المغرب
سياسة

حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان: بين الأمن المعجل والحقوق المؤجلة

العمق المغربي4 نونبر 2026 في 10:120 مشاهدة
حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان: بين الأمن المعجل والحقوق المؤجلة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان.. أمن معجّل وحقوق مؤجلة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أعلنت لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني مؤخراً عن إطلاق مشروع «الخطة الوطنية لحوكمة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان»، بهدف تنظيم الأوضاع الأمنية والإدارية والخدماتية في المخيمات. إلا أن المعلومات المتسربة حول الخطة تثير تساؤلات جدية حول أهدافها، إمكانياتها، ومآلاتها، خاصة وأنها لم تُناقش مع أي طرف فلسطيني حتى الآن. تشير القراءة الأولية لعناوين الخطة إلى أنها صيغت بخلفيات تعيد إنتاج المقاربة ذاتها في التعامل مع الوجود الفلسطيني، مما يوسع الفجوة بين حق لبنان في فرض سيادته وحق اللاجئ الفلسطيني في حياة كريمة.

بعد أكثر من سبعة عقود على اللجوء الفلسطيني إلى لبنان، لم تعد المقاربة التقليدية للدولة اللبنانية مبررة كاستجابة مؤقتة. فقد أثبتت التجربة أن استمرار السياسات والأدوات ذاتها لم يعالج الأزمة بل عمقها، مما يفرض الانتقال من إدارة الملف بالوسائل التقليدية إلى مراجعة مسؤولة لطبيعة العلاقة مع اللاجئين الفلسطينيين.

أظهرت التجربة التاريخية أن إخضاع الوجود الفلسطيني لقيود قانونية وإدارية واسعة لم ينتج استقراراً، بل كرس الهشاشة والتهميش وأضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على تلبية احتياجاته الأساسية. كما أن التعامل المستمر مع اللاجئين من منظور أمني وسياسي ضيق يحجب البعد الإنساني لقضيتهم، ويحول دون رؤية واقعهم كمسؤولية تتطلب معالجة متكاملة. لذا، تبرز ضرورة إعادة تعريف العلاقة اللبنانية الفلسطينية على أساس الاعتراف بإنسانية اللاجئين وحقوقهم وخصوصية قضيتهم، في إطار احترام القوانين والأنظمة اللبنانية.

لا يجب تقديم السيادة اللبنانية والمسؤولية الإنسانية كمسألتين متعارضتين. فحماية حقوق اللاجئين لا تعني المساس بسيادة لبنان، كما أن رفض التوطين لا يبرر حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية. المطلوب صياغة معادلة متوازنة تحترم مصالح لبنان الوطنية، وتضمن للاجئين الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، وتفصل بوضوح بين هذه الحقوق وحقوقهم الوطنية، وفي مقدمتها حق العودة. وهو حق لا ينتقص من الحقوق اليومية للاجئين، بل إن صون كرامتهم وهويتهم وتعزيز صمودهم يشكل جزءاً من التمسك به، وهو مسؤولية فلسطينية ومصلحة لبنانية مشتركة.

ينبغي ألا يحصر التعامل مع المخيمات بالاعتبارات الأمنية، فهي ليست مجرد تجمعات سكانية، بل مجتمعات قائمة لها مؤسساتها واحتياجاتها. ويتعين إدراج قضاياها ضمن السياسات العامة، والعمل على معالجة الفقر والبطالة والاكتظاظ وتراجع الخدمات. فهذه المشكلات لا تقتصر آثارها على الجانب المعيشي، بل تؤثر مباشرة في الأمن الاجتماعي والاستقرار. وأي استراتيجية أمنية لا تترافق مع معالجة أسباب الهشاشة والتهميش ستبقى محدودة النتائج.

تقتضي المعالجة المستدامة بناء شراكة لبنانية فلسطينية، تشارك فيها الدولة والمرجعيات الفلسطينية والفصائل والقوى الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني. فلا يمكن وضع خطط قابلة للتنفيذ دون إشراك الفلسطينيين في تحديد الأولويات وصياغة الحلول. كما لا يجوز أن تتحول الشراكة إلى ذريعة للتنصل من مسؤولية الدولة اللبنانية، التي تبقى مسؤولة عن توفير الإطار القانوني والمؤسساتي الناظم للحياة العامة.

يزيد غياب مرجعية فلسطينية موحدة للتواصل مع الدولة من تعقيد العلاقة وتشتت المسؤوليات. لذلك، يشكل توحيد الموقف الفلسطيني وتطوير إطار تمثيلي ومؤسساتي مصلحة مشتركة. لكن ليس من المنطقي تحميل الجانب الفلسطيني وحده مسؤولية غياب التوافق بسبب انقساماته، في حين تشهد الساحة اللبنانية بدورها انقسامات سياسية. والمطلوب معالجة هذه الانقسامات على الجانبين، والتوافق على رؤية لبنانية واضحة ومستقرة تجاه اللاجئين.

ينبغي أن تتجاوز السياسة الرسمية حدود المخيمات، إذ يعيش قسم واسع من اللاجئين الفلسطينيين خارجها، وتختلف ظروفهم القانونية والاجتماعية والمعيشية. ومن هنا، لا يمكن بناء سياسة وطنية شاملة إذا بقيت محصورة بإطار جغرافي وإداري لا يعكس واقع الوجود الفلسطيني بكل مكوناته. وهذا يستدعي مراجعة تشريعية وإدارية تعالج التعقيدات التي تواجه اللاجئين، وتسهل حصولهم على الوثائق اللازمة، وتضمن أهليتهم القانونية وقدرتهم على ممارسة حقوقهم ضمن إطار واضح يوازن بين حقوقهم ومصالح الدولة اللبنانية.

تبقى حماية وكالة الأونروا واستمرار خدماتها مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على الجانب الفلسطيني. ففي ظل ما تتعرض له الوكالة من استهداف سياسي وضغوط مالية، تبرز الحاجة إلى موقف لبناني فلسطيني موحد يدافع عن دورها، ويرفض نقل أعبائها ومسؤولياتها إلى لبنان أو إلى اللاجئين، ويحافظ على دورها بوصفها شاهداً على استمرار قضية اللجوء ومسؤولية المجتمع الدولي تجاهها، إلى حين التوصل إلى حل عادل.

إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإدارة الأزمة، بل الانتقال إلى مقاربة جديدة تقوم على الشراكة والمسؤولية المتبادلة، وتجمع بين احترام سيادة لبنان وخصوصيته، وضمان الحقوق الأساسية للاجئين، وصون هويتهم الوطنية وحقهم في العودة. فاستمرار السياسات القديمة لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، أما بناء علاقة لبنانية فلسطينية متوازنة ومستدامة فيشكل مصلحة مشتركة.

شكلت وثيقة الرؤية التي جرى التوصل إليها عام 2017، بمشاركة عدد من القوى السياسية اللبنانية وبرعاية لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، خطوة متقدمة في مقاربة الوجود الفلسطيني في لبنان. غير أن هذه الوثيقة لم تُترجم إلى قوانين وتشريعات أو سياسات وإجراءات عملية وآليات مؤسساتية للعمل المشترك، وذلك بفعل اعتبارات وخلافات داخلية لبنانية حالت دون الانتقال بها من مستوى التوافق السياسي إلى مستوى التطبيق.

يبقى السؤال الأساسي: هل تمتلك الدولة اللبنانية الإرادة السياسية لمراجعة تجربتها التاريخية في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، والاعتراف بأن السياسات التي اعتمدتها على مدى عقود لم تنجح في معالجة جذور المشكلة؟ فالواقع الفلسطيني واللبناني والإقليمي تغير بصورة كبيرة، بينما السياسات الرسمية اللبنانية تجاه اللاجئين لا تزال على حالها. لذلك، فاللحظة الراهنة تشكل فرصة لإعادة تأسيس العلاقة اللبنانية الفلسطينية على قاعدة جديدة، عنوانها: سيادة لبنان واحترام قوانينه، وكرامة الفلسطيني وصون حقوقه الإنسانية، والتمسك المشترك بحق العودة ورفض التوطين، وبناء أمن اجتماعي مستدام يحمي المجتمعين اللبناني والفلسطيني. إن توسيع دائرة الثقة المتبادلة، وتوفير الضمانات التي تطمئن الفلسطيني إلى جدية الدولة اللبنانية في معالجة قضاياه، من شأنهما أن يبعثا برسائل إيجابية تفتح آفاقا جديدة للحوار والتفاهم. فالعلاقة المستقرة لا تُبنى على تكريس الخوف، بل على الشراكة والعدالة، بما يعزز الاستقرار اللبناني، ويحفظ الكرامة الفلسطينية.

شارك الخبر: