المغرب
منوعات

المصعد: مرآة المجتمع وكشف لأقنعة البشر في رحلة عمودية

هسبريس6 نونبر 2026 في 22:100 مشاهدة
المصعد: مرآة المجتمع وكشف لأقنعة البشر في رحلة عمودية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المِصْعَدُ" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يصف المقال المصعد بأنه عبقرية خبيثة، لا يتحدث ولا يكتب بيانات، بل يفتح فمه المعدني ليأخذ الناس في رحلة تكشف عن أوهامهم ومقاماتهم الاجتماعية، وعطورهم، وغضبهم، وقلقهم، وضعفهم أمام الآخرين. ففي الخارج يبدو الإنسان حراً، لكنه في المصعد يتحول إلى مشروع انضباط فاشل داخل مساحة محدودة. المصعد ليس مجرد آلة للصعود، بل هو غرفة اعتراف عمودية، حيث يدخل الإنسان بكامل كرامته ويخرج بعد لحظات وقد راجع طبقته الاجتماعية وعلاقته بجيرانه وموقفه من الدولة. تظهر الأخلاق عارية في المصعد، من رجل يضغط على الزر بجدية مفرطة، إلى امرأة تحمل خبزاً، وطفل يلمس الأزرار، وساكن الطابق الأول الذي يستدعي المصعد كأنه طلب سيارة إسعاف، ثم يعدل مظهره قبل الخروج بانتصار زائف. أما ساكن الطابق الثامن فيراقبه بنظرة فلسفية تتساءل عن سبب العيش مع هؤلاء.

تختلف لهجة المصعد حسب مستوى العمارة؛ ففي العمارات الراقية يتحدث بصوت ناعم كأنه موظف استقبال فندقي، بينما في العمارات المتعبة يصرخ ويهتز ويتنهد، مما يعطي شعوراً بأن الرحلة تحتاج لوصية. يدخل الناس مؤمنين بالتكنولوجيا، ويخرجون أقرب إلى التصوف. يختصر المصعد الدبلوماسية، فكلمة "صباح الخير" تبدو عملة رخيصة، والرد يأتي بنصف فم، والعيون تهرب إلى الأرقام الحمراء، والجميع يراقب الصعود كأنه يتابع نتائج انتخابات.

تعتبر المرآة داخل المصعد جهازاً أمنياً خطيراً، لا تراقب الوجه فحسب، بل تفضح التعب والبطن والكذبة الصباحية "أنا بخير". قد يدخل رجل غاضباً من العالم، يرى شعره في المرآة، فينسى غضبه ويهاجم خصلة متمردة، ليصل إلى طابقه وقد أصلح رأسه وفشل في إصلاح حياته. المصعد صندوق يعلمنا كم نحن ضيقون، ومكان لمساواة كاذبة، حيث يجتمع المدير والحارس والطالب والأستاذ والجارة كثيرة العطر وصاحب الكلب وعامل التوصيل في صندوق واحد، لا يملك فيه أحد مساحة للعظمة. البدلة الغالية تلتصق بكيس القمامة، والعطر الفرنسي يختلط برائحة السمك.

يعلمنا المصعد معنى السلطة الناعمة، فمن يقف قرب لوحة الأزرار يصبح "وزير النقل"، يطلب منه الجميع الطوابق، ويضغط ببرودة، ويشعر بأهمية نادرة. إذا أخطأ مرة وأخذ الجميع إلى طابق خاطئ، لا يعتذر، بل يرفع حاجبه كأن الشعب لم يفهم الخطة. المصعد ليس مجرد وسيلة صعود، بل هو اختبار للمدنية، يكشف من يترك الباب مفتوحاً، ومن يهرب بعينيه، ومن يحتل المكان بجسده وصوته وحقيبته. وجوه مهذبة في قفص كهربائي.

نحن لا نسكن العمارات فقط، بل نسكن المصاعد أيضاً. في تلك العلبة الضيقة، يظهر المجتمع بحجمه الحقيقي: قليل من المجاملة، وكثير من التوتر. طبقات تصعد وطبقات تنزل. يملك المصعد قدرة نادرة على تحويل الجسد إلى قضية عامة. شخص يدخل بحقيبة كبيرة لا يقول شيئاً، لكن الحقيبة تقول كل شيء، تحتل نصف المساحة، وتضرب ركبة رجل هادئ، وتخدش حذاء امرأة أنيقة، بينما يتصرف صاحبها كأنها غير موجودة. ثم يأتي صاحب الهاتف، يدخل كأنه يدخل مكتبه الخاص، ويبدأ مكالمة بصوت عالٍ، نعرف اسم أمه، مشكلة البنك، أن خالته لم ترسل الوصفة، وأن المدير شخص صعب، وفي عشرين ثانية يمنحنا سيرة عائلية مجانية لم نطلبها، ولا أحد يجرؤ على إيقافها.

في المصعد يظهر نوع خاص من الشجاعة: شجاعة النظر إلى الأرض. الجميع يدرس البلاط كأنه كتاب مقدس. رجل ينظر إلى حذائه كأنه يراجع رسالة دكتوراه، وامرأة تفتح هاتفها دون شبكة وتمرر إصبعها على شاشة ميتة. حين ينحشر الإنسان، تظهر حقيقته. الأطفال في المصعد فلاسفة الفوضى، يسألون بصوت واضح: لماذا هذا الرجل أصلع؟ لماذا نحن واقفون مثل السردين؟ الأم تحترق، والأب ينظر إلى السقف، والطفل ينجز ما عجز عنه المثقفون: يقول الحقيقة في مكان عام، من غير ورقة بحثية، من غير ندوة، وبدون خوف.

يصبح المصعد في المباني الإدارية امتحاناً طبقياً دقيقاً. الموظف الصغير يترك المدير يخرج أولاً، والمدير لا يقول شكراً لأنه يرهقه. تحمل السكرتيرة ملفات أكبر من راتبها. يعرف الجميع ترتيبه داخل الصندوق، حتى الهواء يوزع نفسه حسب المنصب. لا يحب المصعد الرومانسية أيضاً؛ فعاشقان يدخلان ممسكين بأيديهما، ليكتشفوا فجأة أن الحب يحتاج مساحة، فتأتي امرأة مسنة بينهما، ثم يدخل عامل توصيل يحمل بيتزا، فينتهي المشهد، ويتحول الغزل إلى إدارة لوجستية، وتنفصل اليد عن اليد، وينتظر الحب الطابق المناسب.

في كل مصعد توجد لحظة خيانة صغيرة: لحظة يُفتح الباب فيرى الداخلون أنه ممتلئ. تقول الوجوه: "لا تدخل". يقول اللسان: "تفضل". يفهم الداخل الخديعة، لكنه يدخل مع ذلك. الكل يتقلص، والكل يندم، لينغلق الباب على مأساة مهذبة اسمها المجاملة. حضارة معلقة بين زرين.

ماذا يقول عنا مصعد نحتاج داخله إلى كل هذا التمثيل؟ أي مجتمع هذا الذي يصعد عشرة طوابق ولا يرتفع أخلاقياً سنتيمتراً واحداً؟ لماذا نطلب التقدم ونحن نعجز عن ترك مساحة صغيرة لجار يحمل كيساً؟ كيف نثق بخطابات كبيرة عن المدنية، وصاحب الخطاب نفسه يغلق باب المصعد في وجه امرأة تركض؟ أليس المصعد في النهاية بلداً صغيراً، والزر سلطة، والمرآة إعلاماً، والركاب شعباً قلقاً؟ ثم بعد كل هذا الصعود والنزول، هل بلغنا الطابق المطلوب فعلاً، أم ما زلنا عالقين في الطابق الأرضي من الأخلاق؟ لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

شارك الخبر: