المغرب
سياسة

الحوار مع الجزائر: هل الشجاعة في الدعوة أم في تسمية الأشياء بأسمائها؟

العمق المغربي5 نونبر 2026 في 10:360 مشاهدة
الحوار مع الجزائر: هل الشجاعة في الدعوة أم في تسمية الأشياء بأسمائها؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "شجاعة الحوار أم شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها؟ مطالبة الرباط وحدها بالصلح" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 5 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

وجهة نظر الحسين خاوتي

5 نوفمبر 2026 - 10:31

تستحق بعض المفارقات السياسية التأمل العميق، فهي تطرح على القارئ أسئلة جوهرية حول معنى المسؤولية الوطنية، وحدود الخطاب السياسي، والفاصل الدقيق بين الموقف الأخلاقي والقراءة الواقعية لموازين العلاقات الدولية. من هذه المفارقات ما صدر عن تحالف اليسار في الجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان، والتي انعقدت عقب اجتماع مجلس الأمن حول قضية الصحراء المغربية، وما تبع ذلك من بلاغ للديوان الملكي.

لقد دعا نداء التحالف المغرب إلى التحلي بالشجاعة السياسية، وفتح قنوات الحوار المباشر مع النظام الجزائري، وإعادة بناء الثقة، وطي صفحة العداء والتصعيد. إن الدعوة إلى الحوار هي قيمة سياسية وإنسانية نبيلة، وبناء المغرب الكبير هو حلم تاريخي جدير بالدفاع عنه. ومع ذلك، فإن نبل المقاصد لا يعفي أصحاب المبادرات من ضرورة التدقيق في الوقائع، ولا يمنحهم الحق في توزيع المسؤوليات بميزان يغفل طرفًا ويضع الطرف الآخر في اختبار دائم لحسن النية.

إن الشجاعة المطلوبة تستحق تحديدًا دقيقًا. فالمغرب، عبر المؤسسة الملكية، قد أعلن مرارًا وتكرارًا استعداده لفتح صفحة جديدة مع الجزائر، ومد يده إلى قيادتها، داعيًا إلى حوار صريح ومسؤول يضع مصلحة الشعبين فوق الحسابات الظرفية والسياسية الضيقة. وتجدد الدعوة الملكية الأخيرة هذا التوجه، مما يجعل طلب الشجاعة من المغرب بعدها بحاجة إلى تفسير سياسي مقنع. فما هي الشجاعة الإضافية التي ينتظرها التحالف من الرباط؟ هل هي في تكرار الدعوة نفسها بصيغ مختلفة، أم في مبادرات جديدة بينما يمتلك الطرف الآخر القدرة على الاستجابة والوسائل الدبلوماسية لفتح صفحة جديدة؟

الحوار هو طريق ذو اتجاهين، واستعادة الثقة عمل يتقاسمه الطرفان. والخطاب الذي يخاطب طرفًا واحدًا يعفي الطرف الممتنع من نصيبه في المسؤولية، سواء كان ذلك عن قصد أو عن غير قصد. قد يرى المدافعون عن التحالف أن الطرف الذي يمتلك الأفضلية الدبلوماسية هو من يملك زمام المبادرة، وأن نقد الدولة من الداخل هو حق أصيل للمعارضة. الشق الثاني صحيح، وتمارسه المعارضة بلا حرج. أما الشق الأول فيحتاج إلى جواب: المبادرة المغربية قد وقعت وتكررت في خطب ومناسبات متعددة، ولم تقابلها الجزائر بخطوة مماثلة. ومن يطالب بمبادرة جديدة بعد مبادرة لم تلقَ جوابًا، فهو في الواقع يطالب بتنازل.

هناك معطيات سياسية تفرض نفسها على أي قراءة موضوعية للعلاقات المغربية الجزائرية. فالمغرب لم يمس وحدة الجزائر الترابية، ولم يجعل من دعم الحركات الانفصالية داخلها سياسة معلنة. في المقابل، تقدم الجزائر لجبهة البوليساريو دعمًا سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا، وتضع ثقلها الإقليمي والدولي في خدمة مشروع الانفصال عن المغرب. هذا الاختلاف في طبيعة المواقف يستحق مكانًا واضحًا في أي تحليل يبحث عن جذور الأزمة. واجب التهدئة يقع على الطرفين، ولا يلغي ذلك الفارق بينهما في أسباب التوتر وأدوات استمراره. ويشهد الخطاب الرسمي على هذا الفارق نفسه: فتصريحات الرئيس عبد المجيد تبون ما زالت تستحضر العلاقة مع المغرب بنبرة تصعيدية تعطل تهيئة شروط المصالحة، وتتبنى المنابر الإعلامية الرسمية الجزائرية منحى عدائيًا في برامجها وتعليقاتها.

تلك المعطيات تعيد السؤال إلى موضعه: لماذا يتجه النداء إلى مطالبة المغرب بالشجاعة، بينما الخطاب الجزائري هو الذي يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بمسؤوليته عن استمرار القطيعة؟ من حق تحالف اليسار أن يدافع عن الحوار، وأن ينتقد اختيارات الدولة، وأن يطالب بإصلاحات داخلية تعزز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذا جزء أصيل من وظيفة المعارضة. ولكن، فإن رصيد المعارضة النقدي يتآكل بفصل الموقف الأخلاقي عن شروطه الواقعية، وبمعاملة العلاقات الدولية بنداء معزول عن موازين المصالح والمسؤوليات. كان المنتظر من التحالف دعوة متوازنة إلى القيادتين، تسمي الوقائع ومصادر التوتر، وتطالب الجزائر بخطوات ملموسة تعكس استعدادًا فعليًا للحوار.

المصالحة هي إرادة متبادلة، ومراجعة للمواقف، واحترام متبادل للسيادة الوطنية. التوقيت يمنح المداخلة دلالة سياسية إضافية: فقد جاءت عقب تطور أممي مفصلي في قضية الصحراء المغربية، وبعد بلاغ ملكي رسم معالم المرحلة المقبلة. المنتظر من خطاب مسؤول أن يقرأ هذه التحولات بموازينها الدبلوماسية، وأن يفرق بين المبادرة إلى السلام والتنازل تحت ضغط النداءات الأخلاقية. المغرب يمد يده إلى الجزائر ولا يطلب شهادة في حسن النية ولا دروسًا متكررة في فضائل التسامح. حاجته إلى إرادة سياسية متبادلة تعترف بجذور الخلاف، وتحترم السيادة، وتطوي سياسات التصعيد والتحريض، وتفتح الباب أمام علاقات طبيعية بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والروابط الإنسانية. والصلح الجدير باسمه هو ثمرة استجابة من الطرف الآخر، ومراجعة لخياراته، وإرادة عملية تنقل العلاقات من الخصومة إلى التعاون. تجديد المبادرة من جهة واحدة في مناسبات متعاقبة لا يصنع الصلح.

لتحالف اليسار أن يدافع عن المصالحة كخيار استراتيجي، وأن يطالب الدولة بالحوار والانفتاح. وله كذلك التزام بالشجاعة السياسية نفسها في تسمية الطرف المسؤول عن استمرار القطيعة، وفي مساءلة الخطاب الذي يغذي العداء، وفي التمييز بين من يمد اليد ومن يصر على إبقائها معلقة. عبء الدعوة إلى الصلح لا ينبغي أن يستقر على كتف المغرب وحده، والحكمة تأبى مطالبة الرباط بالشجاعة في طلب الحوار وإعفاء الجزائر من شجاعة الاستجابة إليه. المصالحة المغاربية تنتظر شجاعة سياسية يتبادلها الطرفان: شجاعة الاعتراف بالحقيقة، وشجاعة مراجعة المواقف، وشجاعة وضع مصلحة الشعوب فوق حسابات الخصومة.

شارك الخبر: