الدولة بسرعتين: كفاءة في الجباية.. وتراخٍ في محاسبة الفاسدين


هذا الخبر بعنوان "الدولة بسرعتين: براعة في الجباية.. وبطء في ملاحقة المفسدين" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر حمزة الشواي
1 نوفمبر 2026 - 12:05
تكشف الممارسات الحكومية في إدارة المالية العامة بالمغرب عن تناقض بنيوي يثير اهتمام المهتمين بالقانون العام والعلوم السياسية. فالسلطة التنفيذية تبدو وكأنها تعمل بمنطقين متعارضين؛ فعندما يتعلق الأمر بتحصيل الضرائب، تتحول الإدارة إلى جهاز فائق السرعة يتمتع بكفاءة تكنوقراطية عالية، مستخدمةً الترسانة القانونية والرقمنة لتتبع كل الملزمين وحركة الأموال، بل وتستحدث باستمرار أوعية ورسوماً ضريبية جديدة بدقة متناهية في كل قانون مالية. ولكن، عند الانتقال إلى حماية المال العام نفسه من النهب والهدر، يختفي هذا الاستنفار الإداري، ليحل محله بطء بيروقراطي وشلل مؤسساتي يفرغ آليات المساءلة والزجر من فعاليتها.
في علم الاجتماع السياسي والمالي، لا تُعد الضريبة مجرد اقتطاع مالي لتمويل الخزينة، بل هي تعبير مادي عن العقد السياسي وشروط المواطنة. إنها معادلة دستورية متوازنة تقوم على المساهمة في التكاليف العامة، كلٌ حسب استطاعته وفقاً للفصل 39 من الدستور، مقابل الحصول على خدمات عامة عادلة وإدارة شفافة وعقلانية للموارد. ومع ذلك، يظهر الخلل عندما تتحول السياسة الجبائية إلى أداة تقنية ومحاسباتية بحتة لتحقيق التوازنات الاقتصادية وتقليص عجز الميزانية، بمعزل عن تقييم كفاءة الإنفاق العام. في هذه الحالة، تُحكم الإدارة الجبائية قبضتها على الملزمين، بينما تعاني المنظومة الرقابية والزجرية من عطالة واضحة أمام نزيف الموارد.
يتجاوز هذا الاختلال ثنائية الجباية والفساد ليؤثر بعمق على مبدأي العدالة المجالية والمساواة أمام المرفق العام. وتُلخص مداخلة النائب البرلماني أسامة بوريك بمجلس النواب هذا المأزق الدستوري والسياسي، حيث أشار إلى مفارقة النظام الضريبي الموحد والخدمات العمومية المتفاوتة. فكيف يمكن لدولة حديثة أن تفرض نفس الالتزامات الضريبية على المواطنين في المناطق النائية كما في المناطق الحضرية الكبرى، بينما تعاني هذه المناطق من نقص هيكلي في الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والبنية التحتية، في حين تتركز الاستثمارات العمومية وجودة المرافق في المدن الكبرى؟ إن توحيد الالتزام الضريبي وطنياً، مع استمرار التفاوت الترابي في توزيع الموارد والخدمات، يُحدث شرخاً في الوظيفة التوزيعية للدولة، ويحول الضريبة في المناطق المهمشة إلى مجرد جباية استخلاصية بلا عائد تنموي، مما يعمق الفوارق المجالية ويُفرغ ورش الجهوية المتقدمة ومشروع الدولة الاجتماعية من معناهما.
إن عدم وصول أثر الضرائب إلى المواطنين في المناطق المهمشة لا يعود أساساً إلى نقص الاعتمادات المالية، بل إلى ثقوب الفساد وسوء التدبير التي تبتلع الميزانيات بين المركز والهامش. وتُقدم المعطيات التي كشف عنها البرلماني ذاته تحت قبة البرلمان مثالاً ملموساً على حجم الكارثة التدبيرية في مشاريع البنية التحتية؛ فقد تحدث عن مقطع طرقي رُصد له مبلغ يقارب ثلاثة مليارات ونصف المليار سنتيم من المال العام، بينما لم يُصرف منه فعلياً في الميدان سوى حوالي عشرة ملايين سنتيم. هذه الواقعة تُظهر بوضوح عطب المنظومة الرقابية في تتبع تنفيذ الصفقات العمومية ومراقبة مطابقة الأشغال للمواصفات، وتُفرغ مقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13 من محتواها، خاصة ما يتعلق بصدقية الميزانية وربط الاعتمادات المالية بكفاءة الأداء. المشكلة ليست في تحصيل الأموال، بل في غياب استراتيجية وطنية صارمة لوقف تبديدها أو اختلاسها بعد تحصيلها، علماً بأن التقارير الرسمية والدولية تُقدر كلفة الفساد السنوية في المغرب بما بين 5% و7% من الناتج الداخلي الخام.
على الرغم من التنصيص الدستوري الصريح على مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة في الفصل 154 وما يليه، وتعدد هيئات الرقابة والتفتيش كالمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة والمفتشيات العامة للوزارات، فإن الأثر الردعي يظل دون المأمول. غالباً ما تضيع الملفات في المساطر الإدارية المعقدة، وتظل الحلقات مفقودة بين التقارير الرقابية والتحريك الفعلي للمتابعات القضائية. وقد زاد هذا الوضع تعقيداً التقييد التشريعي والمسطري في تعديلات قانون المسطرة الجنائية، الذي قلص من صلاحيات النيابة العامة وهيئات المجتمع المدني في تحريك الدعوى العمومية بخصوص جرائم المال العام، وكأن المشرع الجنائي يخشى إزعاج ناهبي المال العام بقدر ما يتشدد المشرع المالي في ملاحقة صغار الملزمين.
تتجلى خطورة هذه المعادلة على المستويين السياسي والاجتماعي في أن الدولة، لملء خزينة مثقوبة بسبب الفساد وتبديد المليارات في صفقات مشبوهة، لا تسعى لسد هذه الثقوب ومحاسبة المتورطين، بل تلجأ إلى الحل الأسهل لتغطية العجز المالي عبر فرض ضرائب جديدة على المواطنين. فبدلاً من تشديد الرقابة على النفقات العمومية واسترجاع الأموال المنهوبة، تلجأ الحكومة إلى زيادة الضغط الجبائي، خاصة عبر الضرائب غير المباشرة كالضريبة على القيمة المضافة والضرائب الداخلية على الاستهلاك. هذه الضرائب عمياء وغير عادلة اجتماعياً لأنها تُطبق بنفس النسبة على جميع المستهلكين بغض النظر عن دخلهم، مما يُثقل كاهل الفئات الهشة والطبقة المتوسطة، ويحول المواطن البسيط إلى ممول قسري لسوء التدبير والإفلات من العقاب.
يبقى التساؤل المطروح بإلحاح من زاوية علم السياسة والقانون الدستوري: كيف يمكن لنفس الجهاز البيروقراطي أن يمتلك كل هذه الفعالية والصرامة القانونية في تحصيل الضرائب في جميع أنحاء المملكة، بينما يقف متردداً وعاجزاً أمام تبخر المليارات في مشاريع وهمية؟ إن تعزيز الشرعية السياسية وترسيخ ثقة المواطن في المؤسسات وبناء الدولة الاجتماعية، لا يتحقق بزيادة الأعباء الجبائية على الملزمين، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية؛ إرادة تجعل أجهزة الرقابة والمحاسبة تتبنى نفس السرعة والصرامة التي تتبعها إدارة الضرائب، لتوجيهها نحو افتحاص الصفقات العمومية، وتفعيل المتابعات القضائية ضد كل من ثبت تورطه في اختلاس أو تبديد الأموال العمومية، مع ضمان عدالة مجالية تُحول كل درهم يُجبى من المواطن إلى خدمات وتنمية ملموسة في جميع الجهات.
الوسوم: الضرائب, الفساد, المالية العامة, حمزة الشواي
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة