المغرب
سياسة

عرشان وتيفلت: جدل الماضي الأمني يعود ليوقظ ذاكرة "سنوات الرصاص"

هسبريس2 نونبر 2026 في 22:220 مشاهدة
عرشان وتيفلت: جدل الماضي الأمني يعود ليوقظ ذاكرة "سنوات الرصاص"

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عرشان يوقظ ذاكرة "سنوات الرصاص".. من اقتلاع الأسنان إلى ميدالية بـ23 أورو" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مدينة تيفلت، يعود الجدل حول ماضي محمود عرشان، مؤسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، إلى الواجهة مجدداً، بعد أكثر من نصف قرن على أحداث تُعرف بـ "سنوات الرصاص". تأتي هذه المواجهة على خلفية دعوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لتنظيم وقفة احتجاجية، قابلها نداء من الكتابة المحلية لحزب "النخلة"، الذي يقوده نجل عرشان، عبد الصمد عرشان، يدعو إلى تعبئة مضادة مستخدماً لغة حادة ضد المنتقدين.

أعاد النداء الحزبي إلى التداول اتهامات قديمة تطال عرشان، تستند إلى شهادات معتقلين سياسيين سابقين ووقائع تعود إلى فترة عمله في جهاز الأمن قبل انتقاله إلى العمل السياسي وتأسيس حزبه عام 1996. شهد مساره مواجهات قضائية وحقوقية مع شخصيات بارزة من ضحايا تلك المرحلة، مثل المعارض الراحل أبراهام السرفاتي.

المواجهة الحالية في تيفلت ليست منفصلة عن تاريخ طويل من السجال؛ فقد شهدت المدينة نفسها احتجاجات على ترشيح عرشان في الانتخابات التشريعية عام 2002. وامتد الجدل حول ماضيه إلى الصحافة الفرنسية والمحاكم المغربية، ووصل عام 2018 إلى مجلس الشيوخ الفرنسي عقب تسلمه ميدالية من سيناتور فرنسي، قبل أن تعيد مداخلته الأخيرة بمجلس المستشارين فتح الملف مجدداً.

حمل بيان الكتابة المحلية للحركة الديمقراطية الاجتماعية بتيفلت عنوان "نداء لأبناء تيفلت ولجميع الغيورين على وطنهم"، واستخدم أوصافاً قاسية مثل "العملاء والخونة ومستوردي الإرهاب والمتواطئين مع الخارج"، متهماً إياهم بالوقوف وراء تصفية شخصيات من المقاومة المغربية، مثل عباس المساعدي وعبد العزيز بن إدريس، وارتكاب جرائم في منطقتي بويزكارن وآيت باعمران، ونهب ثروات البلاد.

واصل البيان تصعيده بالحديث عن "ماضيهم الدموي الأسود"، مهاجماً من وصفهم بـ"الوارثين للعهد الستاليني وتلامذة كوبلز الهتليري"، وتوعدهم بـ"الدرس الذي سيلقن لهم"، داعياً إلى تعبئة ميدانية بالتزامن مع الوقفة الحقوقية.

أثار النداء انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، ربطت بين لغة البيان وماضي عرشان المهني، واستحضرت اتهامات التعذيب التي لازمت اسمه. كما أثار الاستشهاد بآيات من سورة الطارق انتقادات بشأن توظيف النص الديني في سجال سياسي وحقوقي متوتر.

أرشيف اتهامات لم يُغلق

في يونيو 2000، وفي مناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، استحضرت أنشطة المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف شهادات لمعتقلين سياسيين سابقين اتهمت محمود عرشان بالمشاركة في ممارسات تعذيب خلال فترة عمله في جهاز الشرطة. من أبرز هذه الشهادات، شهادة مبارك الزليطي الذي اتهم عرشان بانتزاع ثمانية من أسنانه وغرس مسمار في قدمه في الستينيات. كما تحدث المعتقل السابق محمد مهري عن اختطافه عام 1964 على أيدي رجال الشرطة، وكان محمود عرشان ضمنهم.

لم تكن هذه الشهادات مجرد اتهامات عابرة؛ فقد سمّى معتقلون سابقون محمود عرشان صراحة ورووا تفاصيل ما تعرضوا له. ورغم نفي عرشان المتكرر، ظلت هذه الشهادات حاضرة في الأرشيف الحقوقي.

أدرجت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عام 2001 اسم عرشان ضمن لائحة تضم 45 شخصية طالبت الجمعية بالتحقيق في مسؤولياتها عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ووثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" هذه اللائحة في تقريرها عام 2005.

في مارس 2004، أعادت شهادات الضابط السابق أحمد البخاري الجدل بشأن مسؤوليات رجال الأمن، حيث وجه اتهامات مباشرة إلى عرشان وربط اسمه بمركز درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، المعروف بالاعتقال السياسي والاستنطاق والتعذيب.

من شهادات المعتقلين إلى محاكمات الصحافة

قبل أن يصبح اسم عرشان حاضراً في مطالب الجمعيات الحقوقية، أثار ماضيه الأمني مواجهة قضائية مع الصحافية نرجس الرغاي. بدأت جذور النزاع عام 1999، بعد تصريحات صحفية لعرشان تناول فيها تاريخ العنف السياسي، وردت عليها الرغاي بمقال انتقدت فيه ماضيه في الشرطة القضائية وأثارت اتهامات التعذيب.

اعتبر عرشان المقال تشهيراً ولجأ للقضاء ضد الرغاي ومدير النشر نبيل بنعبد الله. وفي المقابل، نشرت صحيفة تابعة للحركة الديمقراطية الاجتماعية مقالاً تضمن عبارات مهينة بحق الرغاي، ما دفعها لمقاضاة المسؤولين عن الجريدة.

في 7 يونيو 2000، حكمت المحكمة الابتدائية بالرباط بشهر حبساً موقوف التنفيذ وغرامة مالية وتعويض رمزي ضد محمود عرشان في قضية التشهير. لكن المواجهة استمرت، وأيدت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء عام 2004 حكماً ضد الرغاي وبن عبد الله بغرامة وتعويض رمزي لفائدة عرشان.

تيفلت سنة 2002.. مواجهة في معقل عرشان

لم تقتصر المواجهة بشأن ماضي عرشان على المحاكم والمنابر الصحفية، بل امتدت إلى المجال الانتخابي. في شتنبر 2002، تحولت تيفلت إلى ساحة احتجاج علني على ترشيح محمود عرشان للانتخابات التشريعية. شهدت المدينة تجمعات تنتقد ماضيه الأمني وتصفه بـ"جلاد سابق"، بمشاركة حقوقيين ومعتقلين سياسيين سابقين.

اعتبر المعتقل السابق إدريس بنزكري أن ترشيح عرشان يمثل "ازدراء للمجتمع المغربي"، رابطاً بين المسار الانتخابي وضرورة الاعتراف بمعاناة ضحايا الاعتقال السياسي والتعذيب.

انتهت الانتخابات بخسارة عرشان مقعده بمجلس النواب، وتراجع تمثيل الحركة الديمقراطية الاجتماعية. تقدم عرشان بطعون لإلغاء نتائج الاقتراع، مدعياً تعرضه لمظاهرة مناهضة له أثرت على حظوظه الانتخابية، لكن المجلس الدستوري رفض هذه الطعون.

إيفلين السرفاتي.. شهادة من سنة 1972

تعود إحدى أقدم الوثائق المرتبطة بالسجال إلى 3 نونبر 1972، عندما نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية شهادة لإيفلين السرفاتي، شقيقة المعارض الراحل أبراهام السرفاتي. تحدثت إيفلين عن اعتقالها وتعرضها للتعذيب بالصعق الكهربائي والخنق ومحاكاة الإعدام، بهدف حملها على تقديم معلومات عن شقيقها.

لم تسمِّ إيفلين محمود عرشان في شهادتها، لكن اسمه ظهر لاحقاً في مواجهة مع أبراهام السرفاتي. في أكتوبر 2002، نشرت "لوموند" رسالة لعرشان نفى فيها أي ماضٍ مرتبط بالتعذيب. وبعد ثلاثة أيام، رد أبراهام السرفاتي مؤكداً تعرضه وشقيقته للتعذيب في مقر الشرطة القضائية بالرباط، وأن محمود عرشان كان يتولى رئاسة المصلحة الجهوية للشرطة القضائية بالرباط ويشرف على المصلحة الحضرية التي احتجزوا فيها.

في دجنبر 2002، أكد عرشان في رسالة أخرى أنه كان يعمل بالأكاديمية الملكية للشرطة بالجديدة كمكون في مجال الشرطة القضائية، معتبراً أن هذا يدحض رواية السرفاتي.

ميدالية فرنسية بـ23 أورو

في عام 2018، أثار تسلم محمود عرشان ميدالية من السيناتور الفرنسي كريستيان كامبون، رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية المغربية بمجلس الشيوخ، احتجاج جمعيات حقوقية ومعتقلين سياسيين سابقين.

أوضحت صحيفة "لو باريزيان" أن الميدالية تذكارية بقيمة 23 أورو، تُقدم عادة للزوار، وأن كامبون سلمها لعرشان تقديراً لدوره في العلاقات البرلمانية، معتبراً أن مسائل ماضيه تناقش في المغرب.

من البرلمان إلى بيان تيفلت

في أكتوبر 2026، تحولت مداخلة لمحمود عرشان بمجلس المستشارين إلى مناسبة للدفاع عن تاريخه الشخصي والرد على منتقديه، مستعرضاً صفته كنقيب للشرفاء الأدارسة، وعضويته في المجلس الوطني لقدماء المقاومين، ومشاركته في المسيرة الخضراء، وحصوله على الميدالية الفرنسية.

رد على منتقديه بوصفهم بـ"الطابور الخامس"، معلناً استعداده لمناظرة تلفزيونية. أثارت تلك التصريحات اعتراض خمس هيئات حقوقية اعتبرت استعمال المنبر البرلماني لتوجيه اتهامات بالتخوين إساءة لذاكرة الضحايا.

أعادت تصريحات عرشان طرح فكرة تنظيم جلسة استماع علنية لضحايا سابقين، في مقابل دعوته لمناظرة تلفزيونية.

بيان الكتابة المحلية للحركة الديمقراطية الاجتماعية بتيفلت أضاف فصلاً جديداً، حيث انتقل الخلاف من التصريحات البرلمانية والبيانات الحقوقية إلى الدعوة لتنظيم تعبئات ميدانية متقابلة. اختارت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الدعوة لوقفة وطنية تحت شعار "من أجل محاسبة الجلادين وعدم الإفلات من العقاب"، فيما ردت الكتابة المحلية للحزب بنداء يستحضر تاريخ المقاومة ويهاجم منتقدي مؤسسه بلغة حادة.

تعود تيفلت لاستحضار مواجهة سياسية وحقوقية عرفتها قبل عقدين، حين تحول ماضي عرشان الأمني إلى موضوع تعبئة انتخابية واحتجاجات. لا يزال الجدل دائراً حول المسؤوليات الأمنية خلال "سنوات الرصاص"، وما إذا كانت مسارات الحقيقة والإنصاف والمصالحة قد نجحت في الإجابة عن أسئلة الضحايا.

بين شهادات المعتقلين، والوثائق الصحفية، والأحكام القضائية، ورسائل النفي والدفاع عن النفس، يواصل ماضي محمود عرشان حضوره في الحاضر السياسي لمدينة تيفلت، التي تستعد لاحتضان مواجهة جديدة بين من يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات الأمس ومن يعتبرون استحضار ذلك الماضي استهدافاً لمؤسس الحزب.

شارك الخبر: