البرامج الانتخابية المغربية: تشابه يقتل التنافس ويُبقي على السلوك التقليدي


هذا الخبر بعنوان "البرامج الانتخابية ومحددات السلوك الانتخابي بالمغرب؟" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 غشت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: عبد الغني السرار - أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والسياسية بالجديدة.
تكشف متابعة المسار الانتخابي في المغرب، منذ أول انتخابات تشريعية في ظل دستور 2011 وحتى الآن، عن اختلاف كبير بين الأحزاب المغربية ونظيراتها في التجارب الدولية. فالتعددية الحزبية لا تعكس بالضرورة تعددية سياسية أو مذهبية حقيقية، بل غالباً ما تُكرّس الأحادية السياسية أو الأيديولوجية.
المتتبع للبرامج الانتخابية منذ 2011 وحتى 2021 يلاحظ غياب التنافس الأيديولوجي، وعدم وجود برامج سياسية واضحة المعالم تصنف الأحزاب بين يمين ويسار. فجميع الأحزاب، بغض النظر عن مرجعياتها، ترفع شعارات متشابهة وتستخدم مفاهيم عامة مثل: الدولة الاجتماعية، العدالة الاجتماعية، اقتصاد الرفاه، تحسين القدرة الشرائية، تعميم التغطية الصحية، توفير فرص الشغل، وتحسين الدخل.
تعتمد الأحزاب أيضاً على مرجعيات فكرية متشابهة، يمكن حصرها في ثلاثة أصناف: المرجعية الدينية (الدفاع عن الإسلام والهوية الوطنية)، المرجعية الدستورية (الثوابت الدستورية الجامعة للأمة المغربية)، والمرجعية الاقتصادية والاجتماعية (محاربة الفقر والهشاشة، توفير السكن، دعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تحسين القدرة الشرائية، تعزيز المدرسة العمومية والخدمة الإدارية)، بالإضافة إلى المرجعية الحقوقية (ضمان فعلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية).
هذا التشابه في المرجعيات أفقد البرامج الانتخابية رونقها الأيديولوجي وطابعها التنافسي، مما يجعل الحملات الانتخابية في المغرب تقتصر على أهداف دعائية تقليدية ذات مضمون سياسي هزيل. ويعود غياب التنافس السياسي إلى انعدام برامج حزبية وانتخابية حقيقية، حيث تلجأ الأحزاب إلى شعارات عامة وفضفاضة مثل التغيير الديمقراطي، محاربة الرشوة والفساد، تحقيق الرفاه الاقتصادي، وتحسين الإدارة العمومية.
تتخذ الانتخابات أيضاً طابعاً شخصانياً، حيث تتحول المنافسة السياسية إلى منافسة بين أشخاص، وتصبح لعبة الشخصيات أهم من لعبة البرامج. هذه الخاصية لا تزال حاضرة بقوة، ومن المتوقع أن تستمر في الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في 23 شتنبر 2026. فبرغم كونها رابع انتخابات في ظل دستور 2011 ومواصلة مسلسل الإصلاح، فإن الحملات المستقبلية ستشهد توظيف نفس العبارات السابقة حول الاقتصاد التضامني والاجتماعي، محاربة الفقر، تقوية الدولة الاجتماعية، وتعزيز المرافق العمومية.
برامج الأحزاب تكاد لا تخلو من هذه المفاهيم والشعارات، مما يدل على غياب تغييرات جوهرية. حتى البعد الحقوقي في البرامج الانتخابية منذ 2011 يذهب في اتجاه واحد: سمو الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان على القوانين الداخلية، المساواة أمام القانون، قرينة البراءة، تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، إصلاح القضاء، وتوسيع صلاحيات البرلمان. هذا يجعل الأحزاب تتبنى نفس الأفكار والمطالب رغم تأكيدها على تبني إيديولوجيات متباينة.
أما السلوك الانتخابي، خاصة لدى الفئات الفقيرة والمهمشة، فيظل محكوماً بعوامل تقليدية كالعلاقات الشخصية، القرابة، والقبلية. فالناخب يختار مرشحاً بناءً على هذه المعايير أكثر من اختياره لبرنامج انتخابي أو بروفايل سياسي. هذا ما أنتج علاقات زبائنية وشبكات نفوذ سياسي تابعة لمراكز تأثير تحكمها الولاءات.
صحيح أن هناك تطوراً في الممارسة الانتخابية بفضل الترسانة القانونية والحد من شراء الأصوات والمال السياسي، كما أن وسائل الإعلام والمنصات الرقمية تلعب دوراً موجهاً. لكن رغم التحولات الرقمية والسوسيوثقافية والسياسية والقانونية، يظل السلوك الانتخابي محكوماً بمظاهر تقليدية كالأبعاد القبلية، القروية، الشخصية، العائلية، والزبائنية. ويبرر ذلك ظاهرة الترحال السياسي، حيث قام حوالي 37 نائباً برلمانياً بتغيير انتماءاتهم الحزبية بعد فوزهم بمقاعد في انتخابات 2021. وهذا يؤكد أن التصويت يتحكم فيه العلاقات الشخصية والقبلية والزبائنية أكثر من الانتماءات الحزبية أو السياسية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة