المغرب
منوعات

حين يتراجع التصوف وتتقدم الطقوس: قراءة في التحولات المعاصرة للزوايا

العمق المغربي28 غشت 2026 في 09:020 مشاهدة
حين يتراجع التصوف وتتقدم الطقوس: قراءة في التحولات المعاصرة للزوايا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين يتراجع التصوف وتتقدم الطقوس" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 غشت 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أحيانا لا تحتاج المجتمعات إلى تقارير استخباراتية طويلة كي تكتشف أن شيئا ما قد اختل في أعماقها. تكفي صورة واحدة، صورة صادمة تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي، يظهر فيها أحد الأشخاص وهو ينحني ليقبل رجل أحد شيوخ الزوايا، في مشهد بدا لكثيرين أقرب إلى استعراض للخضوع منه إلى تعبير عن المحبة والاحترام.

وقد ازدادت وطأة الصورة لأنها جاءت في ظرف كان فيه مغاربة آخرين، وفي مقدمتهم شباب، مازالوا يظهرون في صور أخرى وهم يتدافعون نحو سبتة، بحثا عن أفق آخر، أو هربا من واقع لم يعد، في نظرهم، يقنعهم بما يكفي للبقاء. بين الصورتين مسافة جغرافية شاسعة، لكن بينهما سؤال واحد، ماذا حدث لنا؟!

كيف انتقل التصوف المغربي، الذي كان في لحظاته المضيئة مدرسة للأخلاق والتواضع وتزكية النفس، من مجال التربية والسلوك إلى بعض مظاهر التبجيل المبالغ فيه، والتنافس على المشيخات، والبحث عن الوجاهة والنفوذ؟ وكيف تحولت بعض الزوايا، التي كانت ذات يوم منارات للعلم والإرشاد والأمن الروحي، إلى فضاءات تثير أسئلة مشروعة حول ما آلت اليه اوضاع التصوف، بل حول معنى المشيخة نفسها؟

ليس السؤال هنا موجها إلى التصوف في جوهره، وإنما إلى بعض المتصوفة في ممارساتهم المعاصرة. فالتصوف المغربي، في أصله، لم يكن طقسا للفرجة ولا سلما للترقي الاجتماعي، ولم تكن المشيخة نظاما للحكم أو وجاهة تورث كما تورث الأملاك والتركات. كان التصوف، قبل أن يصبح طرقية وأسماء وسلاسل، تربية للإنسان على الإنسان.

ولهذا كان الشيخ في التصوف المغربي التقليدي مربيا وعالما، يحفظ القرآن ويعلم الناس أمور دينهم، ويهدي السالك إلى الطريق، ولم يكن سيدا على رقاب المريدين. كما كانت الزاوية مدرسة ومسجدا ودار ضيافة ومجالا للتكافل، بل كانت في بعض مراحل التاريخ أشبه برلمان اجتماعي غير مكتوب أو مدستر.

وحين تصبح المشيخة مجالا للصراع، وحين يتحول المريد إلى تابع شخصي، وحين يصبح اسم الطريقة عنوانا للنفوذ، فإننا نكون أمام شيء آخر غير ذلك التصوف الذي عرفه المغرب. والسؤال الأكثر إزعاجا هنا: منذ متى كان التصوف يورث للأبناء؟ هل القرب من الله إرث عائلي؟ هل التقوى تنتقل بالدم؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب التصوف هو أن يتحول من تربية روحية إلى بنية للامتياز الاجتماعي أو السياسي. عندها لا يعود المريد يبحث عن تزكية نفسه، بل عن رضى الشيخ؛ ولا يعود الشيخ منشغلا بتربية المريد، بل بتكثير الأتباع.

وهنا يبرز سؤال الدولة، وبالأخص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، باعتبارها الجهة المكلفة بتدبير الشأن الديني وحماية ثوابته في إطار إمارة المؤمنين: هل آن الأوان لفتح نقاش هادئ ومسؤول حول وضع بعض الطرق والزوايا ومظاهر الممارسة الصوفية اليوم؟

المطلوب هو إعادة التصوف إلى أصله ونبعه، وذلك بالتنظيم ولا شيء سواه. إعادته إلى التربية قبل الطقوس، إلى العلم قبل المشيخة، وإلى خدمة الناس قبل تكثير الأتباع. ولعل الرسالة السامية لجلالة الملك محمد السادس إلى المجلس العلمي الأعلى تتيح لنا فرصة لاستعادة السؤال الأكبر، أي تدين نريد أن نورثه لأبنائنا؟

إن التصوف، إذا عاد إلى أصله، يمكن أن يكون مدرسة كبرى لاستعادة المعنى في زمن تتراجع فيه المعاني. أما إذا بقي أسير الصراعات، فإن المشكلة لن تكون في التصوف، وإنما في أولئك الذين جعلوا التصوف يعاني من المتصوفة.

شارك الخبر: