توسيع "الحجز في المنبع" يضع سيولة المقاولات المغربية أمام تحديات جديدة في 2027


هذا الخبر بعنوان ""الحجز في المنبع" يضع سيولة المقاولات المغربية أمام اختبار جديد في 2027" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستعد المديرية العامة للضرائب لتوسيع نطاق تطبيق آلية "الحجز في المنبع" (Retenue à la Source – RAS) على الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، اعتبارًا من فاتح يناير 2027. سيشمل هذا التوسع المقاولات الكبرى التي يتجاوز رقم معاملاتها السنوي 350 مليون درهم (دون احتساب الرسوم)، في خطوة تهدف إلى تشديد الرقابة على المعاملات المالية بين الشركات وضمان تحصيل المستحقات الجبائية المتعلقة بالخدمات. تأتي هذه الخطوة وسط مخاوف مهنية بشأن تأثيرها على سيولة المقاولات التي تتعامل مع كبار العملاء، خاصة في ظل التحديات المستمرة المتعلقة باسترجاع أرصدة الضريبة على القيمة المضافة.
يأتي هذا التوسع تنفيذاً لقانون المالية لسنة 2026، الذي نص على تطبيق آلية الحجز في المنبع على ثلاث مراحل. بدأت المرحلة الأولى في فاتح يوليوز الماضي وشملت مؤسسات الائتمان وشركات التأمين وإعادة التأمين، بالإضافة إلى المقاولات التي تحقق رقم معاملات لا يقل عن 500 مليون درهم. ومن المقرر أن تنخفض عتبة الخضوع إلى 200 مليون درهم ابتداءً من فاتح يناير 2028، مما يوسع تدريجياً مسؤولية تحصيل الضرائب لتشمل شريحة أوسع من الفاعلين الاقتصاديين في القطاع الخاص.
تشير التقديرات إلى أن حوالي 1655 مقاولة كبرى ستكون معنية بالتزامات الحجز في المنبع عند اكتمال المراحل الثلاث بحلول فاتح يناير 2028، وفقًا لتقديرات المديرية العامة للضرائب. جاء هذا بعد تراجع الحكومة عن تصور أولي كان يهدف إلى تطبيق الإجراء على المقاولات التي يتجاوز رقم معاملاتها 50 مليون درهم، استجابةً لتحفظات الأوساط المهنية بشأن الأعباء الإدارية والمالية المحتملة.
يعكس هذا التدرج توجهًا نحو إشراك كبار العملاء في تأمين التحصيل الضريبي، من خلال إلزامهم باقتطاع مبالغ محددة عند دفع مستحقات مقدمي الخدمات وتحويلها مباشرة إلى الخزينة. تزامن هذا التحول مع استمرار ارتفاع الموارد الجبائية، حيث بلغت المداخيل الضريبية 288.3 مليار درهم بنهاية شتنبر الماضي، بزيادة 11.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما وصلت حصيلة الضريبة على الشركات إلى 90.2 مليار درهم، بارتفاع 24.8%.
في المقابل، أثارت آلية الحجز تساؤلات حول قدرتها على تحقيق التوازن بين تعزيز التحصيل وحماية خزينة المقاولات، خاصة وأن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يقترح تبسيط إجراءات استرجاع الضريبة على القيمة المضافة الناتجة عن الحجز في المنبع.
توسيع التحصيل وتشديد الامتثال الجبائي
من المتوقع أن تفرض المرحلة الثانية من الإصلاح، التي تدخل حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح يناير 2027، التزامات جديدة على المقاولات المعنية. تتمثل هذه الالتزامات في اقتطاع 5% من المبالغ المدفوعة، دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، عن الأتعاب والعمولات والسمسرة والمكافآت المماثلة المدفوعة للشركات الخاضعة للضريبة على الشركات. بالإضافة إلى ذلك، سيتم اقتطاع جزء من الضريبة على القيمة المضافة المفوترة عن الخدمات المشمولة بالمقتضيات القانونية، وفقًا للشروط المحددة في المدونة العامة للضرائب والنصوص التنظيمية ذات الصلة.
تبلغ نسبة الاقتطاع عن الضريبة على القيمة المضافة 75% من مبلغ الضريبة المفوترة عند تقديم المورد شهادة انتظام الوضعية الجبائية لا يتجاوز تاريخ إصدارها ستة أشهر. ترتفع هذه النسبة إلى 100% في غياب هذه الوثيقة، مع استثناء الخدمات التي لا يتجاوز مبلغها 5000 درهم (دون احتساب الرسوم)، في حدود سقف شهري يبلغ 50 ألف درهم لكل مورد، وفقًا للشروط القانونية المقررة.
تتجلى الانعكاسات المالية المباشرة لهذه الآلية من خلال مثال لخدمة استشارية بقيمة 100 ألف درهم (دون احتساب الرسوم)، تخضع للاقتطاعين معًا. ترتفع فاتورتها إلى 120 ألف درهم بعد إضافة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 20%. في حال توفر شهادة الانتظام الجبائي، يتعين على العميل اقتطاع 5000 درهم عن الضريبة على الشركات و15 ألف درهم عن الضريبة على القيمة المضافة، ليحصل المورد فعليًا على مبلغ 100 ألف درهم. في غياب الشهادة، يرتفع مجموع الاقتطاعات إلى 25 ألف درهم، ويتراجع المبلغ المحصل إلى 95 ألف درهم.
أوضح محمد أمين بنرحمون، خبير محاسب متخصص في السياسات الضريبية، أن توسيع نطاق الحجز في المنبع يمثل تحولاً في منهجية التحصيل الجبائي، حيث يتم نقل جزء من مسؤولية استخلاص الضرائب إلى المقاولات الكبرى نظرًا لقدرتها التنظيمية والمحاسبية. من شأن هذه الآلية أن تقلل من مخاطر عدم أداء الضرائب المرتبطة بالمعاملات بين الشركات، وتسمح للإدارة بتأمين جزء من مستحقاتها مباشرة عند تسوية الفواتير.
وأضاف بنرحمون أن هذا التغيير لا يتعلق بفرض ضريبة جديدة أو رفع المعدلات القانونية، بل بتغيير طريقة تحصيل مبالغ تدخل أصلاً ضمن الالتزامات الجبائية للموردين. نجاح هذا التحول يفترض وضوح نطاق الخدمات الخاضعة للاقتطاع، وتوفير آليات دقيقة لتتبع المبالغ المحولة إلى الخزينة، بما يمنع الازدواج في الأداء ويضمن احتساب الاقتطاعات ضمن المستحقات الضريبية النهائية.
وشدد الخبير المحاسب على أن التوسع التدريجي يفرض مواكبة المقاولات على مستوى الأنظمة المعلوماتية والمحاسبية، خاصة وأن مسؤولية الاقتطاع والتصريح والأداء أصبحت ترتب مخاطر مالية مباشرة على العميل في حالة الإخلال بالالتزامات القانونية. لذا، ينبغي قياس فعالية الإصلاح ليس فقط بحجم الموارد المحصلة، بل أيضًا بمدى مساهمته في تحسين الامتثال الطوعي وتقليص المنازعات وضمان استقرار العلاقات التجارية.
تزايدت أهمية هذا التحول بالنظر إلى الأداء المسجل في المداخيل الضريبية خلال السنة الجارية، حيث بلغت حصيلة الضريبة على الشركات بنهاية شتنبر حوالي 95.5% من التوقعات السنوية، مقابل 68.9% للضريبة على القيمة المضافة. يعكس هذا التفاوت اختلاف ديناميكية التحصيل بين الصنفين.
يتعين على المقاولات الملزمة بالاقتطاع تحويل المبالغ المستحقة إلى الخزينة قبل نهاية الشهر الموالي لشهر الأداء، مع استيفاء الالتزامات التصريحية المرتبطة بكل ضريبة، بما فيها التصريح الإلكتروني بالمبالغ المقتطعة برسم الضريبة على القيمة المضافة. يعرض الإخلال بهذه الالتزامات المقاولة الزبونة لتحمل المبالغ غير المقتطعة أو غير المدفوعة، إضافة إلى الجزاءات والغرامات المقررة قانونًا.
ضغوط السيولة ورهانات استرجاع الضريبة
من المتوقع أن يضع توسيع الحجز في المنبع المقاولات المقدمة للخدمات أمام تحديات جديدة تتعلق بتدبير السيولة ورأس المال العامل، حيث ستمر نسبة متزايدة من مستحقاتها الجبائية مباشرة عبر الخزينة العامة دون دخول حساباتها البنكية، بينما تظل مطالبة بتغطية مصاريف التشغيل والأجور والمشتريات والالتزامات المالية.
تتفاقم هذه الإشكالية لدى المقاولات التي تتعامل مع مؤسسات عمومية وشركات خاصة كبرى في آن واحد، حيث يمكن أن يؤدي تراكم الاقتطاعات إلى ارتفاع أرصدة الضريبة على القيمة المضافة القابلة للاسترجاع، خاصة عندما تكون الضريبة المدفوعة على المشتريات والتجهيزات أكبر من الضريبة المستحقة على العمليات المنجزة. يصبح حينها أجل الاسترداد عاملاً حاسماً في تحديد الأثر المالي للإصلاح.
اعتبر إبراهيم أسوار، خبير محاسب ومستشار ضريبي، أن الحجز في المنبع يمثل تحديًا مباشرًا للتدفقات النقدية للمقاولات المقدمة للخدمات، خصوصًا تلك التي تعتمد على آجال أداء طويلة أو تتعامل مع عدد محدود من العملاء الكبار. يقلص اقتطاع جزء من الضريبة على القيمة المضافة عند تسوية الفواتير المبالغ التي تدخل فعليًا إلى خزينة المورد، بينما تستمر التزاماته المتعلقة بالمشتريات والأجور والتكاليف التشغيلية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الحاجة للتمويل قصير الأجل.
وأوضح أسوار أن حدة هذه الانعكاسات تختلف بحسب طبيعة النشاط وحجم المصاريف الخاضعة للضريبة على القيمة المضافة. يمكن للمقاولات التي تسجل أرصدة دائنة متكررة أن تواجه صعوبات إضافية عندما تطول آجال استرداد المبالغ المقتطعة. كما أن المعالجة المحاسبية السليمة تقتضي تتبعًا دقيقًا للاقتطاعات التي يجريها العملاء ومطابقتها مع التصريحات الدورية لتفادي الأخطاء التي قد تؤخر عمليات الخصم أو الاسترداد.
شدد المستشار الضريبي على أن التعديلات المقترحة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 تتجه نحو تبسيط معالجة الضريبة المقتطعة واحتسابها ضمن المبالغ المدفوعة لحساب المورد. نجاح هذا التوجه يظل مشروطًا بوضوح الإجراءات وسرعة البت في طلبات استرداد الفوائض، إلى جانب تمكين المقاولات من وسائل إلكترونية فعالة لتتبع وضعيتها الجبائية، حتى لا تتحول آلية تأمين التحصيل إلى عامل يضغط على السيولة ويزيد الحاجة للتمويل البنكي.
كشفت المعطيات المالية المتعلقة بالضريبة الداخلية على القيمة المضافة عن حساسية هذا الرهان، حيث بلغت مداخيلها الصافية الموجهة للميزانية العامة 16.7 مليار درهم بنهاية يونيو الماضي، بزيادة محدودة 0.5%، رغم ارتفاع المداخيل الإجمالية بنحو 2.2 مليار درهم، نتيجة تنامي المبالغ المستردة لفائدة الملزمين، التي تجاوزت خلال النصف الأول من السنة التوقعات السنوية بنحو 1.2 مليار درهم.
تُظهر هذه الأرقام أهمية المبالغ المعنية بعمليات إرجاع الضريبة، وحجم التحدي الذي تواجهه الإدارة في التوفيق بين تسريع معالجة طلبات المقاولات والمحافظة على انتظام الموارد الجبائية، خاصة مع توسيع نطاق الاقتطاع ليشمل فئات إضافية من كبار العملاء.
اكتسى هذا النقاش أهمية خاصة في ضوء التعديلات المقترحة ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يتجه نحو استبدال مسطرة إرجاع دين الضريبة على القيمة المضافة الناتج عن الحجز في المنبع بآلية مبسطة. تقوم هذه الآلية على اعتبار المبالغ المحجوزة والمؤداة من طرف العميل بمثابة أداء لحساب المورد، يتيح له استنزالها من الضريبة على القيمة المضافة الواجب أداؤها برسم الفترة المعنية. يصبح الفائض الناتج عن تجاوز المبالغ المحجوزة قيمة الضريبة المستحقة فعليًا قابلاً للاسترداد، بناءً على طلب يقدم وفق نموذج تعده الإدارة الجبائية.
من شأن هذا التعديل، في حال المصادقة عليه، أن يخفف بعض الأعباء الإجرائية المرتبطة باسترجاع المبالغ المحجوزة. إلا أن أثره الفعلي على السيولة سيظل مرتبطًا بسرعة معالجة طلبات استرداد الفوائض، وانتظام عمليات الاستنزال، وقدرة المقاولات على تكييف أنظمتها المحاسبية مع الالتزامات الجديدة، دون تعطيل دورة الأداء أو مراكمة أرصدة ضريبية يصعب تحويلها إلى سيولة في الآجال المناسبة.
وضعت هذه المعطيات الإدارة الجبائية أمام اختبار مزدوج خلال السنة المقبلة، يتمثل في توسيع نطاق التحصيل المباشر وتعزيز الامتثال الضريبي من جهة، وضمان عدم تحول آلية الاقتطاع إلى مصدر إضافي للضغط على تمويل أنشطة المقاولات من جهة ثانية، خاصة مع اقتراب موعد إدماج شريحة جديدة من الشركات الكبرى في النظام، واستمرار النقاش بشأن نجاعة مساطر الاسترداد وسرعة تنفيذها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد