هل يحق لأحد أن يطالبك بتعطيل عقلك؟ جدل حول حرية التساؤل والإيمان


هذا الخبر بعنوان "إذا كان الله قد وهبني عقلا.. فمن أعطاكم الحق في مطالبتي بتعطيله؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 31 غشت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: حفصة بوطاهر
التاريخ: 31 أغسطس 2026
في دفاعي عن حق الدكتور محمد الفايد في طرح الأسئلة، قد أختلف معه مستقبلاً في بعض إجاباته، لكنني لن أختلف معه في حقه الأصيل في البحث والاستقصاء. فالقضية تتجاوز مجرد تقييم صحة أو خطأ ما يقوله الفايد، لتتعمق في جوهر الإيمان: هل نؤمن بالله كما هو، أم نؤمن بالصورة التي رسمها لنا الآخرون؟
منذ نعومة أظفارنا، نجد أنفسنا أمام منظومة جاهزة من المفاهيم: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا يجوز السؤال عنه، وذاك لا يجوز، وهذا ما يجب أن تعتقده، وهنا يجب أن يتوقف عقلك. نرث الأجوبة قبل أن ندرك الأسئلة. ثم نكبر ونصف أنفسنا بـ "المؤمن"، لكن هل اخترنا هذا الإيمان عن وعي وبحث، أم أنه مجرد إرث؟
القرآن الكريم نفسه يزعزع هذه الطمأنينة الموروثة بقوة، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. هذه الآية لا تمدح الاتباع الأعمى، بل تكشف عن خطورته. فكيف لنا أن نفعل الشيء نفسه ونسميه إيماناً؟
لقد وهبني الله عقلاً، فلماذا سيغضب مني إذا استعملته في البحث عنه؟ أليس القرآن هو الذي يحثنا على التعقل والتدبر بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؟ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾؟ ويطلب منا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. لاحظ كلمة "برهانكم"، فهي لا تعني ما ورثتموه أو ما قاله الناس من قبلكم، بل الدليل والبرهان.
إنني لا أبحث عن إله يتناسب مع رغباتي، ولا أرغب في رفض الموروث لمجرد أنه موروث. فقد يكون ما ورثناه حقاً، وقد يكون فهمنا له قاصراً. ما أريده هو أمر أشد صعوبة: أن أبحث عن الله كما هو، لا كما أريده أنا أو كما أراد الآخرون مني أن أتخيله. وهنا يصبح السؤال ضرورة لا جريمة. فإذا كنت أؤمن بأن الله هو الحق، فلماذا أخاف من البحث عن الحق؟ هل الحقيقة بهذه الهشاشة لدرجة أن سؤالاً واحداً يمكن أن يهدمها؟ وهل الله الذي خلق الكون والإنسان ومنحه القدرة على التفكير والتمييز، يحتاج منا أن نحميه من سؤال؟
إذا كان الدكتور الفايد مخطئاً، فليتم الرد على فكرته بالفكرة، وعلى حجته بالحجة، وعلى دليله بالدليل. أما التكفير والتخويف ومحاولة إسكات باب السؤال، فهذه الأساليب لا تجيب عن السؤال الأصلي، بل تطرح سؤالاً جديداً: لماذا هذا الخوف الشديد من تساؤل الإنسان؟
أنا لا أريد إيماناً ورثته ثم قضيت حياتي أحميه من الأسئلة. بل أريد إيماناً اجتاز مرحلة الأسئلة الصعبة، والشك، والبحث، والتفكر، ثم بقي راسخاً. فالسؤال الصادق لا يعني الابتعاد عن الله، بل قد يكون هو بداية الطريق إليه. وقد أعود من البحث مؤمناً بما كنت أؤمن به سابقاً، لكن الفرق سيكون جوهرياً: في المرة الأولى كنت أؤمن لأنهم قالوا لي، وفي المرة الثانية سأؤمن لأنني بحثت وفكرت واخترت. وأعتقد أن إيماناً يعرف أسباب إيمانه، أقوى بكثير من إيمان يخشى مجرد السؤال.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة