجم الميزانية المساواة بين النساء والرجال إلى اعتمادات ونتائج قابلة للتقييم؟ ما نصيب المدرسة العمومية والصحة العمومية والحماية الاجتماعية من الاختيارات المالية؟ كيف يمكن قياس الأثر الحقيقي للإنفاق العمومي على كرامة المواطن وجودة حياته؟ وأخيراً، ما القيم التي تريدون أن ينشأ عليها المواطن المغربي: التنافس دون تكافؤ الفرص، أم التضامن والإنصاف؟ الاستهلاك دون حماية، أم الإنتاج مع ضمان الكرامة؟ أم المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات والمساواة؟
خاتمة: الميزانية ليست أرقاماً فقط… إنها موقف من الإنسان
السيد الوزير، إن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يشكل مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري حول طبيعة النموذج المجتمعي الذي نريد بناءه. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على تعبئة الموارد، ولا بحجم المشاريع التي تنجزها، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية الضعيف، وإنصاف المهمش، وتمكين المرأة، وفتح الأفق أمام الشباب، وصون كرامة المواطن. إن القيم لا تُدرّس في المدارس وحدها، ولا تُعلن في الخطب والمناسبات فقط؛ بل تُبنى كذلك من خلال السياسات العمومية، وتوزيع الثروة، والإنفاق العمومي، والقرارات المالية. فأي قيم تريدونها للمغاربة؟ هل نريد مواطناً يكتفي بالتكيف مع الصعوبات، أم مواطناً يمتلك حقوقاً وفرصاً وإمكانات للعيش والمشاركة والإبداع؟ إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق كل قانون مالية ليس فقط: كم ستنفق الدولة؟ بل أيضاً: أي مجتمع ستصنع بهذا الإنفاق؟ وأي إنسان سيكون في قلب اختياراتها؟ لأن الميزانية التي لا تنعكس على كرامة الإنسان تظل، مهما بلغت أرقامها، محتاجة إلى مساءلة قيمية.
اقتصاد
رياضة
اقتصاد
اقتصاد