قانون المحاماة الجديد: معركة استقلال القضاء بين النضال المهني والأفق الديمقراطي


هذا الخبر بعنوان "قانون المحاماة ومعركة استقلال العدالة: من النضال المهني إلى الأفق الديمقراطي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستدعي اللحظة السياسية والحقوقية الراهنة، عقب صدور قانون تنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية، قراءة نقدية تتجاوز الحسابات الفئوية لتتعمق في طبيعة التوازنات السياسية والمؤسساتية التي تشكل صناعة التشريع، ومدى اكتمال البناء الديمقراطي. إن القضية لا تقتصر على خلاف مهني بين المحامين ووزارة العدل، بل تتصل بجوهر استقلال السلطة القضائية، ومكانة الدفاع في منظومة العدالة، وحدود تدخل السلطة التنفيذية، والعلاقة بين المؤسسات المنتخبة والمجتمع والقوى المهنية والمدنية.
إن الدفاع عن المؤسسة التشريعية، من منظور ديمقراطي، لا يعني تقديس برلمان يعاني من اختلالات عميقة في المشاركة السياسية، أو يعاني من عزوف انتخابي، أو تأثير المال، أو محدودية التمثيلية. لكن نقد هذه الاختلالات لا يجب أن يؤدي إلى إسقاط المرجعية المؤسساتية. فالموقف الديمقراطي يقتضي التمييز بين نقد البرلمان كعكس لأعطاب العملية السياسية، والدفاع عن مبدأ الفصل بين السلط كعمود أساسي لدولة القانون. المعركة الحقيقية يجب أن تتجه نحو مساءلة الحكومة عن اختياراتها السياسية والتشريعية، وعن علاقتها بالمهن القانونية ومنظومة العدالة، لا نحو مواجهة المؤسسة التشريعية ذاتها. المشكل ليس في وجود سلطة تشريعية، بل في أي محاولة لتحويل التشريع إلى أداة للهيمنة التنفيذية أو إخضاع مرفق العدالة للضبط الإداري، مما يمس استقلال القضاء ويضعف الضمانات للمتقاضين والدفاع. لحظة الانتخابات القادمة هي لحظة المحاسبة المناسبة.
لقد أثبت المسار الذي رافق إعداد هذا القانون أن النضال المهني، حين ينفتح على المجتمع ويستند إلى الترافع والحوار والضغط الديمقراطي، قادر على إحداث أثر فعلي في صناعة القرار التشريعي. فقد أسهمت تحركات المحامين في إدخال تعديلات على عدد من المقتضيات التي كانت موضع اعتراض، والحد من بعض التوجهات التي أثارت مخاوف بشأن مستقبل المهنة. العمل المؤسساتي لا يلغي قوة الضغط المجتمعي، والنضال المهني لا يفقد مشروعيته حين يلجأ إلى المؤسسات. الديمقراطية الحية تجعل الشارع والمجتمع المدني والهيئات المهنية والمؤسسات المنتخبة فضاءات متفاعلة لصناعة القرار.
لكن نشر القانون في صيغته النهائية يفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة، وأدوات فعل وترافع جديدة. استمرار تعطيل المحاكم، بعد استنفاد مرحلة التشريع، قد ينقل كلفة الصراع من السلطة إلى المواطن، ومن الجهة المسؤولة عن القرار إلى المتقاضي. لا يجوز أن يتحول الدفاع عن استقلال المهنة واستقلال العدالة إلى سبب إضافي لإضعاف الحق في الولوج إلى العدالة. الدفاع عن حقوق المحامين لا ينفصل عن الدفاع عن حقوق المتقاضين. حين يعاد وضع هذه المعركة داخل إطارها الديمقراطي والاجتماعي الأوسع، تتحول إلى قضية رأي عام: استقلال القضاء، حق الدفاع، الحق في محاكمة عادلة، المساواة أمام القانون، وحماية المواطن من تعسف السلطة.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى استراتيجية ترافعية جديدة لا تكتفي برفض النص، بل تواكب تطبيقه وتكشف مواطن الخلل. القانون، مهما بلغت دقة صياغته، تكشف الممارسة عن تناقضات وثغرات. رصد آثار القانون، وتجميع الملاحظات العملية، وإعداد مقترحات التعديل، وفتح النقاش مع مختلف القوى، يمكن أن يشكل مساراً أكثر نجاعة من معركة استنزافية يدفع المواطن ثمنها. موقف المحكمة الدستورية، بعدم البت في دستورية القانون لاعتبار شكلي، يفرض قراءة مؤسساتية دقيقة لاحترام المساطر والقواعد الدستورية. الرهان الديمقراطي لا يقوم على انتظار تدخل استثنائي، بل على ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل الدستور والقانون والمساطر أدوات لتنظيم الصراع السياسي.
يجب التمييز بين «الزمن المؤسساتي» ومنطق الاستعجال الفئوي. الديمقراطية لا تُبنى بالقرارات الانفعالية، واستقرار المراكز القانونية يقتضي احترام القواعد والمساطر. الدفاع عن انتظام الحياة المؤسساتية لا يعني تجميد النقد أو تعطيل مراجعة القوانين. المؤسسة الديمقراطية الحقيقية تتيح تصحيح أخطائها وتستجيب لمطالب المجتمع. الموقف من هذه القضية ينبغي أن يتجاوز نزعة الاصطفاف الفئوي. المعيار هو مدى احترام القانون للحقوق والحريات، وضمانه لاستقلال القضاء، وتحصينه لحق الدفاع، وحمايته للمواطن، ومساهمته في بناء عدالة مستقلة وناجعة ومنصفة.
تتجدد مسؤولية القوى اليسارية والديمقراطية التقدمية. استقلال المحامي في أداء وظيفته ليس امتيازاً شخصياً، وحصانة الدفاع ليست مكسباً نقابياً؛ إنهما ضمانتان للمواطن. الدفاع عن المهنة لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع عن امتيازات لا صلة لها بجوهر الوظيفة القضائية. كل مهنة مطالبة بمراجعة ذاتها، وربط الحقوق المهنية بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية. بناء ثقة المجتمع في الدفاع يتطلب الاعتراف بأن المحامي يؤدي وظيفة أساسية في إقامة العدل وحماية حقوق الإنسان.
المعركة ليست معركة المحامين وحدهم، ولا الحكومة وحدها. المعركة الأعمق هي حول أي عدالة نريد، وأي علاقة نريدها بين المواطن والقاضي والمحامي والسلطة التنفيذية والمؤسسة التشريعية. إنها معركة حول طبيعة الدولة التي نريد بناءها: دولة تُدار فيها الحقوق بمنطق التعليمات والضبط، أم دولة يصبح فيها القانون قيداً على السلطة قبل أن يكون قيداً على المواطن. نشر القانون لا ينبغي أن يكون خاتمة المعركة، بل بداية مرحلة جديدة منها. مرحلة تنتقل فيها المواجهة من الاحتجاج إلى التتبع والتقييم والترافع والاقتراح، ومن الدفاع عن المطالب المهنية إلى بناء جبهة ديمقراطية أوسع من أجل استقلال العدالة.
المطلوب ليس فقط تعديل مواد في قانون المحاماة، بل ترسيخ فلسفة تشريعية تجعل العدالة خدمة عمومية، والدفاع أحد أعمدتها، والمواطن في مركز كل إصلاح. قوة هذا النضال ستقاس بقدرته على تجاوز حدود الفئة إلى أفق المجتمع، وتحويل المطالب المهنية إلى مطالب ديمقراطية جامعة. عندما يصبح الدفاع عن استقلال المحامي دفاعاً عن حق المواطن، والدفاع عن استقلال القضاء دفاعاً عن الجميع، يصبح النضال من أجل تجويد قانون المحاماة جزءاً عضوياً من المعركة الأوسع من أجل دولة الحق والقانون، وسيادة المؤسسات، واستقلال السلطة القضائية، وحماية الحقوق والحريات. هذا هو الأفق الذي ينبغي أن يحكم الموقف الديمقراطي والتقدمي: لا تقديس للمؤسسات، ولا هدم لها؛ لا استسلام لمنطق السلطة التنفيذية، ولا رفض لمبدأ الدولة؛ لا تحويل للمهنة إلى جزيرة امتيازات، ولا اختزال لها في مجرد نشاط مهني. بناء توازن ديمقراطي حقيقي تكون فيه المؤسسات خاضعة للقانون، والسلطة قابلة للمساءلة، والعدالة مستقلة، والدفاع حراً، والمواطن هو المستفيد الأول والأخير من كل إصلاح تشريعي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة