انسحاب المينورسو: مؤشر على نهاية مشروع الانفصال المغربي وبداية مرحلة تنموية جديدة


هذا الخبر بعنوان "ولد اجدود: خروج المينورسو يعلن بداية نهاية مشروع الانفصال عن المغرب" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
اعتبر الصحافي الموريتاني الخليل ولد اجدود أن خروج بعثة “المينورسو” من الصحراء المغربية، بعد خمسة وثلاثين عامًا من وجودها، يشكل مكسبًا دبلوماسيًا واستراتيجيًا للمملكة، ويؤذن ببداية نهاية المشروع الانفصالي، في ظل التحولات التي شهدتها موازين القوى الإقليمية والدولية. وأضاف ولد اجدود، في مقال تحليلي بعنوان “خروج المينورسو.. بداية نهاية مشروع الانفصال عن المغرب”، أن المغرب نجح في تحويل الفيتو الروسي ضد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء إلى مكسب سياسي، معتبرًا أن انتهاء مهمة البعثة الأممية يفتح مرحلة جديدة تتقدم فيها رهانات التنمية والاستثمار على حساب استمرار النزاع.
وأوضح الصحافي الموريتاني أن الموقف الروسي لا يعكس انحيازًا إلى البوليساريو أو الجزائر، مشيرًا إلى أن العلاقات بين الرباط وموسكو تحكمها مصالح اقتصادية واستراتيجية متشابكة، وأن الرهان على روسيا لعرقلة مسار التسوية يتجاهل طبيعة التوازنات الدولية. واستبعد ولد اجدود عودة المنطقة إلى أجواء الحرب، بالنظر إلى التفوق العسكري والتكنولوجي المغربي، مؤكدًا أن المشاريع الملكية الكبرى، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي، تعزز موقع الصحراء المغربية مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا يربط إفريقيا بأوروبا والأميركتين.
نص المقال: جنود من بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) يفككون مقراتهم المؤقتة غرب وشرق الجدار الدفاعي المغربي، ويجمعون معداتهم وأمتعتهم، قبل الصعود إلى مركباتهم في طريقهم إلى المقر الرئيسي للبعثة. مشهد يجسد نهاية تدويل قضية الصحراء، مع قرار الملك محمد السادس الحازم، كما عبر عنه بيان الديوان الملكي، وضع حدًّا للوجود الأممي في الصحراء المغربية، الذي امتد خمسة وثلاثين عامًا، وبداية فصل جديد في المنطقة.
زار الكاتب العيون أول مرة في مارس 2006، لتغطية الزيارة الملكية وخطاب مبادرة الحكم الذاتي التاريخي، وقد تردد عليها في مهام ميدانية مختلفة خلال عقدين، وأمضى فيها ثلاثة أيام الأسبوع الماضي، لمواكبة ردود الفعل على جلسة مجلس الأمن وانتهاء ولاية المينورسو. وتابع في تقارير تلفزيونية جانبًا من جميع الحملات الانتخابية الساخنة في الصحراء منذ الانتخابات العامة 2007، وكذلك رصد كيف غيرت المشاريع الملكية وجه الحياة في صحراء قاحلة، وحولتها إلى مدن حديثة.
اللافت هو نجاح الدبلوماسية المغربية في تحويل ما بدا أنه انتكاسة لجهود السلام، عندما استخدمت روسيا الفيتو ضد مشروع قرار أمريكي يعتبر الحكم الذاتي الأساس الوحيد للمفاوضات، ويقدم مراجعة استراتيجية لمهام البعثة الأممية، لكي تتفرغ، بعد الفشل في تنظيم استفتاء تقرير المصير بسبب معضلة تحديد الهوية وتعنت البوليساريو، لمهام أخرى سياسية وتقنية تتماشى مع الدينامية الحالية. وقد يكون من بينها، مثلًا، تقديم المساعدة الفنية في التحضير لتطبيق الحكم الذاتي، والمساعدة في إعادة تأهيل البوليساريو للتحول من ميليشيا إلى جماعة سياسية، يمكن النظر، إذا تخلت عن السلاح، في إشراكها مع الصحراويين في الساقية الحمراء ووادي الذهب، والجاليات الصحراوية في أوروبا وموريتانيا، في حكومة وبرلمان وقضاء محلي وأجهزة يدير من خلالها الصحراويون شؤونهم بصلاحيات واسعة، تحت السيادة المغربية.
إن اختفاء المينورسو يشكل، دون شك، مكسبًا دبلوماسيًا واستراتيجيًا مهمًا للمملكة المغربية، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل صورة المنطقة وموقعها في المعادلات الإقليمية والدولية. فبدلًا من أن تظل الأقاليم الصحراوية أسيرة صورة نمطية تقدمها كمجرد بؤرة توتر، تنشر فيها الأمم المتحدة جنودًا لحفظ السلام وتسير فيها دوريات، تبدو اليوم مع الإرادة الملكية في صورة مغايرة باعتبارها قطبًا تنمويًا وسياحيًا واستثماريًا صاعدًا، بما تملكه من مؤهلات طبيعية وثروات وموقع جغرافي استراتيجي. إنها منطقة مرشحة لأن تتحول إلى أحد الممرات البرية والبحرية المهمة للتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية، ومحطة لوجستية متقدمة للربط بين إفريقيا وأوروبا والأميركتين. يؤهل الصحراء المغربية لتحول كهذا المشاريع الملكية الاستراتيجية، وساحلها الأطلسي الطويل، واستثمارات كبرى في البنية التحتية والموانئ والطرق والربط التجاري.
إن انسحاب المينورسو المنظم والنموذجي يضاف إلى نجاح المغرب في العودة إلى الاتحاد الإفريقي منذ عام 2017، بقرار استراتيجي من الملك محمد السادس، وتوجت زيارته إلى مقر الاتحاد في أديس أبابا هذا المسار. سحبت دول إفريقية عديدة اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، بالتوازي مع تزايد الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وافتتاح قنصليات وممثليات لها في العيون والداخلة، أقصى جنوب المغرب.
وعلى المستوى الدولي، راكمت الدبلوماسية المغربية النجاحات؛ فقد اعترفت الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء عام 2020، وأعلنت فرنسا، خلال الزيارة التاريخية للرئيس ماكرون إلى الرباط، اعترافها بمبادرة الحكم الذاتي، وأن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن إطار السيادة المغربية. لاحقًا، اعتبرت بريطانيا أيضًا مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق لتسوية النزاع. كما انضمت إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة، إلى الدول الداعمة للمبادرة، باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية. وموقف مدريد مهم من الناحية السياسية والقانونية، وقد نزل كالصاعقة على قيادات البوليساريو.
المواقف الدولية والإقليمية تعكس اتساع التأييد الدولي للمقترح المغربي، وتراجع مساحة المناورة الدبلوماسية أمام الأطروحات الانفصالية المنافسة. أما الفيتو الروسي، فلا ينبغي قراءته باعتباره انتصارًا للبوليساريو أو تراجعًا في زخم مبادرة الحكم الذاتي. من ينظر إلى مجلس الأمن باعتباره ساحة تصويت ثابتة الاصطفافات، لا يستوعب طبيعة العلاقات الدولية وآليات إدارة الملفات داخل المنظمة الأممية. روسيا والولايات المتحدة، مثل بقية القوى الكبرى، تتبادلان استخدام حق النقض وفق حسابات ومصالح تتجاوز أحيانًا الملف الذي يجري التصويت عليه. فمجلس الأمن يناقش عشرات الأزمات والنزاعات، وتتشابك داخله المصالح والتفاهمات والمساومات، وقد تتباين مواقف الدول في ملف وتتقاطع في آخر. والفيتو الروسي ضد المشروع الأمريكي لا يعني بالضرورة تبني موسكو موقف البوليساريو.
صحيح أن المغرب يُصنف تقليديًا ضمن حلفاء الغرب، بالنظر لعلاقات تاريخية واستراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة، وكانت المملكة العريقة أول دولة تعترف باستقلال أمريكا. وتربط المغرب بأوروبا علاقات جوار ومصالح اقتصادية وتجارية وأمنية متشابكة وعميقة، بيد أنه، في الوقت نفسه، يحتفظ بعلاقات مع قوى دولية أخرى، وعمل على تنويع شراكاته وتحالفاته وفق مصالحه الوطنية مع روسيا والصين والهند. وفي موسكو، لم تعد الإيديولوجيا هي التي ترسم خريطة التحالفات ومسارات التعاون، بل المصالح الاقتصادية والمالية والتجارية والأمنية، والطاقة والممرات الاستراتيجية، عوامل حاسمة في صياغة المواقف من الأزمات الإقليمية والدولية. لذلك، فإن التحذير من العودة تلقائيًا إلى ما قبل 1991، أو اعتبار انتهاء ولاية المينورسو مقدمة حتمية لعودة الحرب، يتجاهل حجم التحولات التي عرفتها المنطقة والعالم خلال نصف قرن.
لا يمكن نفي أن انتهاء ولاية البعثة الأممية يثير هواجس أمنية جدية، وأن الأمم المتحدة نفسها حذرت من مخاطر التصعيد ودعت الأطراف إلى ضبط النفس، لكن قراءة المستقبل لا يمكن أن تقوم على استحضار الماضي وحده. وهنا نقطة أساسية يغفل عنها كثيرون في قراءة السياسة الخارجية المغربية: المغرب لا يبني علاقاته الدولية على منطق الولاء لمحور ضد آخر، ويدير علاقاته مع القوى العظمى وفق حسابات واضحة تحددها المصالح الجوهرية للمملكة الشريفة. وفي إطار معركته الدبلوماسية والسياسية والقانونية لاستعادة أقاليمه الصحراوية، دخل المغرب منذ سنوات في حوار استراتيجي مع روسيا، وعمل على تطوير شراكته معها، رغم التباينات المعروفة في المواقف بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية. والروس، مثل بقية القوى الكبرى، تحكم سياستهم في النهاية حسابات المصالح. وموسكو لا تتعامل مع الرباط أو الجزائر بمنطق الصداقة التاريخية والعواطف، وإنما وفق ما تراه محققًا لمصالحها الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، وقد تخلت عن حلفاء لأن مصالحها أصبحت مع آخرين، كما حدث في عراق صدام حسين وليبيا معمر القذافي وسوريا الأسد.
الفيتو الروسي لم يفاجئ ناصر بوريطة وزير الخارجية المغربي، الذي كان في موسكو إلى جانب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في القمة الروسية الإفريقية قبل أيام قليلة من جلسة مجلس الأمن. لهذا المستوى من التنسيق السياسي والدبلوماسي وحرص المغرب على تمثيل رفيع المستوى في قمة دعت لها موسكو، العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين قوية، وتستفيد روسيا من السوق المغربية وموقع المملكة الجغرافي ومنافذها البحرية، والتبادل التجاري بين البلدين يرتفع بوتيرة كبيرة. تشير دراسة لمؤسسة كارنيغي إلى أن العلاقات الاقتصادية المغربية الروسية تشمل قطاعات الفحم والنفط والصيد البحري والطاقة النووية، ونشرت وكالة رويترز تقارير عن استيراد روسيا شحنات بنزين من المغرب، في ظل نقص البنزين، بعد تعرض مصافٍ روسية لهجمات بالطائرات المسيّرة الأوكرانية وتراجع إنتاجها. في الاتجاه المعاكس، تحدثت تقارير أيضًا عن ناقلات تحمل الديزل الروسي متجهة إلى المغرب، ومع العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، توسعت تجارة النفط الروسي عبر ما يعرف بـ”أسطول الظل”، وهو شبكة من ناقلات النفط تستخدم ترتيبات ملكية وتأمين ونقل معقدة لتجاوز القيود المفروضة على صادرات النفط الروسية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وكان المغرب المستقل بقراره الاقتصادي والسياسي السيادي، ضمن الأسواق التي استقبلت شحنات ضخمة من النفط الروسي. هذا التداخل في المصالح التجارية والطاقوية يبرز أيضًا في الاتفاق الجديد للصيد البحري، والذي يتيح للأسطول الروسي إمكانية رفع الحصة إلى 100 ألف طن. نحن إذن أمام مصالح اقتصادية ملموسة، واتفاقات تجارية وبحرية وطاقوية، وتعاون مكثف في قطاعات استراتيجية، ما يؤكد أن العلاقات المغربية الروسية أعمق من اختزالها في تصويت داخل مجلس الأمن، وأن السرديات التي يروج لها ناشطون انفصاليون على وسائل التواصل مضللة.
المغرب، الذي يطور اليوم مشاريعه المينائية الكبرى، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة على ضفاف الأطلسي، لا ينظر إلى موقعه الجغرافي الجيوستراتيجي باعتباره مجرد منافذ بحرية تجارية، بل منصاتٍ استراتيجية متقدمة لربط الأسواق الإفريقية والأوروبية والأمريكية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع دوره في سلاسل الإمداد العالمية. ومن يعتقد أن الفيتو الروسي يعني بالضرورة أن موسكو انتقلت إلى معسكر الجزائر ضد المغرب، أو أن العلاقات بين الرباط وموسكو أصبحت رهينة تصويت واحد، فإنه يختزل المشهد الدولي في قراءة ثنائية لا تعكس حقيقة المصالح المتشابكة بين المملكة وروسيا، التي تقدم، في رأيي، إشارات واضحة لانفتاحها على تسوية نهائية، تكرّس الواقع الحالي. ومن يراهن على عرقلتها لحركة التغييرات الدبلوماسية والاقتصادية والتنموية التي يقوم بها المغرب في صحرائه، فهو واهم. إن الهواجس التي يثيرها البعض بشأن احتمال عودة الحرب، وما قد يترتب عليها من تعطيل لمسيرة التنمية والاستقرار والرخاء في الصحراء المغربية، قراءة متشائمة تتجاهل، حسب وجهة نظري، التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة خلال نصف قرن، والمعطيات التي قدمتها عن تطور علاقات المغرب مع روسيا وانشغال الجزائر بمستنقع النيجر وجنوب ليبيا. ثم إن مغرب اليوم ليس مغرب السبعينيات. جبهة البوليساريو تعتمد على أسلوب حرب العصابات ومحاولة التسلل، على طريقة جماعات الجريمة المنظمة والتهريب والتنظيمات الإرهابية. وحتى عندما لجأت، بعد خروجها من اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، إلى إطلاق صواريخ غراد ومقذوفات دربهم عليها قبل سنوات خبراء عسكريون من حزب الله وإيران، لم تتمكن من تحقيق هدفها، وهو العودة بالمنطقة لأجواء الحرب والصراع المسلح. إن القدرات العسكرية والتكنولوجية الحديثة للجيش الملكي المغربي كفيلة بإحباط أي تحركات كهذه، كما تمكّن من مراقبة الحدود مع موريتانيا وجنوب غرب الجزائر بالأقمار الصناعية العسكرية، وتوظيف الطائرات المسيّرة، ومنظومات الدفاع الجوي والردع الحديثة في صد الأعمال الحربية العدائية. العقيدة الدفاعية الحالية، وأدوات حماية الحدود وتأمين المنشآت والبنية التحتية والمراكز الحضرية، تجعل استحضار سيناريوهات تكرار ما حدث في السبعينيات والثمانينيات أمرًا غير وارد. والأهم أن الصحراء المغربية، منذ أن دخلت في دينامية مبادرات الملك محمد السادس السياسية والدبلوماسية والتنموية، لم تعد مجرد رقعة جغرافية تعاني من نزاع سياسي وعسكري، أو مجالًا لاستقطاب دولي أو إقليمي، يرهن معه مستقبل السكان والإقليم وكامل دول الجوار في جمود وبيروقراطية الأمم المتحدة والتمديد التقني والتسيير الروتيني للأزمات من طرف مجلس الأمن. بل أصبحت قبلة لمشاريع تنموية ضخمة واستثمارات في البنية التحتية والموانئ والطرق السريعة البرية وفي المؤهلات السياحية لجذب ملايين السياح في السنوات المقبلة. استثمارات ترتبط بها مصالح جوهرية يتجاوز نفعها وتأثيرها حدود مملكة “تمتلك اليوم بوضوح اليد العليا عسكريًا ودبلوماسيًا وسياسيًا”، يقول معهد الدفاع السويدي، في إشارة إلى التحول الذي طرأ على موازين القوى وحركة التغييرات خلال السنوات الأخيرة. المينورسو مشروع الانفصال ملف الصحراء المغربية
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة