المغرب
ثقافة

من أحياء الصفيح إلى شخصية العام الثقافية: سعيد يقطين يروي رحلته الملهمة في الشارقة

هسبريس6 نونبر 2026 في 12:200 مشاهدة
من أحياء الصفيح إلى شخصية العام الثقافية: سعيد يقطين يروي رحلته الملهمة في الشارقة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من الصفيح إلى "شخصية العام الثقافية" .. يقطين يروي حكاية المسار في الشارقة" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في أولى مداخلاته عقب تكريمه من قبل حاكم إمارة الشارقة، واختياره "شخصية العام الثقافية" في معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي يعد ثالث أكبر معارض الكتاب عالمياً، استعرض الأكاديمي والمفكر المغربي سعيد يقطين مسيرته ورؤاه في مجالات السرد والثقافة الشعبية وراهن الثقافة في المغرب والعالم العربي. خلال جلسة أدارتها شيخة المطيري، وفي كلمته ضمن الدورة الـ45 لمعرض الشارقة للكتاب، أكد يقطين أن "الكتاب فعلاً خير صديق وجليس، ويستضيفنا دائماً؛ وهي استضافة نتعرف فيها على ما يقدمه لنا من وجبات تغذي الروح والفكر، وما يقدمه لنا من كرم وسجايا".

الإنسان ابن بيئته

انطلق يقطين من المقولة القديمة "الإنسان ابن بيئته"، مشيراً إلى أن البيئة التي نولد ونكبر فيها هي مهد رئيسي لحياة الإنسان. وانتقد سعي بعض المغاربة إلى إنكار أصولهم ومدنهم الصغيرة والانتساب إلى الحاضرة دائماً، مؤكداً أن "البادية هي الأصل؛ حيث يعرف الكل الكل، ويتصارعون ويتعاونون… أما المدينة فهي العزلة". وأضاف: "لا إنسان يستطيع التخلي عن طفولته، التي تظل ترافقه طيلة حياته؛ ويظل الطفل الصغير حياً فينا، وقد ولدت في مدينة الدار البيضاء، المسماة باريس المغرب، وهي قلب المغرب النابض، واستضافت كل المغاربة من كل المناطق، فهي مدينة بحرية ذات اقتصاد مهم، وهي تجمع لمختلف القبائل والأسر المغربية التي هاجرت بعد الحرب العالمية الثانية، مما دفع إلى ظهور مدن الصفيح؛ وهي الأحياء الشعبية المحيطة بأحزمة المدينة، وولدت في إحداها".

وأبرز يقطين أن أهم ما يميز مدن الصفيح هو "الحياة المفتوحة، والأسواق الشعبية التي فيها كل شيء يباع، بما في ذلك، في طفولته، الثعالب الصغيرة والفهود والسباع إلى جانب القنافذ عند 'العشّاب'. والحكايات والأغنيات التي تملأ الساحات ويتحلق حول 'حلقاتها' الناس؛ ففيها كان يكون المغنون، من كل المناطق العربية والصحراوية والأمازيغية وحتى فنانون من الجزائر، وكان فيها كل أشكال الفلكلور المغربي تقريبا".

في هذا الفضاء، استعاد المتحدث "مساحة أخرى تبعد عن الصخب والضجيج؛ حيث حلقات أناس مسنين، أتذكر جيدا منها ثلاثا وأنا صغير، فيها رواة السير الشعبية: حمزة البهلوان، عنترة بن شداد، الأميرة ذات الهمة… كان عالماً آخر". وأردف: "استهوتني هذه الحلقات وجعلتني أميل إلى الثقافة الشعبية، كنت وأنا في الابتدائي أنقل الخبز إلى الفرن، وفي انتظار نضجه، أفاجأ بعالم مختلف عن عالم ضجيج حلقات الموسيقى. وكنت أجد دارجة مغربية جميلة، تحافظ على السجع، والمحسنات، وتفصل في وصف الحروب والمعارك وجمال المرأة ومفاتنها… وهي سير يستمر سردها عدة أشهر، وفي كل يوم يروي الراوي جزءاً من السيرة، ويستمر في غده، والذي يليه… من فترة ما قبل العصر إلى المغرب".

من القراءة إلى الجامعة

في هذه الساحات الشعبية بدأ سعيد يقطين يقرأ القصص طفلاً؛ عبر "باعة الكتب على الأرض (…) ومنها كتب السير الشعبية… فكنت أشتري كتاباً وأقرؤه، ولما أنهيه أرده للبائع لأشتري جزءاً آخر من هذه الطبعات المصرية (…) وذلك قبل الانتقال للدراسة في فاس". وزاد: "خلف حينا الشعبي، كانت مقبرة الشهداء، وقربها الجامع الذي درست في 'كتّابه'؛ هكذا عشت بين عالم المكدين والكذب والخداع في السوق، وعالم الدين في الجامع … عشت بين هذين النقيضين… ولو لم أكن، كنت سأكون إما مغنياً بآلة 'الوتار' في سوق شطيبة، أو فقيهاً يقرأ على القبور في مقبرة الشهداء".

من الدار البيضاء و"كارياناتها" أو مدن صفيحها إلى فاس، وجد سعيد يقطين نفسه "في عالم مختلف… حيث كل اللهجات، وحيث المدينة متحضرة، والشباب والأطفال يتحدثون بلغة مهذبة ليست بها رعونة الأحياء الشعبية، وفيها واكبت ما راكمته من حب للكتاب بالدار البيضاء، وصارت حياتي موزعة بين الجامعة والمكتبة". هنا، اختار المكرّم أن يكون معلماً، مع الاستمرار في دراسة الأدب، وطموح لدراسة الاقتصاد أيضاً، تحقق منه شطر التخصص في الأدب العربي.

إشكال عمراني

رغم أن مدن الصفيح كانت فوضى عمرانية أحاطت بالمدن، فإن سعيد يقطين نبه إلى خلقها "أماكن أصيلة في عيشنا"، أهمل خلقها "المسؤولون عن العمران في المدن الجديدة". وهكذا، "صارت المراكز التجارية الضخمة هي الأماكن السائدة في العالم العربي بما في ذلك المغرب"، واعتبر هذه "المولات" "مدينة جديدة مختلفة عن المدينة العربية الأصيلة". ثم استرسل قائلا: "في فاس كنا نجد فاس العتيقة، وهي في باطن الأرض، واستحدثت الدولة المرينية دولة أخرى فصرنا نتحدث عن فاس الجديد، والمدينة الجديدة استحدثها الاستعمار… والهجرة والفقر أديا إلى ظهور مدن هامشية… وكل مدينة من هذه المدن لها تراثها وثقافتها، وخلقت ناسها بعاداتهم وأفكارهم… أما المدن الحديثة اليوم فمدينة واحدة… حتى الأحياء الشعبية الصفيحية أزيلت من الدار البيضاء… وحيّي لم يعد موجوداً، وصرنا أمام مدينة واحدة، يغيب فيها السوق الشعبي الذي يجمع المواد التقليدية والأصيلة، وصرنا نشتري كل ما هو تقليدي من المحلات التجارية العصرية بدل الاضطرار إلى الولوج إلى المدينة العتيقة، مع ما لذلك من طعم".

وتابع منتقداً "سياسة العمران" التي تختار أن يبنى "كل فضاء فارغ بالإسمنت، مع التفريط في الساحات العمومية التي كثيراً ما تصبح مواقف للسيارات"؛ لأن هذا يطرح إشكال "أين يقضي المواطن يومه في المدينة العصرية غير المراكز التجارية؟ أي: أين ساحات اللعب، والفرجة، والمرح؟". وشدد الأكاديمي على الحاجة المجتمعية إلى "إعادة الأنشطة القديمة في صور جديدة" مثل حلقات الحكي والفلكلور التي "رغم فوضويتها المنظمة قديماً، فإنها يمكن أن تصير فضاء يغني الأطفال؛ لأن ما نلاحظه في حياتنا أنه مع الزمن يزداد الإنسان خبرة في الحياة، لكن يزداد ضعفاً في معرفة من هو".

هل الثقافة الشعبية فعلاً مهمشة؟

فرّق سعيد يقطين بين "عدم الاهتمام" الأكاديمي وبين "التهميش"، مورداً أن "الثقافة الشعبية عندما ننظر إلى واقعها وشروطها، نجد أنها لم تكن مهمشة؛ بل إن تداولها كان مقصوراً على الوسيط الشفاهي، وينتجها أصحابها ويتفاعلون معها والأجيال تتربى عليها… ولو اختلفت الثقافة العالمة، لأن لكل ثقافة شروطها". وواصل: "الثقافة الشعبية ليست هامشاً، بل هي موضوع لم يتم الاهتمام به، لأن الثقافة العالمة كانت أساس تربية المواطن للتفاعل مع ما هو كتابي … في القضاء والمحاماة والأستاذية والفقه… أما الثقافة الشعبية فكانت تؤهل لمهن شعبية مثل الحدادة والفلاحة وهي ليست أعمالاً هامشية… لكن 'علينا إعطاء هذه الثقافة ما تستحقه من عناية… فالتربية على القيم الأصيلة للمجتمع كامنة في الثقافة الشعبية.. وأي مبدع حقيقي ليست له علاقة بثقافته الشعبية المحلية لا يمكنه إنتاج أدب يستحق العالمية'". ونبه يقطين إلى أن في "الاهتمام بالثقافة الشعبية إعادة روح العلاقات التي نفتقدها، والمحلية الخاصة جداً التي على أدبنا أن يتميز بها، وبدونها لا عالمية (…) طبعاً، علينا التفاعل مع العالم الخارجي… لكن علينا طرح أسئلتنا، التي بدونها لن ننتج أدباً جديراً بالاعتراف منا أولاً، قبل غيرنا".

عزلة الهاتف وتسونامي الرواية

قال سعيد يقطين، خلال الجلسة الحوارية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب، إنه لا يهتم بسؤال "كيف سيكون الذكاء الاصطناعي؟ بل بسؤال: كيف أخلق جيلاً قادراً على التفاعل مع الكتاب؟"؛ لأنه "ينبغي أن نطرح أسئلة الرواية التي تفيد الجيل المقبل، والكتابة القصصية التي علينا خلقها من أجل ذلك". لماذا؟ أجاب الأكاديمي: "لأننا معزولون، وهي عزلة توحدنا عند الدخول إلى عوالم الهاتف… وتتركنا عبيداً أو مدمنين على عالم لا يسمح لنا بالتفكير… وعلى الكتاب والمثقفين الاهتمام والتفكير في هذا… وعلى الجلسات والأنشطة التوجه إلى موضوع خلق أفق ثقافي جديد، بدونه سنظل بعيدين عن الارتقاء للإفادة من العصر الذي نعيش فيه، وكلما بعدت علاقتنا مع عصرنا، سنكون ضحايا ما يفرضه الآخر المتطور علينا، مثل الحال الذي نحن عليه اليوم".

الباحث المغربي، المؤمن بأن "الفضول المعرفي قيمة إنسانية تتعالى عن الزمان والمكان"، ذكّر بالنظريات التي تكشف أن "السرد يسبق اللغة… لأن تشكل البنيات السردية عند الإنسان يتمّ قبل البنيات النحوية والتركيبية؛ فيكتشف الطفل الحركة والحدث، ويدرك الأشياء المحيطة به مثل إلى أين يؤدي الباب. وبعد ذلك يسمي كل هذا… فيأتي الفعل الكلامي لاحقاً". وتابع: "السرد الذي نمارسه، نمارسه باعتباره نوعاً من الأنواع الأدبية المتصلة بالقصة، لأننا تعاملنا مع هذه الأخيرة كما جاءتنا من الثقافة الغربية… ثم صرنا نكتشف ما عندنا فنقرأ المقامات وقصص الحيوان والقصص الشعبية (…) ونتابع السينما (…) ونقرأ رواية الطبيب والمهندس والعامل والعاطل.. لا أدب الأديب فقط"؛ لأن السرد سابق على الرواية، التي هي شكل سردي يستجيب لعصره. لكن هذا لا ينفي، وفق المتخصص، "وجود تسونامي الرواية في العالم العربي، دون إعلام يواكب الروايات ويعرفنا بها، ودون نقد يكشف خصوصياتها وتميزها، حتى صارت الجوائز هي التي تعرفنا ببعض النصوص التي تنتج سنوياً في الوطن العربي، وهذا نقصٌ في ثقافتنا". وزاد: "في فرنسا مثلاً، مع الدخول المدرسي يوجد الدخول الثقافي، فتكتشف الروايات الجديدة، والإعلام يتحدث عنها، والجامعة توجه الطلاب إلى هذا الخصوص، وتنظم القراءات ويحضر الروائي والناقد، ويتناقشون في الإعلام المرئي، ويكون لهذا صدى في الإعلام المكتوب.. بينما لنا كتاب وكاتبات حقيقيون، وقد تلعب سلطة ما دوراً في التعرف على أحدهم… ولا أتعرف على روائيين ونقاد شباب مغاربة إلا خارج المغرب عند حصولهم على جوائز… وأتأسف لأني لم أتعرف عليهم من قبل، وسبب ذلك غياب المؤسسات التي يمكن أن تربط العلاقات بين الكتاب في تقاليدنا… مثل دور اتحاد كتاب المغرب لما كان مؤسسة قوية، ودور الإعلام لو لم يكن مشتتاً، ودور الجامعة لولا أن كلا من جامعاتنا لا تعرف ما يجري في الأخرى". وختم مؤلف كتاب "النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية" بقوله إنه في المنطقة المتحدثة باللغة العربية: "العصر الرقمي كان يمكن أن يلعب دوراً في توحيدنا، على الأقل ثقافياً وأكاديمياً وإعلامياً".

شارك الخبر: