معاناة مرضى زاكورة النفسيين: دعوات لضمان الحق في العلاج والرعاية في ظل غياب البنيات الأساسية


هذا الخبر بعنوان "معاناة المرضى النفسيين بزاكورة تفتح ملف العدالة المجالية والحق في العلاج والإيواء" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 7 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تثير أوضاع الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية ويتجولون في شوارع مدينة زاكورة وعدد من الجماعات التابعة للإقليم، إشكالات عميقة تتجاوز مظاهر الهشاشة الاجتماعية لتطرح أسئلة جوهرية حول الحق في العلاج والرعاية والإيواء. يصف فاعلون حقوقيون وجود خصاص كبير في البنيات والخدمات الصحية والاجتماعية الموجهة لهذه الفئة، بالإضافة إلى صعوبات جمة في الولوج إلى خدمات الطب النفسي، خاصة في المناطق النائية عن مركز الإقليم.
في هذا السياق، دعا عبد الله ايعيش، الفاعل الجمعوي والناشط الحقوقي بزاكورة، إلى تبني مقاربة حقوقية ومؤسساتية في التعامل مع هذه الحالات. وأكد ايعيش أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية ليسوا موضوعاً للإحسان أو الشفقة، بل هم مواطنون لهم حقوق أصيلة، في مقدمتها الحق في العلاج والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية، وصون الكرامة الإنسانية.
وأوضح ايعيش، في تصريح لجريدة “العمق”، أن التعامل مع هذه الفئة من منظور حقوقي يستلزم تجاوز التوصيفات التي تحمل طابعاً وصمياً، والانتقال إلى مساءلة الظروف المؤسساتية والمجالية التي تترك هؤلاء الأشخاص في مواجهة الشارع دون رعاية أو مواكبة منتظمة. واستحضر في هذا الإطار الفصلين 31 و34 من الدستور، المتعلقين بالحق في العلاج والرعاية الصحية وحماية الأشخاص في وضعية هشاشة، معتبراً أن استمرار هذه الأوضاع يعكس خللاً في ضمان العدالة المجالية في مجال الصحة النفسية.
وسجل الفاعل الجمعوي أن إقليم زاكورة، نظراً لامتداده الجغرافي وتباعد جماعاته، يعاني من نقص حاد في الخدمات المتخصصة في الصحة النفسية. وأشار إلى غياب مصلحة دائمة للطب النفسي، وعدم توفر مركز مخصص للإيواء، فضلاً عن النقص في الأدوية الضرورية للتكفل بالمرضى. واعتبر أن هذه الاختلالات تضع عدداً من الأشخاص في وضعيات صحية واجتماعية صعبة دون مواكبة مؤسساتية كافية، وتدفع بعضهم إلى البقاء في الفضاءات العامة في ظروف لا تستجيب لأبسط شروط الرعاية والكرامة.
وفي تشخيصه للجهات المسؤولة عن معالجة هذه الوضعية، شدد ايعيش على أن تدخل السلطات المحلية والجماعات الترابية والمصالح الصحية والاجتماعية يجب ألا يقتصر على المبادرات الظرفية، بل يتعين أن يستند إلى مسؤوليات واضحة وتنسيق مؤسساتي يضمن الحماية والتكفل المستمرين. وفي هذا الصدد، اعتبر أن دور السلطات المحلية والجماعات الترابية ينبغي أن ينصب على حماية الأشخاص الذين يعيشون في وضعية تشرد أو هشاشة، والعمل على توفير شروط الإيواء والمساعدة الاجتماعية، بدلاً من الاكتفاء بتدابير مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة. واستحضر مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، معتبراً أنها تمنح الجماعات الترابية أدواراً في مجال إحداث وتدبير مرافق المساعدة الاجتماعية.
وبخصوص القطاع الصحي، وضع المتحدث مسؤولية ضمان الحق في العلاج على عاتق المصالح الصحية المختصة، مشيراً إلى أن غياب طبيب نفسي قار بزاكورة وعدم توفر جناح متخصص في الطب النفسي بالمستشفى الإقليمي يحدان من إمكانيات التكفل بالحالات التي تحتاج إلى متابعة طبية متخصصة. ودعا قطاع التعاون الوطني إلى الاضطلاع بدوره في توفير المواكبة الاجتماعية والإيواء، والعمل على إعادة ربط الأشخاص المعنيين بأسرهم وذويهم، متى أمكن ذلك، بما يضمن استمرارية الرعاية وإعادة الإدماج الأسري والاجتماعي.
وفيما يتعلق بالتدابير الضرورية لمعالجة هذه الوضعية، طالب ايعيش بإحداث خلية إقليمية دائمة للتكفل بالأشخاص في وضعية هشاشة نفسية واجتماعية، تحت إشراف عامل إقليم زاكورة، تضم ممثلين عن القطاعات الصحية والاجتماعية والجماعات الترابية، إلى جانب الجمعيات المعنية. وتتولى هذه الخلية تنسيق التدخلات وفق آليات عمل واضحة تضمن سرعة الاستجابة للحالات التي تستدعي تدخلاً عاجلاً.
كما دعا إلى إحداث مركز إقليمي للاستقبال والإيواء، يوفر لهذه الفئة شروط العيش الكريم والرعاية اللازمة، معتبراً أن غياب فضاءات مخصصة للتكفل يفاقم معاناة الأشخاص الذين يجدون أنفسهم دون مأوى أو متابعة صحية واجتماعية منتظمة.
وامتدت مطالبه إلى ضرورة إحداث وحدة متنقلة للصحة النفسية، تتولى زيارة الجماعات الترابية البعيدة عن مركز الإقليم، مثل تنسيفت ومحاميد الغزلان وتاكونيت، بهدف تقريب الخدمات الصحية المتخصصة من الساكنة، وضمان استفادة الأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج والمواكبة من هذه الخدمات، دون أن يشكل البعد الجغرافي عائقاً أمام حقهم في الرعاية الصحية.
في جانب آخر، نبه الفاعل الجمعوي إلى ما وصفه بـ “الممارسات الحاطة بكرامة الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية”، داعياً إلى وضع حد لتصويرهم ونشر صورهم ومقاطع فيديو توثق أوضاعهم على مواقع التواصل الاجتماعي بغرض السخرية والتشهير، فضلاً عن رفض أي شكل من أشكال التعنيف أو المعاملة المهينة. مشدداً على أن الوضع الصحي أو الاجتماعي لهذه الفئة لا يبرر المساس بكرامتها أو انتهاك حقوقها، باعتبار أن الحماية والرعاية تظلان حقين مكفولين لكل شخص.
وختم ايعيش تصريحه بالتأكيد على أن معالجة هذه الأوضاع تقتضي الانتقال من التعامل الظرفي مع الحالات التي تظهر في الشوارع إلى بناء منظومة متكاملة للتكفل الصحي والاجتماعي، تقوم على توفير العلاج والإيواء والمواكبة، وتعزز التنسيق بين مختلف المتدخلين. معتبراً أن ترك الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية دون رعاية لا يعالج المشكلة، بل يفاقم معاناتهم ويعرض حياتهم لمخاطر إضافية.
صحة
صحة
صحة
صحة