المغرب
اقتصاد

تعزيز دور الجهات في التنمية الاقتصادية: مراجعة الاختصاصات وتكريس التمكين

العمق المغربي2 نونبر 2026 في 12:440 مشاهدة
تعزيز دور الجهات في التنمية الاقتصادية: مراجعة الاختصاصات وتكريس التمكين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مراجعة الاختصاصات الجهوية وتكريس دور الجهة في التنمية الاقتصادية الترابية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

شهد التنظيم الجهوي في المغرب مسارًا تدريجيًا من الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية، بهدف الارتقاء بالجهة من مجرد إطار إداري إلى مستوى فاعل في تدبير الشأن العام والمساهمة في تحقيق التنمية. يتطلب هذا المسار تمكين الجهة من اختصاصات وموارد كافية لتجاوز دورها التقليدي والاضطلاع بوظيفة تنموية تستجيب لخصوصياتها. يقتضي نجاح الجهوية إعادة النظر في العلاقة بين السلطة المركزية والمؤسسات الجهوية، عبر توسيع اختصاصات المجالس المنتخبة ومنحها صلاحيات وموارد فعلية للمشاركة في تدبير شؤونها التنموية.

شكل دستور 2011 منعطفًا هامًا بتخصيصه الباب التاسع للجهات والجماعات الترابية، وإقراره لمبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن والتفريع. كما عزز مكانة الجهة ككيان يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، ويدبر شؤونه عبر مجلس منتخب بالاقتراع العام المباشر. ترجم هذا التوجه القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الذي حدد اختصاصاتها الذاتية والمشتركة والمنقولة، وأقر لها الصدارة في إعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب وتنفيذها.

أصبح تطوير الوظيفة التنموية للجهة مرتبطًا بقدرتها على ممارسة اختصاصاتها وتحويل اختياراتها إلى مشاريع تلبي حاجات المجال الترابي. يكتسي تصنيف الاختصاصات الجهوية في القانون التنظيمي رقم 111.14 أهمية تتجاوز مجرد التمييز بين مجالات التدخل، فهو يعكس توجهاً نحو إعادة توزيع الوظائف التنموية بين الدولة والجهة. الاختصاصات الذاتية تمنح الجهة مجالًا للمبادرة والتنفيذ في حدود مواردها، بينما تقوم الاختصاصات المشتركة على تقاسم التدخل بين الدولة والجهة لضمان نجاعة الممارسة، أما الاختصاصات المنقولة فترتبط بتوسيع تدريجي لمجال تدخل الجهة. يعتمد المشرع تصورًا لتعدد مستويات المسؤولية في التنمية الجهوية، مما يستلزم وضوحًا في توزيع الأدوار وتحديد الالتزامات.

تبرز أهمية هذا التصنيف في مجال التنمية الاقتصادية، أحد المجالات الأساسية للاختصاصات الذاتية للجهة وفق المادة 82 من القانون التنظيمي. يشمل هذا المجال دعم الاستثمار المنتج، تحفيز المبادرة المقاولاتية، إحداث وتنظيم مناطق الأنشطة الاقتصادية، الإسهام في تعبئة العقار، إحداث المجمعات الجهوية لتسويق المنتجات الفلاحية والغذائية، وإحداث مناطق للأنشطة التقليدية والحرفية وإنعاش الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية. تهدف هذه الاختصاصات إلى جعل الجهة فاعلًا في الدينامية الاقتصادية للمجال، من خلال الانتقال من تدبير بعض الخدمات إلى المساهمة في تهيئة شروط الإنتاج والاستثمار والتسويق وتثمين الموارد المحلية.

يعتمد المشرع على جعل التنمية الاقتصادية الجهوية عملية متكاملة، تبدأ بتحديد المؤهلات والموارد، مرورًا بتهيئة الفضاءات الملائمة، وانتهاءً بتثمين المنتجات وربطها بالأسواق. دعم الاستثمار المنتج يتطلب بيئة جهوية قادرة على استقطاب المبادرات الاقتصادية وتيسير شروط استقرارها. إحداث مناطق الأنشطة الاقتصادية يرتبط بالتخطيط المسبق لتحقيق الانسجام بين الأنشطة والبنيات التحتية. المجمعات الجهوية لتسويق المنتجات الفلاحية والغذائية تساهم في تحسين قنوات التسويق وتثمين الإنتاج المحلي. إدراج الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية ضمن الاختصاصات الذاتية يعزز تثمين الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للمجالات الترابية.

تتجاوز أهمية الجهة التجزئة القطاعية، وتربط بين الأنشطة الفلاحية والحرفية والتجارية والسياحية لتحقيق تكامل بين مكونات الاقتصاد المحلي. يتطلب تحقيق هذا الهدف تحويل الاختصاصات القانونية إلى برامج ومشاريع محددة، تستند إلى تشخيص دقيق للحاجيات والإمكانات. لا تعني إسناد هذه الاختصاصات إلى الجهة استقلالها الكامل عن الدولة، إذ تظل التنمية الاقتصادية مرتبطة بمجالات تتطلب تدخلاً مشتركًا. تبرز أهمية الاختصاصات المشتركة ك مجال للتعاون المؤسساتي، وتتوقف فعاليتها على وضوح مساهمة كل طرف وتحديد مسؤولياته في التمويل والتنفيذ والتتبع.

يكمن الإشكال في غياب التحديد العملي للعلاقة بين المتدخلين، خاصة عند تقاطع الاختصاصات الجهوية مع اختصاصات القطاعات الحكومية. نجاح الجهة في ممارسة دورها الاقتصادي يقتضي هامشًا فعليًا للمبادرة وتكامل تدخلاتها مع تدخلات الدولة، مع تفادي تكرار المشاريع أو تضارب الأولويات. تعزيز موقع الجهة لا يعني إقصاء الدولة، بل إعادة تنظيم تدخلها لتقوية المبادرة الجهوية وتحقيق الانسجام بين الاختيارات الترابية والتوجهات الوطنية.

تزداد أهمية هذا النقاش في ضوء التعديل الذي طال القانون التنظيمي رقم 111.14 بموجب القانون التنظيمي رقم 031.26، والذي أتاح إدراج التنمية الرقمية ضمن الاختصاصات الذاتية للجهة، من خلال إعداد المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية وتنفيذه، وأعاد تحديد بعض المجالات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والقروية. توسع هذه الإضافة مفهوم التنمية الجهوية ليشمل التحولات الرقمية كعامل مؤثر في تحسين الخدمات وتطوير النشاط الاقتصادي وتيسير الاستثمار، وتتيح للجهة المساهمة في معالجة الفوارق الرقمية.

لا ينبغي قياس دلالة هذا التعديل بمجرد إضافة اختصاصات جديدة، بل بمدى قدرته على معالجة الإكراهات التي تعترض ممارسة الاختصاصات القائمة وتوفير شروط تنزيلها. إسناد اختصاص يتعلق بالتنمية الرقمية يظل محدود الأثر إذا لم يقترن بتوفير الكفاءات التقنية والموارد المالية والبنيات الضرورية. توسيع مجالات تدخل الجهة في التنمية الاقتصادية لا يحقق نتائج ملموسة ما لم تتضح علاقتها بالقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية المعنية. يصبح الإصلاح التشريعي مدخلاً لإعادة تنظيم الممارسة المؤسساتية، وليس غاية في حد ذاته.

تطرح المراجعة القانونية للاختصاصات الجهوية ضرورة الانتقال من منطق التوسع في تعداد المجالات إلى منطق ضمان فعاليتها وقابليتها للتنفيذ، من خلال تحديد المسؤوليات وتوفير الموارد وإرساء آليات التعاون والتعاقد بين الدولة والجهة. الجهة المنتخبة مطالبة بتحديد الأولويات التنموية والتعبير عن حاجات المجال، بينما تضطلع السلطات المعينة بدور أساسي في تنسيق تدخل المصالح الإدارية للدولة ومواكبة تنفيذ المشاريع وضمان انسجامها مع السياسات العمومية. تعزيز الوظيفة الاقتصادية للجهة يظل رهينًا بإعادة تنظيم العلاقة بين السلطات المنتخبة والمعينة على أساس التكامل في ممارسة الاختصاصات، وتوحيد الجهود والموارد حول أولويات ترابية مشتركة.

شارك الخبر: