المغرب
ثقافة

شرطة الأخلاق الوهمية: من يمنح هؤلاء الحق في إصدار أحكام الفضيلة؟

العمق المغربي6 نونبر 2026 في 21:140 مشاهدة
شرطة الأخلاق الوهمية: من يمنح هؤلاء الحق في إصدار أحكام الفضيلة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "شرطة الأخلاق: من منح البعض حق توزيع شهادات الفضيلة؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مجتمعاتنا، تظهر أحيانًا ما يمكن تسميتها بـ "شرطة الأخلاق"، وهي أفراد يفرضون رقابتهم على الآخرين دون أن يكون لديهم أي صفة رسمية أو قانونية. هؤلاء الأفراد، الذين يعينون أنفسهم بأنفسهم، يستخدمون نظراتهم وكلماتهم للحكم على سلوك الناس في الأماكن العامة والخاصة. إنهم يتصرفون بثقة وكأنهم تلقوا تفويضًا إلهيًا، بينما تظل الجهة المانحة لهذا التفويض مجهولة.

من حق كل إنسان أن يتمسك بقناعاته ويعبر عن رأيه في السلوكيات التي تخالفها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القناعات إلى وصاية، ويصبح صاحبها مراقبًا يحاكم الآخرين ويطالبهم بالالتزام بتصوره الخاص للأخلاق. هذا النوع من الوصاية، الذي يمارسه أفراد بلا صفة أو تكليف، يجعل من قناعاتهم معيارًا مطلقًا لتصنيف الناس والحكم على سلوكهم. يرون أن فرض هذا التصور على المحيطين بهم واجب، وأن أي اختلاف معه هو انحراف يستحق التقويم أو الإدانة.

مع مرور الوقت، تتحول هذه المراقبة إلى عادة، ويصبح البحث عن أخطاء الآخرين جزءًا أساسيًا من علاقة الفرد بمحيطه. غالبًا ما تنشأ هذه الظاهرة من تربية تقوم على الامتثال والخوف من الاختلاف، وتقديس للعادات والتقاليد، مما يرسخ قناعة بأن حماية المجتمع تمر عبر نموذج أخلاقي واحد. في العديد من البيئات، تختلط القيم الإنسانية الأصيلة بالعادات والتصورات الموروثة، وتتحول الخيارات الاجتماعية الخاصة إلى أحكام أخلاقية عامة.

تُعد الثقافة الأبوية بيئة خصبة لهذه الوصاية، حيث يشعر الأب والأخ والجار بأن لديهم تفويضًا بتوجيه الآخرين ومراقبتهم. تتجلى هذه الوصاية في تفاصيل الحياة اليومية: جار يحصي من يصوم ومن يفطر، وقريب يعلق على ملابس ابنة العائلة، وعابر يسأل عن رفيقة صديقه، وزميل يحاسب على ما يقرأه شخص آخر. الفعل الذي يحاكمونه غالبًا ما يمس صاحبه وحده، والأذى الوحيد في هذا المشهد يصدر عن هؤلاء المحاكمين. إن هذا الانشغال بحياة الآخرين يكلف المجتمع طاقات كان يمكن توجيهها لمعارك أهم. فالشخص الذي ينشغل بمراقبة ملابس الناس وصيامهم وصحبتهم، يوفر بذلك عينًا ساهرة على الفساد والظلم والاحتكار، ويمنح أصحاب النفوذ راحة مجانية. فالاستبداد يفضل مجتمعًا مشغولًا بتفاصيل حياته الخاصة عن قضاياه الحقيقية.

تكمن المفارقة الصارخة في أن الخطاب الأخلاقي غالبًا ما يتناقض مع ممارسات أصحابه. فبينما يدافع المرء عن الفضيلة بالإهانة والتشهير، ويدعو إلى احترام القيم بانتهاك كرامة المخالفين، فإنه يتسامح مع أخطائه ويواجه أخطاء الآخرين بقسوة شديدة. ينشغل بتفاصيل حياتهم الخاصة، ويغفل عن قيم أساسية مثل الصدق والعدل والرحمة والتواضع في علاقاته اليومية. فما هي القيمة الأخلاقية لخطاب يدافع عن الفضيلة بأساليب تناقض جوهرها؟

لقد منحت المنصات الرقمية هذه الشرطة الوهمية منبرًا وجمهورًا واسعًا. يكفي مقطع فيديو مجتزأ أو موقف عابر لينعقد المجلس، وتتحول هفوة بسيطة إلى حكم شامل على صاحبها. تتسابق الجماعات إلى إعلان نقائها، وتصدر أحكامها قبل التثبت، وتؤجل الإنصاف إلى وقت لا يأتي. حتى في التراث الديني نفسه، نجد ما يضيق على هذا السلوك. فقد جاء النهي عن التجسس صريحًا في قوله تعالى «ولا تجسسوا» (الحجرات: 12)، ونفى القرآن عن النبي صفة المسيطر على الناس (الغاشية: 22)، وروى مسلم في صحيحه أن من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة. وإذا لم يملك صاحب الرسالة صفة المسيطر على الناس، فمن أعطاها لهؤلاء؟ الوصي يخالف بممارسته الأصل الذي يتكئ عليه.

مع ذلك، فإن الإنصاف يفرض التمييز بين النقد الأخلاقي والوصاية. للإنسان أن يناقش السلوكيات وينتقدها ويقدم حججه، وللمسؤولية الاجتماعية أن تواجه الأفعال التي تلحق الضرر بالآخرين. هذا الحق يختلف تمامًا عن ادعاء السلطة على اختيارات الناس وضمائرهم. منح الفيلسوف جون ستيوارت ميل حرية الفرد مكانة أساسية، ورأى أن تدخل المجتمع في خيارات الفرد لا يجد مبررًا إلا في منع الضرر عن الآخرين. السؤال الذي يفصل بين الحالتين بسيط: هل أصاب الفعل غير صاحبه بضرر؟ إن حدث ذلك، فللمجتمع أن يتدخل. وإن اقتصر الفعل على اختيار شخصي يخالف الذوق أو العرف، فالوصاية تُعد عدوانًا على حرية قائمة.

قد يعترض الوصي بأن الفعل الخاص يمس نسيج المجتمع القيمي، وأن التساهل مع الفرد اليوم يهدم قيم الجماعة غدًا. هذا الاعتراض يستحق الجواب، لأنه يحمل شيئًا من الحق: للجماعة قيم تتوارثها ولها أن تدافع عنها. غير أن الدفاع عن القيم يمر بالإقناع والتربية والقدوة الحسنة، ويفقد شرعيته إذا مر بالتفتيش والتشهير. والضرر المعتبر هو الذي يصيب إنسانًا بعينه في جسده أو ماله أو سمعته أو حريته. أما انزعاج الذوق العام من لباس أو عقيدة أو صحبة، فهو يصنع غضبًا ولا يصنع ضحية. ولو جاز اعتماد الانزعاج معيارًا، لوجد الاستبداد حجته الجاهزة في أي ذوق عام يضيق بمخالف.

ثمرة هذه الوصاية معروفة: نفاق يزدهر، واختيارات تختبئ خوفًا من الإدانة، وثقة متبادلة تضعف، وحوار يضيق. وإذا تحولت العلاقات الإنسانية إلى مراقبة ومحاكمة، فقدت الأخلاق وظيفتها التربوية والإنسانية، وانقلبت أداة للضبط والإقصاء. تستعيد الأخلاق معناها الإنساني بمساءلة الذات أولاً. الحوار يسبق الإدانة، واحترام الاختيار يسبق طلب الامتثال. تحتاج الأخلاق إلى النقد والحجة والقدوة، وتحتاج معها إلى التواضع والرحمة واحترام الكرامة الإنسانية. للإنسان باب داخلي يفتحه صاحبه بإرادته. من اقتحمه بالتفتيش والمحاكمة كسر القفل، وأفسد ما أراد حراسته. الضمير يستقيم بالإقناع والقدوة والرحمة، ويحتاج إلى من يطرق ويصبر.

شارك الخبر: