المغرب
سياسة

جدل الذبح في هولندا: بين الشريعة ورعاية الحيوان، من يملك الفتوى؟

العمق المغربي2 نونبر 2026 في 15:420 مشاهدة
جدل الذبح في هولندا: بين الشريعة ورعاية الحيوان، من يملك الفتوى؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من يُفتي في ذبيحتنا؟ مسلمو هولندا ومقترح حظر الذبح دون تدويخ" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لطالما كان باب الذبائح في العلوم الشرعية من أهدأ الأبواب، يقرأه الطالب ويعمل به الإمام وتطمئن إليه الأسرة عند شراء لحمها من جزار موثوق. لكن هذا الباب الهادئ تحول مؤخرًا إلى قضية سياسية شغلت مسلمي هولندا، الذين يتجاوز عددهم 400 ألف نسمة، وتعد عيد الأضحى من أعظم مواسمهم الدينية والعائلية. يتساءل الكثيرون: “هل سيبقى لنا الحلال هنا؟ وكيف سنضحي في العيد؟”.

الجواب المطمئن هو أن اللحم الحلال سيظل متاحًا في المتاجر، حيث أن المقترح المعروض على البرلمان الهولندي يتعلق بالذبح فوق التراب الهولندي ولا يمس حركة اللحوم داخل السوق الأوروبية. لكن هذا لا ينهي المسألة، بل يكشف جوهرها: من يملك أن يقرر، في مسألة يختلف فيها العلماء، أي طرق الذبح مقبولة وأيها مردود؟

في يونيو 2025، تقدم حزب “من أجل الحيوانات” بمقترح قانون يلغي الاستثناء الديني من إلزامية التدويخ، مما يعني السماح بالذبح الشرعي فقط بعد تدويخ مسبق. ورغم أن المقترح يشمل منع تدويخ الخنازير والدواجن أيضًا، مما يضعف القول بأنه موجه ضد المسلمين وحدهم، إلا أن السؤال الجوهري يبقى قائمًا.

في أكتوبر 2025، أبدى مجلس الدولة، أعلى هيئة استشارية في البلاد، رأيًا إيجابيًا في المقترح، مستندًا إلى الاجتهاد القضائي الأوروبي الذي يجيز الحظر ولا يوجبه. ثم صرح كاتب الدولة المكلف برعاية الحيوان، سيلفيو إيركنس، في أكتوبر 2026، بأن هذه الطريقة تسبب ألمًا إضافيًا للحيوان، وأن السؤال هو هل ينبغي السماح بها أصلاً.

هذا التسلسل الزمني يكشف أن ما تحرك هو الإطار القانوني الذي يسمح بالحظر، لا الواقع الذي يُراد حظره. فالاستثناء قائم منذ مرسوم ملكي عام 1920 لصالح الذبح اليهودي، وأعيد العمل به ليشمل المسلمين بعد تحرير هولندا من الاحتلال الألماني. ومنذ 2018، وبموجب ميثاق بين الدولة والهيئات الدينية، يُدوَّخ كل حيوان يبقى واعيًا بعد أربعين ثانية من الذبح، وهي قاعدة أثارت حيرة الكثيرين.

التجربة البلجيكية تقدم درسًا هامًا. فمنذ يناير 2019، مُنع الذبح دون تدويخ في فلاندرز، ثم والونيا. وفي أول عيد أضحى بعد سريان المنع، انخفض عدد الأضاحي إلى النصف، واتجه كثير من المسلمين إلى شراء اللحم من الجزار أو إرسال ثمن الأضحية إلى بلدانهم الأصلية. وبعد خمس سنوات، أصبح البعض يضحي مع التدويخ، والبعض الآخر كف عن الذبح أصلاً. الحظر لم يلغ الشعيرة، لكنه نقلها جغرافيًا، مما أدى إلى خسارة البعد الجماعي والتربوي للعيد في بلاد المهجر.

يكمن الارتباك في استخدام مفردتين مختلفتين: علم رعاية الحيوان يسأل عن “الوعي” ومتى يفقده الحيوان، بينما الفقه يسأل عن “الحياة” وهل كان الحيوان حيًا حياة مستقرة حين وقعت عليه الذكاة. الحيوان المدوَّخ فاقد للوعي لكنه حي، وهذا يفصل بين الحياة والإحساس. هذا الفصل هو مفتاح المسألة، حيث يبقى الحيوان حيًا بيقين، يتحقق شرط الفقه ويخف الألم معًا.

تكمن قاعدة “الأصل في الذبائح التحريم حتى يُتيقن الحل” في تحفظ كثير من العلماء على التدويخ. فالشك واقعي: هل نضمن أن كل حيوان يبقى حيًا بعد التدويخ؟ أجاز مجمع الفقه الإسلامي الدولي التدويخ بشرط ألا يفضي إلى موت الحيوان قبل تذكيته. لكن الخلاف يتحول إلى مسألة قابلة للبحث إذا توفرت البيانات حول نسب الاستفاقة بعد التدويخ، وأثر التدويخ الفوري بعد الذبح.

الرحمة ليست حكرًا على أحد، والمسلمون مطالبون بالتعامل بجدية مع المعطيات العلمية عن الألم. لكن الرحمة لا تحدد وحدها الوسيلة، وتلك مهمة أهل الاختصاص من الفقهاء والأطباء البيطريين، لا أغلبية برلمانية. فالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اعتبرت أن رعاية الحيوان تقع ضمن “الأخلاق العامة” التي تبرر تقييد حرية الدين، وهو ما يثير قلقًا حول وظيفة حرية الدين.

يقول المؤيدون إن الدولة تنظم طرق الذبح كما تنظم شروط الصحة والسلامة. لكن ثمة فرقًا بين تنظيم ممارسة دينية من داخل شروطها، وإلغاء ممارسة يقول بها قول فقهي معتبر. ففي الحالة الأولى تبقى المرجعية الدينية شريكة في القرار، وفي الثانية تُرجّح الدولة قولا فقهيًا على آخر.

المواطنة المشروطة تعني أن انتماء المسلم هنا قابل للتفاوض، وأن ثمنه قد يكون جزءًا من دينه. هذا الإحساس، وإن كان مجحفًا في حق النوايا، إلا أن السياسات تُقاس بالمعنى الذي تكتسبه في سياقها.

الحساب مع النفس ضروري: لم تُنتج المؤسسات الإسلامية في هولندا إلى اليوم موقفًا مؤسسيًا معلنًا ومفصلاً في التدويخ. هل نملك أئمة وباحثين قادرين على فهم قضايا هذا البلد بلغته وأدواته؟

نقترح تشكيل لجنة مشتركة من علماء مسلمين ويهود وأطباء بيطريين لجمع البيانات التي يتوقف عليها الحكم. وعلى هذه البيانات تبني المؤسسات العلمية رأيها الفقهي. كما نقترح تقوية الميثاق القائم بدل إلغائه، بمراجعة هامش الأربعين ثانية، واعتماد الذباحين، والمراقبة بالكاميرات، ووسم واضح للحوم. وعلى مسلمي هولندا أن يدخلوا هذا النقاش بصفتهم مواطنين يحتكمون إلى المادة السادسة من الدستور الهولندي التي تكفل حرية الدين.

حمت هولندا الذبح الديني قرابة قرن. وبإمكانها اليوم أن تحمي الحيوان والمؤمن معًا، إن اختارت طريق التشاور والبيانات والثقة في قدرة المؤسسات الدينية على الاجتهاد. أما الطريق الأقصر، فيجعل البرلمان حكمًا في خلاف فقهي، وتأخذ الدولة لنفسها دور المفتي.

شارك الخبر: