المغرب
سياسة

ميزانية التعليم المغربي: تكرار للماضي وتجاهل للقانون الإطار

اليوم 244 نونبر 2026 في 22:300 مشاهدة
ميزانية التعليم المغربي: تكرار للماضي وتجاهل للقانون الإطار

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ميزانية التعليم: استنساخ خارطة الطريق والانزياح عن القانون الإطار" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في كل عام، يقدم وزير التربية الوطنية عرضاً تفصيلياً لميزانية القطاع أمام البرلمان. ورغم تزايد الأرقام المالية التي تعكس أهمية التعليم في استراتيجية الدولة، واحتواء العروض على إنجازات كمية ومستجدات، إلا أن هناك ارتباكاً استراتيجياً عميقاً يكتنف المنظومة. يمثل التطابق شبه التام بين ميزانيتي التربية الوطنية والتعليم الأولي لسنتي 2026 و2027، رغم اختلاف الحكومات، دليلاً على أن تدبير الشأن التربوي قد خضع لتنميط تقنوقراطي أفرغ السياسة التعليمية من عمقها التشريعي. فقد أسست كلتا الحكومتين، حكومة أخنوش وحكومة المنصوري، رؤيتهما على أنقاض القانون الإطار 51.17، واختارتا التدبير بالمشاريع المعزولة، مما جعل العرض الوزاري مجرد تحيين رقمي لعرض الوزير السابق. هذا التماهي يكشف عن اختلالات نسقية تفسر حالة الاستعصاء التي تعيشها المنظومة التربوية.

أولاً: الانزياح المرجعي بين النموذج التنموي والقانون الإطار

يكمن جوهر الأزمة في التداخل الاستراتيجي بين النموذج التنموي الجديد والمرجعية التشريعية الأصلية. أدى هذا التداخل إلى خطأ استراتيجي في «خارطة الطريق 2022-2026»، التي فضلت الاستناد إلى النموذج التنموي على حساب الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار. وقد اختارت الحكومة الجديدة تبني هذه الخارطة، كما تجاهل البرنامج الحكومي 2026-2031 الإشارة إلى القانون الإطار 51.17 كمرجعية ناظمة. وتكشف المقارنة بين البرنامج الحكومي والقانون الإطار عن فجوة جوهرية، حيث تغيب أحكام بالغة الأهمية مثل:

  1. استقلالية المؤسسات التعليمية: ينص القانون الإطار على إرساء استقلالية مؤسسات التربية والتكوين عبر «مشروع المؤسسة»، بينما لم يشر البرنامج الحكومي إلى هذا المبدأ، بل كرس التدبير العمودي المباشر من المركز عبر مدارس الريادة.
  2. الإطار المرجعي للجودة: أرسى القانون الإطار نظاماً لتقييم علمي ومنتظم، لكن البرنامج الحكومي اكتفى بنظام وطني رقمي لقياس جودة كل مؤسسة تعليمية، وهو ما يعتبر تراجعاً عن ضمان جودة شاملة.
  3. النموذج البيداغوجي: دعا القانون الإطار إلى نموذج يطور الحس النقدي والمواطنة، بينما يفتقر البرنامج الحكومي لما يدعم استقلالية المدرس، بل إن نموذج مدارس الريادة أفضى إلى مدرس منفذ لدروس جاهزة. كما تم تهميش قضية لغات التدريس رغم تداعياتها السلبية على نتائج المغرب في العلوم.

ثانياً: أزمة التخطيط الاستراتيجي والاستنساخ الإجرائي

يغيب عن عرض ميزانية قطاع التعليم لسنة 2027 غياب خطة قطاعية جديدة. فخارطة الطريق 2022-2026، وهي خطة تنفيذية، تم تمديدها ضمنياً لتغطي الفترة 2026-2031 دون إعلان سياسي واضح. هذا يطرح إشكالية تقديم ميزانية دون خطة واضحة، مما يحول الميزانية إلى مجرد أداة لتوزيع الاعتمادات. التطابق بين عرض الوزير برادة يوم 5 نونبر 2025 وعرض الوزير بنعبد الله يوم 3 نونبر 2026 ليس بلاغياً فقط، بل هو تطابق في المضمون أيضاً. فبنية الميزانية في 2027 هي نسخة مطابقة لـ 2026، حيث يستمر تضخم كتلة الأجور مقابل انكماش مستمر في ميزانية الاستثمار (من 6.35 إلى 6.08 مليار درهم بنسبة -4%).

ثالثاً: المقارنة التفصيلية بين عرضي 2026 و2027

تكشف المقارنة الدقيقة عن استمرارية في المنطق التكنوقراطي مع تغييرات شكلية:

  • الميزانية والاستثمار: ارتفعت الميزانية الإجمالية، لكن ميزانية الاستثمار تراجعت بنسبة 4%.
  • الموارد البشرية: انخفض عدد المناصب المخصصة للتوظيف من 20,000 في 2026 إلى 15,590 في 2027، رغم أهمية تجويد تكوين المدرسين.
  • الثانوي التأهيلي: غياب شبه تام في عرض 2027، رغم أنه محور أساسي في البرنامج الحكومي، مع التركيز على المقاربة الكمية دون إصلاح بيداغوجي حقيقي.

رابعاً: غياب الالتزامات الحاسمة في الإصلاح

غابت الالتزامات الحاسمة للإصلاح عن العرض الميزانياتي، مثل تفعيل أدوار اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج، ومراجعة البرامج الدراسية، وإعداد دليل وطني للكفايات الأساسية. كما لم يظهر تقييم دقيق لتجربة «مؤسسات الريادة» لقياس أثرها على مستوى التعلمات.

خامساً: أربع مفارقات كبرى

  1. التمويل وغياب الأثر على التعلمات: الارتفاع المستمر في ميزانية التعليم لا يقابله تحسن في النتائج، مما يطرح إشكالية النجاعة العمومية. يجب الانتقال من منطق «استهلاك الميزانية» إلى منطق «تحقيق الجودة».
  2. التعميم المتسرع لمؤسسات الريادة دون تقييم مستقل: القفز بنسبة تغطية «مؤسسات الريادة» يتم دون تقييم خارجي ومستقل، مما يهدد بتحويلها إلى مجرد واجهة.
  3. التعليم الأولي وأخطار المؤشرات الكمية: استهداف نسبة تمدرس عالية في التعليم الأولي يعد مجازفة، خاصة مع وجود غموض في الأرقام المعلنة وعدم إدماج أطر التدريس في النظام الأساسي الموحد.
  4. اختزال الهدر المدرسي في المعالجة الكمية: الترويج لهدف صفر انقطاع عن الدراسة هدف غير محسوب، خاصة وأن العامل الجوهري للهدر المدرسي هو ضعف التمكن من التعلمات الأساس.

خلاصة: انتصار الإدارة التقنوقراطية على الرؤية السياسية

يؤكد تكرار نفس العرض الوزاري أن الفاعل الحقيقي في قطاع التربية الوطنية هو الإدارة المركزية والتقنوقراطية، وليس الفاعل السياسي. هذه الإدارة تنتج نفس الوثائق والهندسة المالية والمؤشرات الكمية، بمعزل عن التغيير السياسي أو التوجيهات الاستراتيجية. المنظومة التربوية تدور في حلقة مفرغة، حيث تتغير الوجوه الوزارية وتبقى آلة التدبير الميزانياتي تنتج نفس المخرجات المرتكزة على الإبهار الرقمي، بينما تظل المردودية الداخلية للمدرسة العمومية، والإنصاف المجالي، والجودة الحقيقية للتعلمات، قضايا مؤجلة. التحدي الحقيقي هو الخروج من الارتباك الاستراتيجي عبر إعادة الاعتبار للقانون الإطار 51.17، والتحرر من وصاية «خارطة الطريق»، وإخضاع كل البرامج لتقييم مؤسساتي مستقل، وربط الميزانية بالأثر على التعلمات، والانتقال من «الاستنساخ» إلى «الابتكار البيداغوجي».

شارك الخبر: